الفصل الأول

 

المشكلة:  خلفيتها وأهميتها

 

تركز البحوث التربوية في الوقت الحالي على تعرف طرائق التعلم والتعليم الفعالة التي تمكن المتعلم من تحقيق تعلم أفضل. وهذا لا يتأتى إلا من خلال تمكينه من امتلاك  مهارات عديدة للتفكير والاتصال والتواصل وحل المشكلات، واستيعاب المعارف العلمية والتكنولوجية المختلفة التي تساعده في فهم ما يستجد في هذا العالم من معارف وتقنيات لا حصر لها، الأمر الذي يجعل  من اكتساب مهارات التفكير ضرورة لازمة لمواجهة نواتج التفجر العلمي بكافة أشكاله وصوره ( Costa, 1985) وهذا ما أكد عليه زولار (Zollar,1991)  من أن تعلم التفكير وتعليمه أصبح مطلبا ضروريا لجميع الطلاب، بحيث لا يقتصر على أكثرهم ذكاء وتميزا، وإنما يشمل من هم دون ذلك في الذكاء والتميز، لأنهم قادرون على تعلم مهارات التفكير الأساسية وحتى العليا عندما تتوافر لهم ظروف تعليم فعالة. كما أشار باديلا (Padilla,1990)  أن من أهم أهداف التدريس، هو تعليم الطلبة التفكير، وتشترك المواضيع المدرسية المختلفة في تحقيق هذا الهدف. ويرى باير  (Beyer, 1987)  أن تعليم التفكير يعزز من فرص المجتمعات والأفراد في البقاء في عالم سريع التغيير. من هذا المنطلق تعالت الأصوات المنادية بضرورة تعليم التفكير وتنميته حتى بات ذلك هدفا رئيسا تسعى المناهج التربوية لتحقيقه في الكثير من دول العالم. وترى ماكفرلاند (Mcfarland,1985)  أنه على الرغم من النمو والتطور الحاصلين عند الأفراد في المجتمع ورغم التكيف الحاصل مع المستجدات الثقافية، إلا أن الأكثر أهمية يكمن في تنمية الرغبة والقدرة عند الأفراد على التفكير، من أجل بناء الشخصية الموضوعية، ولتحقيق المواطنة الفاعلة والمشاركة الديمقراطية في حياتهم. وعليه فقد جاءت هذه الدراسة لتستكشف الطرق المناسبة لتنمية التفكير مما قد يؤدي إلى تبني هذه الطرق في المستقبل .

في ضوء ما تقدم لا بد لعملية التدريس من إعادة النظر في أساليبها وطرائقها، واستحداث أساليب وطرائق فعالة تمكنها من مواكبة التراكم المعرفي المتسارع ( الحديدي، 1990). وهذا ما أكدت عليه أهداف التربية التي حددتها وزارة التربية والتعليم الأردنية، والتي تسعى لتحقيق تغيير في الطرائق التعليمية التقليدية بإدخال أساليب جديدة تساعد على تنمية الاتجاهات والتركيز على تعليم الطالب كيف يتعلم؟ وكيف يفكر؟ ( وزارة التربية والتعليم، 1994). 

  وبهذا الصدد، فقد أكدّ مؤتمر التطوير التربوي الذي عقد عام (1987) بشكل واضح وصريح على ضرورة تنمية الأنواع المختلفة من التفكير. كما أكدّ قانون التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1994، على أنّ من أهم أهداف فلسفة التربية والتعليم في الأردن تنمية التفكير وتطويره لدى الأفراد من أجل مواكبة التطورات المختلفة في هذا العالم الممتد والمتأجج بالمعرفة ( وزارة التربية والتعليم، 1994). وعليه، فقد جاءت هذه الدراسة لفحص استراتيجيتين من استراتيجيات تنمية التفكير، وتعرف أثرهما في تنمية التفكير الناقد والتفكير ما وراء المعرفي والتحصيل لدى طلبة الصف العاشر، علها تسهم ولو بدور بسيط في تطوير استراتيجيات التدريس المستعملة حالياً في مدارسنا باتجاه تنمية تفكير الطلبة وإعدادهم للعيش في عالم المستقبل.


 

التفكير

يمثل التفكير أعقد نوع من أشكال السلوك الإنساني، فهو يأتي في أعلى مستويات النشاط العقلي، كما يعتبر من أهم الخصائص التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وهذا السلوك بتركيب الدماغ والبنية العقلية للمتعلم ( حمودة، 2000). ولهذا نجد أن الآراء قد تعددت نحوه وكثرت تعريفاته. بحيث أصبح من الصعب حصرها والإلمام بها. فالتفكير كما يراه بياجيه يحدث من خلال الطريقة التي يتمثل فيها الفرد العالم من حوله، أو يتكيف مع البيئة التي يعيش فيها، حيث تتغير البنية المعرفية لديه بانتظام، ويمكن القول أن الفرد يمتلك حاجة مستمرة لتنظيم تمثلاته للعالم، وتنسيقها داخليا، وترتيبها، كذلك فهو يحتاج إلى التكيف مع الواقع في العالم الخارجي المحيط به، وإعادة تنظيم بنيته العقلية في ضوء معطيات هذا الواقع (Mayer, 1983 ).

ويشير عبد السلام (2001) إلى أنّ التفكير نشاط عقلي يتضمن مجموعة من العمليات العقلية اللازمة لمعالجة الموضوعات والمشكلات وترميزها والتي لا يمكن ملاحظتها أو قياسها بشكل مباشر، ولكن يمكن الاستدلال عليها أو استنتاجها من السلوك الظاهري الذي يصدر عن الأفراد عند مواجهة مشكلة ما والتصدي لحلها.

وعرفّ باير Beyer, 2001)) التفكير على أنه عملية عقلية يستطيع المتعلم عن طريقها عمل شيء ذي معنى من خلال الخبرة التي يمر بها. في حين يرى ويلسون                   Wilson, 2002)) أنه يمثل عملية عقلية يتم عن طريقها معرفة الكثير من الأمور وتذكرها وفهمها وتقبلها. ويرى باير (Beyer, 1987 ) أنّ التفكير مفهوم معقد يتألف من: عمليات عقلية معقدة ومعرفة خاصة بمحتوى المادة أو الموضوع، ونزوعات أو اتجاهات نحو أساليب التعامل مع الأشياء.

 

واعتقدت هايمان وسلوميانكو Heiman&Slomianko, 2002) ) الوارد في (سعادة، 2003) بأن التفكير عبارة عن عملية نشطة تشتمل على أحداث كثيرة تتراوح بين الأحلام اليومية العادية والبسيطة ,وبين حل المشكلات الصعبة والمعقدة، وأنها تشكل حوارا داخليا مستمرا ومصاحبا لأفعال متعددة مثل القيام بواجب معين أو ملاحظة منظر ما أو التعبير عن وجهة نظر محددة.

 أما دي بونو(DeBono)  فيعرف التفكير بأنه تقصٍ مدروس ومتروٍ للخبرة من أجل تحقيق فهم لها، أو اتخاذ  قرار بشأنها، أو التخطيط للقيام بها، أو حل المشكلات المتعلقة بها، أو الحكم على الأشياء، أو القيام بعمل ما ( دي بونو، 1989)  .

ويعرفه الخليلي وحيدر ويونس ( 1996) بأنه نشاط عقلي يستخدم الرموز مثل الصور الذهنية والمعاني والألفاظ والأرقام والذكريات والإشارات والتعبيرات والإيحاءات التي تحل محل الأشياء والأشخاص والمواقف والأحداث المختلفة التي يفكر فيها الشخص بهدف فهم موضوع أو موقف معين.

والتفكير من وجهة نظر برسايسن (Presseisen, 1985) هو عملية عقلية، أو نشاط عقلي نكتسب به معرفة ما، أو انه عملية منظمة تهدف إلى إكساب الفرد معرفة ما. في حين يعرفه بارون (Baron, 1990) بأنه عملية عقلية هادفة يحتاجها الفرد في حياته اليومية، وتؤثر في الطريقة التي يخطط بها حياته، ويختار أهدافه، ويتخذ قراراته.  

أما سولسو ((Solso, 1988 فيعرف التفكير بأنه عملية يتشكل بها تمثل عقلي جديد من خلال نقل المعلومات بواسطة نشاط داخلي معقد يعزى للعقل فيما يتعلق بالمحاكمة، والتلخيص، والاستنتاج، والتخيل وحل المشكلات. وهو يرى أن التفكير يتسم بمجموعة من الخصائص من أهمها أنه: 

1. يحدث داخليا في الدماغ، أو النظام المعرفي، ويستدل عليه من السلوك الظاهر.

2. يشتمل على مجموعة من العمليات المعرفية.

3. يؤدي إلى حل مشكلة ما، أو هو موجّه نحو الحل.

 وذكرت السرور (1998) أنّ كوستا قد عرفّ التفكير على انه المعالجة العقلية للمدخلات الحسية من أجل تشكيل الأفكار وإدراك الأمور والحكم عليها.

كما أشار باريل الوارد في جروان (1999) أن التفكير في ابسط تعريف له هو سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق واحد أو أكثر من الحواس الخمس:  اللمس، والبصر، والسمع، والشم، والتذوق. والتفكير بمعناه الواسع عملية بحث عن معنى في الموقف أو الخبرة.

في ضوء ما سبق من تعريفات للتفكير، يمكن النظر إلى التفكير على انه نشاط عقلي يتضمن مجموعة من العمليات العقلية اللازمة لمعالجة وحل المشكلات الصعبة والمعقدة، ومن خلاله يمكن فهم الأمور ومتذكرها وتقبلها، كما انه تقص مدروس للخبرة من اجل تحقيق فهم لها واتخاذ قرار بشأنها وبالتالي إكساب معرفة ما .

 ويرى كيلي Kelley, 1998) ) أنه يمكن النظر إلى التفكير على أنه:

1. مجموعة من العمليات المعقدة التي يمكن أن تتغيير باستمرار.

2. مهارة يمكن أن تعلم .

3. نشاط عقلي يرتبط بخبرات الفرد.

وتقسم عمليات التفكير من وجهة نظر إلى:

1. مهارات التفكير الأساسية وتشمل: الملاحظة، والمقارنة، والتصنيف، والتلخيص، وتنظيم المعلومات، والتطبيق، والعلاقة بين الأجزاء.

2. عمليات التفكير المركبة وتشمل:  التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي، وحل المشكلات، واتخاذ القرار.

3. العمليات فوق المعرفية وتتضمن التفكير في التفكير(جروان،1999).

أما باير (Beyer   ) فقد قسم التفكير إلى:

1. مهارات تفكير أساسية وتتضمن:  المعرفة، والملاحظة، والمقارنة، والتصنيف، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب والتقويم.

2. عمليات عقلية متوسطة وتتضمن:  التفكير الناقد والتفكير الإبداعي.

3. استراتيجيات عقلية وتتضمن:  حل المشكلات، واتخاذ القرارات، وتكوين المفاهيم.

4. العمليات فوق المعرفية وتتضمن جميع العمليات السابقة ((Beyer,1987.

   وقد حددت هيلدا تابا ثلاث فرضيات أساسية عن التفكير، وهي:

·        التفكير يمكن أن يعلم.

·        التفكير عملية ذهنية نشطة يتفاعل فيها الفرد مع المعلومات.

·        تتسلسل عمليات التفكير في سياق منطقي على شكل مهمات   ( قطامي، 1990).   

  وفيما يتعلق بتعليم التفكير فإن الكثير من الباحثين يشددون على أهمية تعلمه،  إذ يذكر باير Beyer, 1987)) أن من الواجب أن نعلم الطلاب كيف يفكرون إذا لم يكونوا يعرفون ذلك. وذكرت ( المانع، 1996) أن نيكرسون  Nickerson)) يرى أن كلا منا يقوم بعمليات تفكيرية مثل:  المقارنة والتصنيف والتنظيم والتقدير وغيرها من العمليات الذهنية، إلا أن ذلك لا يعني مطلقا أن هذه العمليات تتم بشكل جيد، ومن اجل ذلك حدد الأسباب المهمة التي تدفع إلى تعليم التفكير ومن هذه الأسباب:

1. المنفعة الذاتية للمتعلم نفسه، فعندما نحرص على تعليم التلاميذ مهارات التفكير الجيد، فأننا نفعل ذلك حتى يكونوا مزودين بما يساعدهم على خوض مجالات التنافس بشكل فعال في هذا العصر الذي ارتبط فيه النجاح والتفوق بمدى القدرة على التفكير الجيد، والمهارة فيه.

2. المنفعة الاجتماعية العامة، فاكتساب أفراد المجتمع لمهارات التفكير الجيد يجعل منهم مواطنين صالحين يستطيعون النظر بعمق وحكمة إلى المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع.

3. الصحة النفسية، إذ إن القدرة على التفكير الجيد تساعد المرء على الراحة النفسية، فالمفكرون الجيدون يكون لديهم عادة القدرة على التكيف مع الأحداث والمتغيرات أكثر من الأشخاص الذين لا يحسنون التفكير.

 في ضوء ما تقدم نجد أن هناك أنواعا مختلفة من التفكير من أهمها:  التفكير الاستقرائي، والتفكير الحر، والتفكير الناقد والإدراك فوق المعرفي.        

التفكير الاستقرائي

تنبثق أهمية تعليم التفكير الاستقرائي من أهمية تعليم التفكير بمهاراته المختلفة، وان التدريب على هذا النمط من التفكير يزيد من القدرة على استنتاج المعلومات من المعطيات . كما يساعد على زيادة قدرة الفرد على حل المشكلات، وذلك لأن حل المشكلات يتطلب درجة عالية من القدرة على معالجة المعلومات، وهذا ما أكدته دراسة كلوير(Klauer, 1996) حيث أشارت إلى الأثر الإيجابي للتدريب الاستقرائي على حل المشكلات المعقدة.

تناول الأدب التربوي عدة تعريفات للتفكير الاستقرائي، فقد عرف لوفتينك وهوبت                                 Lofting & Hopt, 1998)) الاستقراء بأنه عملية عقلية نعالج بها عددا من الأمثلة لصنف من الأشياء، ونتوصل من خلال تلك العملية إلى استكشاف الخصائص المشتركة لهذه الأمثلة، والتي جعلتها تنتمي إلى ذلك الصنف.

 أما سولسو (Solso, 1988) فيرى أن التفكير الاستقرائي يقود إلى الاستنتاج بشكل ضمني أو صريح في عبارات احتمالية، وترتكز فيه القرارات على خبرات ماضية، كما يرتكز على ما يتم إدراكه كخيار أفضل لعدد من البدائل المحتملة.

وتعرف كيلي  Kelly, 1998)) الاستقراء على أنه عملية تكتسب بها المعرفة بصورة أولية بالتعميم من الخبرة، فهي تقوم على التوصل إلى استنتاج جديد حول صنف من الأشياء من مقدمات معينة حول أعضاء محددين لتلك الفئة.

 أما كلوير Klauer, 1996) ) فينظر إليه على أنه عملية نكتشف بواسطتها تعميما معينا، أو ندحض تعميما مفترضا، وهذا يمكن تحقيقه من خلال عملية مقارنة تساعدنا في تحديد أوجه التشابه أو الاختلاف أو كليهما، لخصائص الأشياء مما يساعدنا في التوصل إلى تعميمات عنها.

        ويوضح مورغان (Morgan) أن الجهود المبذولة للارتقاء بالعلوم تتبع دورة تبدأ بالملاحظة لتنتهي بالقواعد والأساسيات أي انه يقوم على الاستقراء  ( شعيب، 1991) .

ويعد التفكير الاستقرائي جزءا لا يتجزأ من التفكير الناقد، فقد ذكر مارزانو وزملاؤه          Marzano &others, 1988) ) أن التفكير الناقد يتضمن عددا من المواقف والقدرات من بينها الاستقراء وإصدار الحكم على العبارات الدالة عليه. ويربط ( فيشر) بين التفكير الناقد والقدرة على الاستقراء، من حيث أن الفرد يمكنه أن يفكر تفكيرا ناقدا بقدر ما يمتلكه من خبرة وقدرة على قياس المعلومات والأفكار، وتقويم المناقشات، وصولا إلى الأحكام الموزونة ( السيد، 1995). ومن اجل تطبيق نمط التفكير الاستقرائي بفعالية أثناء التدريس يجب أن تتوفر الشروط التالية:

·        تدرج المعلم بالمعلومات والخبرات المطلوبة من الخاص إلى العام.

·        توفير معلومات كافية يستطيع الطالب من خلالها استقراء العلاقات والمبادىء والتعميمات

·        استعمال المعلم أسئلة مخططة وهادفة ومحددة تساعد على استثارة الأفكار وتوليدها.

·        تعاون المعلم مع المتعلمين، وسيادة العلاقات الإنسانية في أثناء عملية الاستقراء، إذ بدونها لا يحدث الاستقراء ( Joyce & Weil, 1972 ).

وقد حدد باير (Beyer, 1987) ثلاث استراتيجيات لتعليم مهارات التفكير هي:  استراتيجية التفكير المباشر، استراتيجية التفكير الاستقرائي، واستراتيجية التفكير التطوري. وحدد خطوات استراتيجية التفكير الاستقرائي بالخطوات الآتية:

·        تقديم المهارة:  وتشمل:  هدف الدرس، واسم المهارة، وإعطاء تعريف إجرائي للمهارة، والطرق التي تستخدم فيها المهارة، وأهمية دراسة المهارة.

·        تنفيذ المهارة:  وتشمل آلية جيدة لتنفيذ المهارة عن طريق عمل الطلبة في مجموعات.

·        التأمل فيما حصل:  وتتضمن تقديم الطلبة تقريرا عما دار في أذهانهم عندما انخرطوا في أداء هذه المهارة.

·        تطبيق المهارة:  وفيها يتم استخدام ما تمت مناقشته عن المهارة لإكمال مهمة جديدة.

·        مراجعة المهارة:  وتشمل:  الطلب من الطلبة كتابة تقرير عما تم في عقولهم عند تطبيق المهارة ومراجعة القواعد التي توجه استخدامها، ثم تعريف المهارة بشكل أفضل بعد كل ما حصل، وتمكينهم من استخدامها في مواقف خارج المدرسة.

التفكير الناقد

تعد القدرة على التفكير الناقد مطلبا مهما لجميع فئات المجتمع، فالفرد الذي يمتلك مثل هذه القدرة يكون مستقلا في تفكيره، ومراقبا له، وقادرا على اتخاذ قرارات صائبة في حياته، وواعيا للأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلده  (الحموري والوهر، 1998).

أما مكفرلاند (Mcfarland, 1985) فترى أنه برغم النمو والتطور الحاصلين عند الأفراد في المجتمع والتكيف الحاصل مع المستجدات الثقافية، إلا أن الأكثر أهمية يكمن في تنمية الرغبة والقدرة على التفكير الناقد، من أجل بناء الشخصية الموضوعية، وتحقيق المواطنة والمشاركة الديمقراطية.

ويؤكد بول ((Paul, 1984 احتياج الطلبة إلى قدر كبير من التدريب على التفكير في الأمور بمنطق حواري وجدلي، حتى يصبحوا متمرسين في وزن وجهات النظر المتعارضة والتوفيق بينها وتقييمها من خلال الحوار والنقاش والمناظرة المنطقية. ولكي يتحقق ذلك لدى الطلبة لا بد من إثارة الدافعية لديهم للانخراط بشكل جدي في التفكير الناقد. ومن أجل تطوير هذه الدافعية عليهم أن يشاركوا بشكل نشط في التعامل مع مشكلات وقضايا حقيقية، وأن يروا معلميهم يفعلون الشيء نفسه (Mayer, 1983).

والتفكير الناقد ليس خيارا تربويا، وإنما هو ضرورة تربوية لا غنى عنها، ويعزى ذلك إلى جملة من الاعتبارات منها أن تنمية قدرة التفكير الناقد عند الطلبة تؤدي إلى فهم أعمق للمحتوى المعرفي الذي يتعلمونه، ذلك أن التعلم في أساسه عملية تفكير، وأن توظيف التفكير يحول عملية اكتساب المعرفة من عملية خاملة إلى نشاط عقلي يفضي إلى إتقان أفضل للمحتوى، وإلى ربط عناصره بعضها ببعض.

ويرى ماكفرلاند (Macfar Land) الوارد في حمادنة (1995) أن التفكير الناقد هو أحد أهداف التربية المعاصرة، ويجب تدريس مهاراته والتدريب عليها لأن أهميته تكمن في بناء شخصية تتسم بالموضوعية، ومواطنة فاعلة ومشاركة في المجتمع الديمقراطي

ويوضح نيكرسون (Nickerson,1985) أهمية تعلم الفرد التفكير الناقد كما يلي:

1. إن القدرة على التفكير الجيد تساعد الأفراد على التكيف بدرجة أكبر من نظرائهم الذين لا يمتلكون هذه القدرة بشكل كاف، حيث أن المجتمع يتغير بدرجة سريعة، وتتشابك الأحداث فيه وتتعقد، مما يؤدي إلى بروز تحديات لا تكفي المعرفة المناسبة فقط لمعالجتها، بل لا بد من امتلاك مهارة تطبيق هذه المعرفة بشكل جيد.

2. مع تعقد المجتمعات وسهولة التواصل بين أفرادها أخذ الإنسان يتعرض للعديد من الإغراءات والتأثيرات من أجهزة الإعلام بأنواعها. ولكي يحدد الفرد موقعه من ذلك، لا بد له من التفكير الناقد الذي يزن الأمور، ويفاضل بين الأشياء .

هنالك العديد من التعريفات للتفكير الناقد،  إذ يعرفه فاسيون (Facione, 1996) بأنه حكم منظم ذاتيا وهادف يؤدي إلى التفسير، والتحليل، والتقييم، والاستنتاج، إضافة إلى شرح الاعتبارات المتعلقة بالبراهين، والمفاهيم، والطرق، والمقاييس، والسياقات، والتي بني على أساسها ذلك الحكم. 

 ويرى مايورانا Maiorana,1992))  أن الهدف من التفكير الناقد هو تحقيق الفهم، وتقييم وجهات النظر المختلفة، وحل المشكلات. وبمنتهى البساطة، فإن التفكير الناقد هو طرح الأسئلة والاستقصاء الذي يؤدي إلى الفهم والتقييم.

ويعرفه إنيس Ennis, 1985)) بأنه تفكير تأملي عقلاني يركز على اتخاذ القرارات بشأن ما يجب الاعتقاد به أو عمله.

ويعرفه سكريفن وبول  Scriven& Paul, 1996)) بأنه عملية عقلانية نشطة تشمل التطبيق والتحليل والبناء وتقييم المعلومات التي تتجمع أو تولد من الملاحظة والخبرة والاتصال، والتي تعتبر المرشد للاعتقاد والعمل.

أما رزق (1987) فيؤكد على أن التفكير الناقد يعتمد التمحيص الدقيق لكافة المقدمات والأدلة، كما يستند إلى التدرج البطيء خطوة خطوة، ويسترشد بالموضوعية إلى أقصى درجة ممكنة من أجل التوصل إلى نتائج سليمة تتصف بالصدق والثبات، ويعكف على دراسة كافة العوامل المتعلقة بالموضوع، مثلما يستخدم وسائل المنطق، ويراعي الدقة، ويقارن النتائج، أي أنه لا يقبل الأمور والمعطيات دونما تدقيق بل يضعها في ميزان النقد ويقومها بصورة مستمرة.

وعرفه واطسون – جليسر الوارد في قطامي (1990) على أنه فحص المعتقدات والمقترحات بكفاية وفاعلية، في ضوء الشواهد التي تؤيدها والحقائق المتصلة بها بدلا من القفز إلى النتائج.

في حين يرى نوريس Noris, 1985)) أن التفكير الناقد عبارة عن خليط من عدة اعتبارات تتطلب من الأفراد أخذ وجهات نظر الآخرين بالحسبان، والبحث عن البدائل لتكوين وجهة نظر خاصة بهم، والقدرة على اتخاذ القرار السليم للقيام بعمل أو الإيمان بشيء معين، وتقييم آراء الآخرين ومقارنتها للوصول إلى استنتاجات سليمة.

 ويقول آنجلو (Angelo, 1995) أن معظم التعريفات الرسمية للتفكير الناقد تركز على أنه عملية عقلية ومهارة تفكير عليا تتضمن التحليل والبناء وحل المشكلات والتقييم. وهذا ما يؤكد عليه انيس (Ennis) إذ يقول أن التفكير الناقد بمفهومه العريض يعبر عنه أحيانا بقدرات التفكير العليا التي تشمل عادة قدرات التطبيق والتحليل والتركيب والتقييم، كما يضم بالإضافة إلى هذه القدرات الملاحظة وطرح الأسئلة وتوضيحها، والتفاعل مع الأخريين فضلا عن جملة من النزعات أو الاتجاهات ( عنابي، 1991). وربما يكون التعريف الذي قدمه باير (Beyer, 1987) للتفكير الناقد ابسط من غيره، إذ يعرفه بأنه إيضاح الأسباب من اجل الحكم.

وبناء على م سبق من تعريفات للتفكير الناقد ، فانه يمكن النظر للتفكير الناقد على انه تحقيق الفهم وتقييم وجهات النظر من اجل اتخاذ قرار ما من خلال التمحيص الدقيق لكافة الأدلة بطريقة موضوعية من اجل الوصول إلى نتائج تتصف بالدقة والثبات .

 وقد حدد ويد (Wade, 1995) ثماني خصائص للتفكير الناقد هي: طرح الأسئلة، وتحديد المشكلة، وفحص الأحداث، وتحليل الافتراضات، وعدم التحيز، وتجنب أسباب الانفعالات، وتجنب التبسيط الزائد، والاهتمام بالغموض.

ويلعب المعلمون دورا هاما في عملية تنمية التفكير الناقد، حيث يركز باير                 Beyer, 1987)) على دور المعلم في هذا المجال, إذ يقول:  لا يتعلم الشباب اليافع أن يندمجوا في التفكير الناقد بفاعلية وحدهم، بل يحتاجون إلى إرشاد وتعليم مباشر. فالمعلم هو الذي يختار المهارة المراد تنميتها ويخطط لتعليمها، ويقوم بتعليمها وفق إستراتيجية محددة.  

وباختصار، فإن التفكير الجيد يتكون من مجموعة من القدرات التفكيرية التي تساعد الفرد على أن يصحح تفكيره بنفسه، ويفكر تفكيرا ناقدا وعقلانيا، ويحلل ما يعرفه ويفهمه ويسيطر عليه، كما تمكنه من التفكير بمرونة وموضوعية، وتجعله قادرا على إصدار الأحكام الناقدة. وتتضمن قدرة التفكير الناقد على:  تعلم كيف تسأل ؟ ومتى تسأل ؟ وما الأسئلة التي تطرح ؟ وكيف تعلل ؟ ومتى، وما طرق التعليل التي تستخدمها ؟ ويستطيع الفرد أن يفكر تفكيرا ناقدا، إذا كان قادرا على فحص الخبرة وتقويم المعرفة والأفكار والحجج من أجل الوصول إلى أحكام متوازنة ( الحموري، الوهر، 1998).

وتعد قدرة التفكير الناقد هامة لمعظم أفراد المجتمع،  فالفرد الذي يمتلك هذه القدرة يكون مستقلا في تفكيره مراقبا له متحررا من التبعية، وقادرا على اتخاذ قرارات مناسبة وفق معايير محددة، ويتخذ منها مواقف واعية بناء على تلك المعايير. وفضلا عن ذلك فان قدرة الطلبة على التفكير الناقد تعد ضرورية لفهم المحتوى المعرفي للموضوعات المدرسية. إن مهارة التفكير الناقد تمكن الطلبة من امتلاك المعلومات وفهمها بغض النظر عن الوقت أو المكان أو نوع المعلومات التي يطبق فيها. ( الحموري، الوهر، 1998).

ويؤكد كوتوسكي (Kotowski) على ضرورة أن يحظى التفكير الناقد بوزن واهتمام في أي نظام تعليمي لأنه بحاجة إلى متعلمين قادرين على الحوار وتحليل وجهات النظر المتفاوتة، والاستنباط والاستنتاج والتقويم ( صالح، 1994). ويشير ويد  وتافريس (Wade & Tavris,1995)  إلى أن المتعلم بحاجة إلى التزود بمهارات التفكير الناقد لأن ذلك يساعده على خوض مجالات التنافس بشكل فعال في هذا العصر الذي ارتبط فيه النجاح والتفوق بمدى القدرة على التفكير الجيد والمهارة فيه. وقد حددا ثماني قدرات تساعد الفرد على امتلاك مهارات التفكير الناقد وهي:  طرح الأسئلة، تحديد المشكلة، فحص الأدلة، تحليل الافتراضات، الابتعاد عن التفكير العاطفي، تجنب تبسيط الأشياء وتشويه صورتها، أخذ التفسيرات الأخرى بعين الاعتبار وتحمل الغموض. وتكمن أهمية التفكير الناقد في تحول الطالب من التعلم إلى التفكير، إذ يراد من الطلبة أن يفكروا، لا أن يتعلموا فقط ما فكر به الآخرون. وإذا كان التفكير الناقد سينمي التعلم فذلك لأنه يضاعف كمية ونوعية المعنى الذي يستخلصه الطالب مما يقرؤه ويفهمه ويعبر عنه سواء بالكتابة أو الحديث  (Lapman,1998).

 والطالب عندما يفكر تفكيرا ناقدا فانه يفحص الخبرة ويقدر المعرفة والأفكار ويوازن بين أطراف المجادلات قبل أن يصل إلى المعرفة غير المنقوصة، وان الذي يمارس التفكير الناقد يتسم باتجاهات معينة نحو التفسير والاستدلال وقبول التحدي والرغبة في الحقيقة (عسر،1999 ) . وبما أن التفكير الناقد يعتمد على البحث والمقارنة لمحاولة معرفة الصحيح من الخطأ، فانه يجب توجيه الفرد لمعرفة الصحيح من الخطأ، وذلك عن طريق توجيهه لتحديد التناقضات والفروق بين الأشياء، ويجب أن تهتم برامج إعداد المعلمين بالأساليب التي تنمي مهارة التفكير الناقد لدى الطلبة، واستخدام أسلوب التساؤل لتنمية التفكير الناقد ( مراد، 1994).

ويركز بول (Paul, 1985) في هذا المجال على دور المعلم في تعليم التفكير الناقد، ويعني ذلك تعلم تقنية السؤال والجواب، وطرح الأسئلة التي تتطلب التحليل والتركيب والتقييم، إن مساعدة المعلمين على إدخال التفكير الناقد إلى غرفة الصف، يعني مساعدتهم على إتقان هذه المهارات.     

 

الإدراك فوق المعرفي 

ظهر مصطلح الإدراك فوق المعرفي Metsacognition في السبعينات من القرن الماضي، وأول من اشتق هذا المصطلح هو فلافيل Flavell عام 1976. ولقد كان للأبحاث التي قام بها فلافل (Flavell) حول تطور الذاكرة والتذكر أثر في ظهور مصطلح الإدراك فوق المعرفي، إذ يرى أن عمليات تطور الذاكرة في جزء كبير منها هو نتيجة تطور بنية الذكاء والرقابة الذكية لعمليات تخزين المعلومات واسترجاعها. وعليه فان الفرد الذي لديه وعي أعلى في العمليات السابقة يصبح لديه قدرة اكبر على تنظيم أفكاره وتوجيهها لتحقيق أهداف محددة وإنجاز مهمات معرفية أكثر أي يصبح لديه القدرة على التفكير حول تفكيره مما أدى إلى ظهور مصطلح الإدراك فوق المعرفي(Flavell, 1976).  أي إن ما توصل إليه فلافل (Flavell) مرتبط بنظرية التطور العقلي لبياجيه والتي خلصت إلى أن الطفل بعد السنة السابعة من العمر يتمكن من ممارسة النشاطات الخاصة بمجال التفكير بالتفكير، كما أن توصيات بعض المعنيين في سياق الإدراك فوق المعرفي تؤكد بأن التدريب الموجه يحسن من عمليات الإدراك فوق المعرفي عند الطفل بعد هذا السن (Weinert &Kluwe, 1987).

  ومازال مفهوم الإدراك فوق المعرفي يلقى الكثير من الاهتمام نظرا لارتباطه بنظريات الذكاء والتعلم واستراتيجيات حل المشكلة واتخاذ القرار (Gordon, 1996). والإدراك فوق المعرفي من وجهة نظر فلافل (Flavell) يعني معرفة الشخص بنفسه، و بالمهمة التي يقوم بها، وبالاستراتيجية التي تلزم لمعالجة هذه المهمة، وهو يعني معرفة الفرد الخاصة بعملياته المعرفية ونتائجها(Graner, 1989).

أما بروان (Brown, 1978) فعرفته بأنه المقدرة على مراقبة تفكير الفرد وضبطه وتنظيمه. في حين أشار (Grodon, 1996) إلى أن الإدراك فوق المعرفي هو تقييم الحالات والأوضاع المعرفية، مثل التقدير الذاتي، والإدارة الذاتية.

وأشار باباس وموي ((Babbas & Moe, 1983 إلى أن الإدراك فوق المعرفي هو إدراك الفرد ووعيه للعمليات المعرفية الخاصة به بغض النظر عن مضمون تلك العمليات، مع استخدام ذلك الوعي الذاتي في ضبط العمليات المعرفية وتحسينها. في حين يرى باريس Paris ) 1983 ) أن الإدراك فوق المعرفي يعني الوعي بتفكيرنا عندما نقوم بإنجاز مهمة أو مهمات محددة، أو نستخدم هذا الوعي في مراقبة ما نفعله أو ضبطه وهو بذلك تفكير استراتيجي.

ويعد الإدراك فوق المعرفي من أعلى مستويات التفكير، إذ يوصف بأنه مستوى من التفكير المعقد، يتعلق بمراقبة الفرد لكيفية استخدامه لعقلة (Beyer, 1987). ويذكر كل من بلاكيج وسبنس  (Blakege & Spence, 1994) أن الإدراك فوق المعرفي هو تفكير في التفكير، ومعرفة ما نعرف وما لا نعرف.

 

أما الفو وكوتون Alvo & Cotton) ) الواردان في باركرParker, 2000) (   فيشيران إلى أن الإدراك فوق المعرفي هو عملية تخطيط الفرد وتقييمه ومراقبته لتفكيره الخاص، وبذلك يعتبر قمة العمليات العقلية. ويرى كوستا (Costa) كما ورد في الوهر وأبو عليا ( 2000) أن الإدراك الفوقي أعلى مستوى من التفكير العادي وأكثر تعقيدا منه، وأن العمليات المتضمنة فيه هي التخطيط والمراقبة والتقييم .

 ويتضمن مصطلح الإدراك فوق المعرفي عدة عناصر، لكنه لا يوجد اتفاق بين السيكولوجيين على هذه العناصر، إذ قسمه فلافل (Flavell) إلى معرفة فوق إدراكية وخبرة فوق إدراكية، وتشير الأولى إلى معرفة الفرد بنفسه، وبالمهمة المدركة، وبالاستراتيجية المستخدمة في الإدراك، أما الثانية فتشير إلى آية خبرة واعية سواء كانت عقلية أم انفعالية. في حين قسمت بروان (Brown,1987) الإدراك فوق المعرفي إلى قسمين رئيسيين هما:  المعرفة عن الإدراك، وتعني معرفة الأفراد عن عملياتهم العقلية، وتنظيم الإدراك، ويتضمن التخطيط والفهم المسبق للمشكلة والمراقبة والتقويم. ويرى جاكوبس وباريس (Jacobs & Paris, 1987) أن الإدراك فوق المعرفي يتضمن مظهرين أساسيين هما:

1. التقويم الذاتي للإدراك     Self – appraisal of Cognition

2. الإدارة الذاتية للإدراك Self – management of Cognition

 ويتضمن التقويم الذاتي للإدراك ثلاثة أشكال هي:

1.  المعرفة التقريرية ((Declarative Knowledge:  وهي تنطوي على الحقائق وتعبر عما هو معروف في مجال معين وتجيب عن السؤال ماذا (Why)، أي الوعي بالمهارات والاستراتيجيات والمصادر اللازمة لإنجاز المهمة.

2. المعرفة الإجرائية (Procedural Knowledge):  وهي تجيب عن السؤال كيف     (How)، وتتعلق بالإجراءات المختلفة التي يجب أن تؤدى لتحقيق المهمة، مثل التخطيط للحركة القادمة، واختيار الاستراتيجيات، وتحديد الوقت المناسب، وتحديد الجهد المطلوب، والمراجعة والتغيير إلى استراتيجيات أخرى لإزالة مشكلات تعترض الأداء. إن هذه المعرفة تتضمن الإلمام بمعلومات إجرائية مثل:  كيف يمكن للطالب أن يتصفح كتابا بسرعة؟ أو كيف يمسحه (Scan)؟ أو كيف يلخصه، أو كيف يستخلص معلومات غير واردة بوضوح في النص. وتعد المعرفة الإجرائية ذخيرة من السلوكيات المتوافرة لدى الفرد تساعده في الوصول إلى أهدافه المختلفة.

3. المعرفة الشرطية (Conditional Knowledge):  وهي تجيب عن السؤال لماذا (Why) تم اختيار أو استخدام استراتيجية ما؟ أو متى يمكن استخدام استراتيجية ما بدلا من أخرى؟ مثل متى تتصفح الكتاب ؟

وعليه فان هذه المعارف الثلاث تعتبر هامة وحاسمة في برامج التدريب الناجحة في مجال الإدراك فوق المعرفي، وتعتبر أساسية في هذا النمط من التفكير الاستراتيجي.

أما العنصر الثاني لمصطلح الإدراك الفوقي، فيتمثل في الإدارة الذاتية للمعرفة ويتضمن:  التقييم، والتخطيط، والتنظيم.

 فالتقييم تقدير لمعرفتنا الراهنة، مثل هل فهمت ما قرأته؟ هل صادفت هذه المشكلة من قبل ؟ هل هناك مزيد من المعلومات يمكن أن تجمع قبل الشروع بالمهمة؟ إن عملية التقييم هذه عملية داخلية تبدأ قبل البدء بالمهمة، وتستمر أثناء إنجازها وبعده، وتتضمن التحقق من مدى الوصول إلى الأهداف . أما التخطيط فانه يتضمن تحديد الأهداف، واختيار الاستراتيجيات اللازمة، والإجراءات المرتبطة بإنجاز المهمة، وتحديد الصعوبات، وطرق التغلب عليها، والتنبؤ بالنتائج. ويتضمن التنظيم التحقق من مدى التقدم نحو الهدف أو الأهداف الفرعية، ومن ثم مراجعة الخطط والاستراتيجيات وتعديلها بناء على مدى نجاحها في تحقيق الأهداف . Marzano, et al, 1988)).

أما جنستون الوارد في الوهر وبطرس (1999) فيرى أن الإدراك فوق المعرفي يشمل ثلاثة عناصر هي:

1. الإدراك:  ويتضمن معرفة طبيعة العلم وعملياته، إضافة إلى معرفة استراتيجيات التعلم الفعالة ومتى تستخدم.

2. الوعي:  ويشير إلى هدف النشاط التعليمي التعليمي، والى التقدم الفردي من خلال المهمة.

3. الضبط: ويشير إلى طبيعة القرارات التي تتخذ والأفعال التي يقوم بها المتعلم أثناء المهمة.

وكما أيضا تشير براون (Brown) إلى النشاطات المعرفية ( مثل التخطيط والتحقق والضبط والتحكم) على أنها هي نفسها المهارات فوق المعرفية، وتعتبر سمات مميزة للتفكير الفعال، ويمكن أن تكون قابلة للنقل. وبناء عليه فان الفرد عندما يعمل على حل مشكلة ما فانه يقوم بنشاطات معرفية يعالج فيها أنظمته المعرفية بصورة متواصلة ومستمرة، إذ يقوم باختبار قراره وتعديله باستمرار للوصول إلى القرار الذي يعتبره حلا للمشكلة( عطا لله، 1992).

  ويرى كوستا Costa, 1990) ) أن المهمات التي يقوم الطلبة بإنجازها تتضمن ثلاث مراحل:  مرحلة ما قبل المهمة، ومرحلة أثناء المهمة، ومرحلة ما بعد إنجاز المهمة. وفي كل مرحلة من هذه المراحل يتحقق التقييم والتخطيط والتنظيم، فقبل الشروع بالمهمة ربما يقيم الطلبة ما لديهم من معرفة حولها بسؤال أنفسهم:  هل نعرف كل شيء نريده عنها؟ وبعد ذلك يخططون لأعمالهم برصد أهداف عامة وأخرى فرعية في ضوء تقييمهم لمعرفتهم. ويستمر الطلبة أثناء إنجاز المهمة في تقييم معرفتهم عنها، فقد يكتشفون بعض الثغرات، كنسيان أجزاء مهمة من المعرفة التقريرية أو الإجرائية، أو الشرطية، وقد يتوقفون قليلا لإعادة تجميع المعلومات، وقد ينشغلون بأسئلة مثل:  ما الذي ينبغي عمله بعد ذلك؟ ما أفضل استراتيجية لتنفيذ ذلك؟ ويستمر الطلبة في تنظيم تقدمهم تجاه هدفهم. وبعد إنجاز المهمة، يحاول الطلبة مرة ثانية تقييم معرفتهم حول المهمة بالتركيز على المعارف التقريرية والإجرائية والشرطية، وطرح أسئلة مثل:  ما الحقائق التي تم تعلمها؟ وما الذي كان يمكن تعلمه؟  (Marzano, et al, 1988).

وهكذا يلاحظ أن مفهوم الإدراك فوق المعرفي يتضمن تفاعلا مستمرا بين التقويم الذاتي للمعرفة، والذي يتضمن المعرفة التقريرية والإجرائية والشرطية، وبين إدارة الذات، والتي تتضمن عمليات التقييم والتخطيط والتنظيم.

ونظرا لأهمية الإدراك فوق المعرفي في مساعدة الطلاب على فهم ما يفترض منهم تعلمه وتحسين أدائهم الدراسي فقد ذكر ستيرنبرغ وزملاؤه، كما ورد في عليوة (2002)، انه من الضروري الاهتمام بهذا النوع من التفكير وتنميته. وحدد اوزبورن Osborn, 2000)) ثلاثة أسباب لأهمية تنمية مهارات الإدراك فوق المعرفي في غرفة الصف، وهي:

1. تحسين أداء الطلبة.

2. تحسين اتجاهات الطلبة نحو الموضوعات الدراسية.

3. تقوية الطلبة بحيث يكونوا مسؤولين عن أمر تعلمهم بأنفسهم.

وفي ضوء هذا الاستعراض للأدب التربوي حول التفكير ومهاراته، تبرز الأهمية القصوى لتعليم التفكير من أجل تزويد الطلبة بالفرص الملائمة لممارسة نشاطات التفكير   بمستوياتها البسيطة والمعقدة. تتأثر عملية تعليم التفكير بالمناخ الصفي والمدرسي، وكفاءة المعلم وتوفر المصادر التعليمية المثيرة للتفكير. ويتم تعليم مهارات التفكير   عادة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ( جروان، 1999). وتؤدي عمليات تعليم التفكير ومهاراته إلى:  زيادة إنسانية الفرد، وزيادة قيمته وأهميته، والإسراع في تأهيله وإعداده للمجتمع، وزيادة قدراته وجعله أكثر ملاءمة لمطالب المستقبل، وزيادة إيجابياته التحصيلية والاجتماعية، ونقله من متلق نشط إلى فاعل ومنظم، وتحوله إلى باحث عن المعرفة ومعالج لها.

وبما أن عمليات تنمية التفكير الناقد والإدراك فوق المعرفي قد تتأثر بطريقة التدريس في المراحل التعليمية، فان هذه الدراسة قد جاءت بغرض الوقوف على أثر كل من استراتيجيات التدريس الثلاث ( الاستقرائي والحر والتقليدي) في تنمية التفكير الناقد والإدراك فوق المعرفي والتحصيل لدى طلبة الصف العاشر في مادة الأحياء وأي هذه الاستراتيجيات له الأثر الفعال في ذلك.

 

مشكلة الدراسة وأسئلتها

شهدت برامج تدريس العلوم تغيرات عديدة في القرن العشرين، وكانت تلك التغييرات انعكاسا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية. فكان لابد من مواكبة هذه التحولات، وتبني الاتجاهات الحديثة في تدريس العلوم، والتي تعتمد على استخدام استراتيجيات علمية في البحث والتفكير( عبد السلام، 2001)، حيث أن الاتجاه السائد في المدارس هو اعتماد المعلمين على تدريس مبحث العلوم بالاستراتيجية التقليدية التي تعتمد على الحفظ والتلقين، ولكن إلى أي درجة تنمي هذه الاستراتيجية التفكير عند الطلبة؟ وهل هناك استراتيجيات أخرى لتنمية التفكير لديهم؟ وهل هذه الاستراتيجيات بمستوى واحد من الكفاءة والقدرة على تنمية التفكير لدى الطلبة؟ هذا ما تحاول هذه الدراسة الإجابة عنها، وبخاصة أنها تتصدى لمقارنة ثلاث استراتيجيات تدريسية من حيث قدرنها على تنمية التفكير لدى طلبة الصف العاشر الأساسي في مادة الأحياء. أي أن هدف الدراسة يتمثل بشكل رئيس في معرفة أثر استراتيجيتي التفكير الاستقرائي والتفكير الحر في تنمية قدرة الطلبة على التفكير الناقد، والإدراك فوق المعرفي، والتحصيل من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية:

1.     هل يختلف متوسط علامات طلبة الصف العاشر الأساسي على مقياس التفكير الناقد وفي مكوناته الفرعية باختلاف استراتيجية التدريس (التفكير الاستقرائي، التفكير الحر، الطريقة التقليدية) والتفاعل بين الاستراتيجية والجنس ؟

2.     هل يختلف متوسط علامات طلبة الصف العاشر على مقياس الإدراك فوق المعرفي  وفي مجاليه الفرعيين لدى طلبة الصف العاشر الأساسي في مادة الأحياء باختلاف استراتيجية التدريس (التفكير الاستقرائي، التفكير الحر، الطريقة التقليدية) والتفاعل بين الاستراتيجية والجنس ؟

3.     هل يختلف متوسط تحصيل لدى طلبة الصف العاشر الأساسي في مادة الأحياء باختلاف استراتيجية التدريس (التفكير الاستقرائي، التفكير الحر، الطريقة التقليدية) والتفاعل بين الاستراتيجية والجنس؟

 


 

فرضيات الدراسة

في ضوء أسئلة الدراسة، تحاول هذه الدراسة اختبار الفرضيات التالية:

1. لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية (0.05 =  α) بين متوسطات علامات طلبة الصف العاشر الأساسي على مقياس التفكير الناقد وفي مكوناته الفرعية تعزى لاستراتيجية التدريس (التفكير الاستقرائي، والتفكير الحر، والطريقة التقليدية) والتفاعل بين الاستراتيجية والجنس.

2. لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية (0.05 = α) بين متوسطات علامات طلبة الصف العاشر الأساسي على مقياس الإدراك فوق المعرفي ككل وفي مجاليه الفرعيين تعزى لاستراتيجية التدريس( التفكير الاستقرائي، والتفكير الحر، والطريقة التقليدية) والتفاعل بين الاستراتيجية والجنس ؟

3. لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية (0.05 =  α)  بين متوسطات تحصيل لدى طلبة الصف العاشر الأساسي في مادة الأحياء تعزى لاستراتيجية التدريس ( التفكير الاستقرائي، والتفكير الحر، والطريقة التقليدية)  و التفاعل بين الاستراتيجية والجنس .

 

أهمية الدراسة

يسعى تدريس العلوم إلى تنمية التفكير عموما، والتفكير العلمي بشكل خاص . والدراسة     الحالية تسعى إلى تنمية عمليات التفكير الناقد والإدراك فوق المعرفي لدى الطلبة من خلال استراتيجيات التفكير الاستقرائي والتفكير الحر، وهي بذلك تواكب التوجهات التربوية الحديثة في التعليم. وتعتبر مهارات التفكير الناقد والإدراك فوق المعرفي من الجوانب الهامة التي يجب الاهتمام بها في شخصية الأفراد في المجتمعات التي تسعى من اجل مواكبة التحديث والمعاصرة في هذا القرن الجديد الذي يتميز بسرعة الإنجازات العلمية. وإن اختيار الاستراتيجيات الحديثة في التدريس لتنمية قدرات التفكير والإدراك فوق المعرفي لدى الطلبة هو من الأهداف التي تسعى إليه المؤسسات التربوية من اجل إعداد الطلبة إعداداً مناسباً، كما تسعى هذه الدراسة إلى تعريف المعلمين بأهمية الاستراتيجيات التعليمية التي تنمي التفكير عند الطلبة وتشجيعهم على استخدامها في تدريس العلوم إلى جانب استراتيجيات التدريس الأخرى، كما إن هذه الدراسة تسلط الضوء على أهمية تنمية التفكير بأنواعه المختلفة، الأمر الذي قد يفيد مستقبلا في عمليات التخطيط وبناء المناهج وطرق التدريس وتصميم الأنشطة المدرسية واللاصفية، مما يساعد في نقل النظام التعليمي من النظام التقليدي إلى نظام قائم على استخدام التفكير وتنميته ورعايته، خصوصا أن تنمية التفكير هي إحدى شعارات مؤتمر التطوير التربوي في الأردن عام 1987، وبالتالي يساعد في تقدم المجتمع خصوصا وإن مجتمع الطلبة في الأردن يشكل نسبة كبيرة من عدد السكان، وهذا بدوره يسهم في تفجر طاقات علمية هائلة تساعد في دخول الأردن القرن الحادي والعشرين كمجتمع علمي مبدع ومفكر، ومواكب للتطورات العلمية السريعة والمتلاحقة.


 

تعريفات الدراسة الإجرائية:

إستراتيجية التفكير الاستقرائي: استراتيجية تعليمية طورها بايرBayer, 1987)  (تتضمن مجموعة من الإجراءات والأنشطة التعليمية والتعلمية التي يستخدمها المعلم في موقف تعليمي لتقديم مهارة تفكيرية معينة وتشمل: التقديم، والتنفيذ، والتأمل، والتطبيق، والتقويم والمراجعة، وفي كل خطوة يتم ممارسة عمليات تفكير يخطط المعلم لتنفيذها.

استراتيجية التفكير الحر: استراتيجية تعليمية جديدة طورت لأغراض هذه الدراسة، تتضمن مجموعة من الإجراءات والأنشطة التعليمية والتعلمية التي يستخدمها المعلم في موقف تعليمي لتقديم مهارات تفكيرية معينة وتشمل: التقديم، والموقف المشكل، توليد بدائل الحل ومناقشتها، تطبيق الحل الأكثر قبولا، والتقويم والمراجعة، وفي كل خطوة يتم ممارسة عمليات تفكير يخطط المعلم لتنفيذها.

الاستراتيجية التقليدية: استراتيجية تعليمية تتضمن إجراءات الشرح، أو المحاضرة، أو التلقين، أو النشاط المحدد في الكتاب المدرسي، ويكون الدور الرئيس فيها للمعلم، وتعتمد على التعليم أكثر من اعتمادها على التعلم.

التفكير الناقد: ويعرف إجرائيا بأداء الطلبة على الأبعاد الخمسة لاختبار واطسون – جليسر للتفكير الناقد وهي:  الاستنتاج، ومعرفة المسلمات أو الافتراضات، والاستنباط، والتفسير، وتقويم الحجج.

  الإدراك فوق المعرفي:  ويعرف إجرائيا بأداء الطلبة على المجالين اللذين تتضمنها قائمة شرو ودينسون وهما:  معرفة الإدراك، وتنظيم الإدراك.

التحصيل الدراسي:  ويقاس بالعلامة التي يحصل عليها في الاختبار الذي سوف أعده الباحث.

 

محددات الدراسة

اقتصرت هذه الدراسة على طلبة الصف العاشر الأساسي في مدرستي البطريركية اللاتينية في كل من الجبيهة وماركا للعام الدراسي 2003/2004، وان نتائج هذه الدراسة وإمكانية تعميمها مرتبطة بالمحددات الآتية:

1. اقتصار الدراسة على طلبة الصف العاشر الأساسي في مدرستين هما:  المدرسة البطريركية اللاتينية في كل من الجبيهة وماركا .

2. الفترة الزمنية التي أجريت فيها وهي الفصل الأول من العام الدراسي 2003/2004.         

3. اقتصار الدراسة على وحدة واحدة من كتاب الأحياء (البيولوجيا) للصف العاشر الأساسي وهي وحدة الوراثة .

           

BACK