التعايش الإسلامي المسيحي بين الواقع والطموح

 

الأب د. حنــا كـلـدانـــــي

 

 

أبو ظبي، 3/8/2008

 

- محاضرة ألقيت في المركز الإعلامي، لمكتب نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، بتاريخ 3/8/2008، في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة- 

 

1- مقدمــــــة:

 

في سنة 2001 شرعت في ترميم كنيسة من اكبر كنائس الأردن، وهي كنيسة اللاتين في الفحيص، وقد بنيت في مطلع القرن العشرين. وشكلت لجنة من المهندسين من مختلف تخصصات، بلغ عددهم 20 مهندسا لتقديم المشورة والاستشارة، ومجموعة المهندسين هذه، تعبر عن واقع مجتمعنا الأردني، ففيها المسيحي والمسلم. وكان احد المهندسين لبنانيا مختصا في الهندسة الكنسية. في إحدى زياراتي للبنان قابلت المهندس اللبناني وعرض علي مخططا لواجهة الكنيسة وسألني عن رأيي فيه. فقلت له أن نوافذ الواجهة ليست دقيقة المقاييس. فعرض علي مخططا أخر، فأبديت استحساني لدقة المخطط. فابتسم وقال لي: "إن المخطط الأول ليس لكنيسة الفحيص، بل هو مخطط لواجهة كنيسة في شمال سوريا بنيت في القرن الخامس الميلادي في منطقة "شمس حرب"، وكنيسة الفحيص تقريبا عبارة عن نسخة مطابقة لكنيسة "شمس حرب" من حيث الواجهة والمقاييس". من المؤكد تاريخيا أن المعماري الذي صمم كنيسة الفحيص، لم يزر كنيسة " شمس حرب"، ولكن التراث المعماري انتقل بالتواتر والتقاليد الكنسية عبر التاريخ. أما المصلين في كنيستي "شمس حرب"- القرن الخامس الميلادي-  والفحيص- القرن الحادي والعشرون-  هم من ذات الأرومة العرقية، التي قطنت منطقة الهلال الخصيب منذ أقدم العصور. بين "شمس حرب" والفحيص، عاش المسيحيون، بل تعايشوا مع أخوتهم المسلمين، وهذه الخبرة تحمل في طياتها الحلو والمر، العسر واليسر. والتعايش ليس ذكرى من عالم الأمس، بل هو واقع اليوم وتطلع وأمل في الغد.

 

2- التعايــــــــش:

 

كلمة التعايش لغويا هي اشتقاق من الفعل الثلاثي " عاش "، على وزن "تفاعل". وفعل عاش تعني ضمنا أمرا فرديا يقوم به شخص ما. أما التعايش فتعني بالضرورة وجود شخصين في وضع تبادلي يقبلان بعضهما بعضا ويسيران معا. والتعايش تعني اكتشاف الأخر والقبول به، الاعتراف بوجوده وهويته وخصوصيته، تعظيم الجوامع واحترام الفوارق والتأكيد على الأرضية المشتركة. فعندما هبّت رياح الحضارة العربية من الجزيرة قلنا لها " نعم ". فبدأت من ذلك الوقت عملية تجسّد حضاري أخذت أشكالا متعددة في جميع المجالات. ولقد أدّى هذا التجسد الحضاري إلى تفاعل عميق مع بيئتنا العربية على المستوى الثقافي والإنساني واليومي. فالتعايش في معناه وبعده الإيجابي خيار لا رجعة عنه. ونرى فيه نحن المسيحيين العرب، بعدا لاهوتيا يؤكد على عيشنا من خلال هويتنا القومية وانتمائنا الديني في هذه البقعة من العالم، التي ننتمي إليها حسب إرادة الله في حياتنا. فالتعايش إذن هو جزء من مشيئة الله في حياتنا. ولكن قد يكون للتعايش معان سلبية منها: القبول بالخنوع، القبول بالواقع المتراكم من ذكريات التاريخ دون القدرة على تغيير الحاضر ورسم المستقبل، قبول الأقلية برأي الأكثرية في إطار سياسي شمولي وغيبي...الخ. ولكن التعايش كما نفهمه هو تعامل بين أنداد وأخوة وشركاء في الأرض والوطن، لا بين ضيف ومضيف. 

 

3- لقــاء الإسـلام والمسيحيـة:

 

لم يكن أبدا الإسلام والمسيحية مجموعة من التعاليم الدينية المحضة. بل تجسد كل منهما في بيئات اجتماعية وإنسانية وجغرافية وثقافية متعددة. والتعايش الإسلامي المسيحي في القدس مثلا، حالة فريدة من نوعها كون القدس هي ملتقى الأماكن المقدسة للديانتين وفيها ذاكرة الكتب المقدسة المادية للديانتين. وشكل المسيحيون والمسلمون الذاكرة التاريخية والإنسانية حول المكان والكتاب. والمسيحية والإسلام ، هما حصيلة تجارب وتراكمات تاريخية، تمتد جذورها بين الوحي والسماء ويوم الحشر إلى هموم الحياة الدنيا  بكل تفاصيلها. وقد تشكلت " النعم " التاريخية في ذاكرة التعايش تدريجيا مع العهدة العمرية بين الخليفة الفاروق والبطريرك صفرونيوس، ولكن نصوص العهدة العمرية متعددة، وأحيانا تبدو متناقضة! وقد تراكمت عليها خبرات واقع الإسلام والمسيحية في العيش معا. وهذا العيش لم يكن حلوا مطلقا أبدا، ولا مرا مطلقا أبدا. وللأمانة التاريخية لا يجوز ترميم التاريخ ورؤيته بما يناسب خطاب اليوم وحاجة الساعة الراهنة.

 

لقد مرّ الإسلام والمسلمون، والمسيحية والمسيحيون، في حضن هذه المنطقة العربية في حقب تاريخية متتالية لا مجال لذكر تفاصيلها هنا. وبلغ التاريخ الذروة، ثم بدأ عصر الأفول والانحدار. ولم يكن الوجود العربي طارئا بعد ظهور الإسلام، فقد سجله التاريخ على ارض فلسطين منذ فجر المسيحية في سفر أعمال الرسل، فصل 2: آية11 . ولا شك أن هناك تباينا رئيسا في تطور الإسلام والمسيحية عبر العصور. فالمسيحية ظلت دينا، ولم تتحول إلى دولة، وإن صارت الكثير من الدول ذات غالبية مسيحية، وأثرت في الحضارة والتشريع. ولكن لم تصل المسيحية إلى الحكم بالمعنى الحرفي المطلق. وأما الإسلام فقد اندمج سريعا في الدنيا والسياسة وصار دولة، أو دينا له دولة. ولذلك فالتعايش قد تختلف معانيه: هل هو تعايش بين دين ودين أخر، أو بين مواطنين من دينين مختلفين، أو تعايش بين دين وكيان ( في الماضي، وقد يظهر في المستقبل) يحمل في آن واحد بعد الدين والدولة والدنيا، وقد اجتمعت في بوتقة واحدة. لا شك أن التاريخ غني بالخبرات، ولكن خبرات التاريخ وإن كانت ذات صبغة دينية ترتبط بالتراث الديني والكتب السماوية لا تعتبر خبرات مقدسة وقوالب جاهزة للاستعمال في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالعقيدة لها قدسيتها في البعد الديني والعبادي المحض ولا تنسحب على التطبيقات السياسية والاقتصادية بالضرورة. فكما نشأ المسلم عبر العصور على ربط الدين بالدولة، نشأ المسيحي على الفصل: " أدوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ". وهاتان رؤيتان متباينتان، كالخطين المتوازيين، فهل يلتقيان...؟ ولذلك لا بد من الاتفاق على أن الخبرات التاريخية (ضمن التاريخ المسيحي أو الإسلامي) قابلة للنقاش، وكذلك تاريخ صلاحية الخبرة التاريخية... فهل كل خبرة تاريخية، بالضرورة قابلة للتطبيق والاستهلاك اليوم...؟.

 

 "إن التاريخ هو عبء الموت" History is a burden of death" " كما يقول اللاهوتي فون بلتازار، إذا تحجر على مستوى الذاكرة لدى إنسان اليوم وسيطر على حاضره ومستقبله، وقد يغدو التاريخ ذاته أداة تطوير وتحرر إذا قبلنا بالمبدأ النقدي وإمكانية إيجاد صيغ تعايش تعتمد على ما قدمته الخبرة الإنسانية الشاملة، بما فيها الخبرات الدينية، في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة الكاملة.

 

4- القــــــــدس، نموذج التعايش:

 

وللقدس معان عديدة في الجغرافيا والسياسة واللاهوت. فقدس اليوم وما بين الأسوار تحوي الأماكن المقدسة وتحمل خلفها ثقلا من التاريخ يزيد على خمسة آلاف عام. وحيز جغرافيتها المتواضع المحدود يضيق بالكم التاريخي الهائل المتراكم. وهناك القدس العربية التي نشأت حول الأسوار. والقدس الغربية التي هي مدينة يهودية حديثة. والقدس الكبرى التي ابتلعت مساحات شاسعة من الضفة الغربية وتمتد بين بيت لحم ورام الله، وبين مشارف اللطرون إلى شفا غور الأردن. وقد أحاطها الإسرائيليون بالمستعمرات، وربطها الاحتلال بشبكة من البنية التحتية، تجعلها تبدو مدينة واحدة. وقد طمأن اليهود أنفسهم بأنها عاصمتهم إلى الأبد. وتحت الاحتلال تغيرت القدس من الناحية السكانية وغدا أصحابها غرباء بين جدرانها مقيدين بقوانين وتنظيمات هي اقرب إلى الفصل العنصري. أما القدس في اللاهوت والرمزية، فهي رأس الهرم الروحي والتاريخي لفلسطين وبلدان المنطقة. وعندما نتكلم عن التعايش في القدس لا نعني ما بين الأسوار، بل فلسطين التاريخية كلها، والدول المجاورة.

 

أما في البعد اللاهوتي المسيحي، فقد شكلت القدس الأرضية صورة مسبقة للقدس السماوية رمز الآخرة والخلود ملكوت الله الأبدي. " ورأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله...هوذا بيت الله والناس  يسكن معهم ويكونون له شعبا. والله معهم ويكون لهم إلها" ( رؤيا : 21، 1- 3 ) . والقدس الجديدة السماوية، في الفقه المسيحي، هي قدس مفتوحة لكل الناس، هي ملكوت الله الذي لا يغلق في وجه إنسان. فإن كان الإنسان في دنياه عنصريا يستحوذ على مفاتيح الجنة لنفسه ويغلقها أمام غيره، ويجعل الجنة محجوزة لدين ما أو لطائفة من البشر، فإن القدس الجديدة السماوية هي لكل البشر ومفاتيحها بيد الله وبيد كل إنسان عمل خيرا وسعى إلى حب الله ورضوانه. فالقدس السماوية، لا تشبه القدس الأرضية، فالقدس السماوية مليئة بحب الله، وهي الله المحبة. أما القدس الأرضية، فتتقاطعها الحواجز والكراهية والخوف من الآخر والاستحواذ المبني على العرق والدين وهاجس الأمن... والقدس قبل 1967، كانت معقولة مقبولة، أما  اليوم فقد هجرها الحب...ويجد الأنبياء أنفسهم فيها غرباء...

 

5- التعايش خيار إنساني استراتيجي وقدر الهي:

 

إن التعايش في المفهوم المسيحي العربي لم يكن يوما ما من باب الرفاهية الخيالية أو الشطط الفكري، بل هو فصل لاهوتي رئيس تتراكم من حوله الخبرات الإنسانية لتحقيق إرادة الله بالنسبة لنا كعرب مسيحيين. ويعد نص بيان " الحضور المسيحي في الشرق شهادة ورسالة " لبطاركة الشرق الكاثوليك، نصا مرجعيا في دراسة علاقات التعايش الإسلامي المسيحي. وجاء في رسالة البطاركة الكاثوليك ما يلي:

 

" إن العيش المشترك بيننا على مدى قرون طويلة يشكل خبرة أساسية لا عودة عنها، وجزءا من مشيئة الله علينا وعليهم... إن عيشنا المشترك الذي يمتد على قرون طويلة يشكل ، بالرغم من كل الصعوبات، الأرضية الصلبة التي نبني عليها عملنا المشترك حاضرا ومستقبلا، في سبيل مجتمع متساو ومتكافئ لا يشعر فيه أحد أنه غريب أو منبوذ. إننا ننهل من تراث حضاري واحد نتقاسمه وقد أسهم كل منا في صياغته انطلاقا من عبقريته الخاصة. إن قرابتنا الحضارية هي أرثنا التاريخي الذي نصر على المحافظة عليه وتطويره وتجذيره وتفعيله كي يكون أساس عيشنا المشترك وتعاوننا الأخوي. إن المسيحيين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين، كما أن المسلمين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين. ومن هذا المنطلق فنخن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ".

 

( الحضور المسيحي في الشرق، شهادة ورسالة. رسالة راعوية مشتركة يوجهها بطاركة الشرق الكاثوليك إلى مؤمنيهم في شتى أماكن وجودهم. عيد الفصح 1992. ص: 43).

 

 

6- الإطار التاريخي للعلاقات الإسلامية المسيحية في الشرق:

 

أ-  القرابة الحضارية:

 

إن المسيحيين والمسلمين في الشرق ينتمون إلى حوض حضاري واحد هو الحوض السامي الذي بقي على الرغم من تنوع تعبيراته اللغوية قاسما مشتركا أكيدا. ولعبت الجزيرة العربية دور الخزان البشري الكبير عبر موجات متعاقبة على تغذية هذا الحوض الحضاري. وتفسر هذه القرابة الحضارية، على الأقل جزئيا، التوتر المستمر بين المسيحيين المحليين والبيزنطيين، وحسن استقبال المسيحيين المحليين الفتوحات الإسلامية. وقد أنتجت القرابة الحضارية تعاونا ثقافيا بين المسيحيين والكيان الإسلامي الجديد، أسفر عن ازدهار العلوم والترجمة. ويمكن أن نضيف أن هذه الظاهرة تكررت في النهضة العربية في القرن التاسع عشر، حيث اسهم المسيحيون إسهاما أساسيا في إرث ثقافي يبقى جزءا عضويا لا يمكن تجاوزه في ثقافتنا العربية المعاصرة.

 

ب-  تعرب كنيسة الشرق:

 

تكونت كنيسة الشرق من أعراق متعددة وطقوس كنسية مختلفة. وتعود أصول الكثير من مسيحيي الشرق إلى القبائل العربية المسيحية ما قبل الإسلام، ولا سيما في الأردن وفلسطين. فيفخر الأردني والفلسطيني المسيحي بعروبته دوما، لانحداره من قبائل عربية قبل الإسلام. ولكن قد يفخر المسيحي العراقي والمصري واللبناني أحيانا بغير العروبة لانحداره من أصول آشورية وفرعونية وفينيقية ظهرت كدول وحضارات قبل الإسلام. وفي هذا السياق، ليس للمسيحي الأردني والفلسطيني لغة غير العربية، فهي لغته الأم. بينما لدى مسيحيي الشرق الأوسط " لغات أم " اقدم من العربية، كالآشورية والسريانية والقبطية، لا تزال هذه اللغات مستعملة أحيانا في الحياة اليومية وفي الصلوات.

 

وقد تسارعت عملية التعريب لتشمل كل مكونات المسيحية الشرقية منذ القرن السابع. وقد تبنى مسيحيو الشرق اللغة العربية بجانب لغاتهم الشرقية السامية القديمة في كافة مناحي الحياة اليومية والثقافية والعبادية. وبين القرن الثامن حتى الرابع عشر، ظهر ما يعرف بالأدب العربي المسيحي، الذي لا توليه الجامعات العربية اهتماما كبيرا، ولا تزال مخطوطاته تقبع في ظلمة المكتبات وارشيفات الأديرة والبطريركيات. ولا شك أن دراسته تعد ضرورية لاستكمال رسم معالم الصورة الثقافية العربية والإسلامية. ويعود الفضل في التعريف بهذا التراث العربي للعلامة الألماني جورج غراف الذي نشر بين سنة 1944 وسنة 1953 في اللغة الألمانية كتابه المشهور " تاريخ الأدب العربي المسيحي" وفي السنوات الأخيرة برز العلامة الأب سمير خليل العامل في الجامعات البابوية كداعية نشط وفاعل في التعريف في هذا الأدب وتحقيقه ونشره من خلال الدراسات الجامعية، ولا سيما في الجامعات الكاثوليكية والبابوية.

 

ج- وحدة مسيحيي الشرق حول الثقافة العربية:

 

عانت مسيحية الشرق انقسامات وصراعات داخلية، كان سببها التنوع الثقافي واللغوي والصراعات السياسية. ولكن شكلت الحضارة العربية الإسلامية واللغة العربية عامل وحدة وتواصل بين الجماعات المسيحية، وإن كانت متنافرة أحيانا. فعلى الرغم من الخلافات اللاهوتية راح مسيحيو الشرق يتكلمون لغة واحدة هي العربية، وانتقلت المؤلفات اللاهوتية من جماعة إلى أخرى. فمثلت اللغة العربية الدور الذي قامت به اللغة اليونانية في العالم المسيحي القديم، والدور الوحدوي الذي لعبته اللغة اللاتينية في الغرب المسيحي في العصور الوسطى.

 

د-  الحوار الإسلامي المسيحي:

 

لقد اتسمت بعض الكتابات الحوارية الإسلامية المسيحية بالجدل المسموم والعقيم، ولكنها تميزت أيضا بالروح الفروسية والدفاعية. وكان من وراء هذه الحوارات جوا رحبا منفتحا متلهفا للمعرفة ويستأنس المنطق ويبتعد عن التعصب. واشهر ما نشر من هذه الحوارات: " مجالس إبراهيم الطبراني " التي نشرها في دراسة نقدية المطران بولص مارقوتسو مطران الناصرة. والطبراني راهب عربي من طبرية من قبيلة قحطان، ومجادله هو الأمير عبد الرحمن الهاشمي وكان أميرا على القدس في القرن التاسع الميلادي. وهذا الجدل اللاهوتي هو جزء من التعايش الإسلامي المسيحية عبر العصور. وما تنظمه المؤسسات المختصة اليوم من مؤتمرات ولقاءات في الحوار الإسلامي المسيحي، يعد سيرا ومتابعة لخطى السلف الطيب الكريم عبر العصور. هناك من ينتقد الحوار بين الأديان ويعده حملة علاقات عامة، أو أدب النخب الفكرية. إن البديل عن الحوار هو الجهل والعداء ودفع العالم نحو الهاوية وصراع الحضارات والأديان. فيجب الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة في سبيل الخير العام والسلم العالمي وحسن التعايش بين الناس.

 

ومع تطور وسائل الاتصال والبث التلفزيوني الفضائي ظهرت نوعية جديدة من الحوار الإسلامي المسيحي الإسلامي المسموم، وهو اقرب إلى الإساءة إلى الأديان والكتب المقدس وتمثل هذه الظاهرة فضائيتا الحياة (مسيحية) والأحمدية (إسلامية)، وقد نشرت لي الصحافة الأردنية مقالا حول "ظاهرة الحياة والاحمدية"[i].

 

 

هـ - صعوبات في خبرة التعايش:

 

من السذاجة وغير الواقعية التستر على الصعوبات التي مرت في خبرة العلاقات الإسلامية المسيحية. فقد مرت هذه الخبرة في فترات عسيرة. فإن الأجواء المتسامحة التي تميزت بها القرون الأولى لم تتبع خطا مستقيما. ويكفي أن نعطي عصر الحاكم بأمر الله الفاطمي مثلا على ذلك. وتعدد روايات ونصوص العهدة العمرية، تؤكد المد والجزر في العلاقات الإسلامية المسيحية بين العسر واليسر. فهناك رواية الطبري والبلاذري والطرطوشي وسعيد بن بطريق. وتقدم العهود العمرية معلومات متناقضة أحيانا وخصوصا المتأخرة منها زمنيا، فبعضها ينسب إلى عمر شروطا مذلة على نصارى القدس وأخرى تمنح النصارى مكانة ممتازة في حمى الإسلام. والتفسير المنطقي لتعدد العهود العمرية عظمة عمر في نظر المسلمين والمسيحيين على حد سواء، فنسبت إليه عهودا في مختلف الحقب التاريخية لتثبيت حق ما أو تكريس واقع قائم.

 

 

7-  رؤيــــة مستقبليــــة:

 

ما هي الحدود بين الأماني والحقيقة؟ وخاصة وأننا في مجال مسار إنساني في التاريخ، كثيرا ما يتخطانا ويفوتنا، ولكن الأمل رهان، ومع هذا الرهان نستمر في تفكيرنا ووجودنا المشترك. والأمل لا ينطلق من فراغ، إنما تعززه مجموعة من المعطيات.

 

أ- مستقبل واعد محفوف بالمخاطر:

 

إن الشروط الموضوعية لمستقبل واعد في مجال التعايش الإسلامي المسيحي تعززه إرادة الطرفين في أن يعطوا امتدادا إيجابيا للخبرة التاريخية في العيش معا. ولكن هذا المستقبل محفوف بالمخاطر، وأهمها:

 

ب- تحدي عدم الاستقرار: إن العالم الذي نعيش فيه يمر من أزمة إلى أزمة، تضعه في حالة عدم استقرار على جميع الأصعدة. إن العلاقات الإسلامية المسيحية  لا يمكن سلخها عن هذا الحراك الواسع الذي يخترق المجتمع. فإن الخطر الكامن في مثل هذا الوضع المتأزم هو التطرف الذي لا يشكل المناخ الصحي لتطوير مشروع مجتمعي يستجيب لحاجات المجتمع ويتيح رؤية سليمة للعلاقات الإسلامية المسيحية. وجاء في كلمة البطريرك ميشيل الصباح في مؤتمر المسيحيين العرب، الذي عقد في عمان تحت الرعاية الملكية السامية في 11/2/2002:

 

 " وما زالت الدماء تسيل بغزارة، تستصرخ من يوقفها. والعدل هو الذي يوقفها. والحق العربي والفلسطيني هو الذي يوقفها وهو الذي يزيل العذر الذي يحاول أن يبرر استمرار سفك الدماء، أي الأمن الإسرائيلي. لأن الأمن الإسرائيلي له باب واحد وسياج واحد. لا هو في الأسلحة ولا هو في تأييد العالم له. بل هو في العدل إذا تحقق، وإذا المظالم توقفت. فتصير القلوب الصديقة، وهي فقط، باب الأمن وسياجه المنيع. إن مهمتنا ككنائس مسيحية هي أن نقف إلى جانب كل مظلوم وفقير، إلى جانب كل مظلوم يطالب بأرضه وحريته، لنكون صوتا وحمى له، مهما طالت المحنة وتنوعت. ومهمتنا هي أن نبقي الأمل حيا في نفوس الناس حتى يحق الحق."

 

ج- تحدي الغيرية: يحتل الخطاب حول الغيرية متسعا متزايدا في التفكير المعاصر، فإن الفئات البشرية في العالم كله تعي أكثر أصالة هويتها. وكل هذا دفع بإشكالية " الآخر" إلى مقدمة المسرح لتصبح مسألة ملحة. ومن الملاحظ في إطار مجتمع متعدد الأديان، وهنا المسيحية والإسلام، تطرح مشكلة " الآخر" ، وهي نظرة تلعب دورا كبيرا في تطور العلاقات المتبادلة بينهما. إن إشكالية الغيرية تضعنا أيضا أمام أسئلة أخرى اكثر عموما: هل يمكن أن نستمر في النظر إلى الآخر من منظار معتقدنا؟ وهل من الممكن أن نسير خطوة إلى الأمام، فننطلق من رؤية الآخر لنفسه؟ والانطلاق من رؤية الآخر لنفسه حق مقدس ويمس جوهر الحرية والكرامة الإنسانية. أما رؤية " الآخر " من خلال أطر تاريخية جاهزة وحتى لو كانت مقدسة (كتابية: توراتية، إنجيلية، قرآنية)، فأمر مرفوض في عالم اليوم.  وقضية الغيرية تقود شئنا أم أبينا إلى قضية شائكة هي الحرية الدينية وحرية المعتقد والحريات الفردية وحرية العبادة والشعائر الدينية وعلاقة الدولة بالدين والدين بالدنيا. وحرية إقامة الشعائر هي أدنى من الحرية الدينية وحرية المعتقد، ولكن فوق الجبرية، فهي وسطية رمادية اللون.

 

د- تحدي الهجرة: إن ظاهرة هجرة المسيحيين من العالم العربي وخاصة في فلسطين يعرفها الجميع. ولا نتوقف عندها إلا لانعكاساتها على مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية. فقد نجد أنفسنا أمام معركة انتهت لعدم وجود محاربين. وهذه الظاهرة لا تشكل مسألة مسيحية داخلية، بل تهم جميع العرب مسيحيين ومسلمين. إن غياب العنصر المسيحي سيكون بلا شك فقرا لهذه الهوية. وجاء في كلمة غبطة البطريرك ميشيل الصباح في مؤتمر المسيحيين العرب الذي انعقد في عمان بتاريخ 11/3/ 2002 تحت الرعاية الملكية السامية:

 

 إن الخطر الداهم المهدد للكيان المسيحي في الأراضي الفلسطينية اليوم هو الهجرة التي تقلص الأعداد وتغرب العربي المسيحي عن بلده وأرضه. والهجرة مصدرها عدم الاستقرار السياسي وظلام المستقبل والتوق إلى سلام ولو في الغربة. ومن ثم صنع السلام في فلسطين وفي المنطقة بأكملها هو العامل الأول لترسيخ العرب المسيحيين في أوطانهم. واستقرار البلاد وديموقراطيتها وترتيب العلاقات العامة والخاصة، كل هذا له شأن في هذا الدفع نحو الخارج أو في الحيلولة دونه".

   

هـ- التحدي السياسي والديني: لا يعترف الشرق، ولا سيما لدى بعض التيارات السياسية - الدينية،  بالحدود بين السياسي والديني، والجدل حول هذا الموضوع على قدم وساق في العالم العربي.  وجاء في رسالة البطاركة الكاثوليك ( ص 45 ):

 

"وهذا ما يلقي على المسيحيين والمسلمين مسؤولية متبادلة. فالإسلام يتحمل مسؤولية كبرى في هذا المجال إذ إنه مدعو إلى تطمين المؤمنين المسيحيين الذين يعيشون معه في الوطن والواحد. إن المسلم في الشرق لا يستطيع أن يطور أي مشروع لنظام اجتماعي وسياسي من غير أن يأخذ بالحسبان الجماعة المسيحية بشكل يعطيها الثقة، لا بأن حقوقها الدينية محفوظة فحسب، بل أنها جزء لا ينفصل عن حياة المجتمع، وكاملة العضوية في الجماعة الوطنية، بما فيها من حقوق وواجبات. والمسيحيون من جانبهم يتحملون مسؤولية مماثلة تدعوهم للتخلص من العقد الاجتماعية والنفسية التي خلفها لهم التاريخ، فيجدوا في إيمانهم ما يحررهم من كل ما يحول دون قبولهم لذاتهم ودون تلاقيهم مع الآخر".

 

و- تحدي الطائفية: المجتمع العربي عميق التدين، ويبقى الشعور الديني من الأوتار الأكثر حساسية في النفس العربية. ولهذا الواقع محاسنه بلا شك، ولكنه ينطوي أيضا على مخاطر يجب أن تؤخذ بجدية. ومنها الطائفية التي لا تشكل خطرا خياليا. وترمي الطائفية جذورها في اقدم الأزمان، ولكن كان تكريسها في العهد العثماني ( نظام الملل )، ثم عملت على تبنيها واستغلالها قوى الاستعمار. إن آلية الطائفية قد تأخذ مجراها في أي مناسبة، وتحول أي خلاف بسيط إلى فتنة طائفية. وفي شرقنا العربي قد تزداد الطائفية هيجانا بسبب الوضع السياسي غير المستقر. وقد طور المجتمع من خلال المرجعيات الدينية والعشائرية آلية لحل إشكالية مثل هذه الحالات، وهذا ما ندعوه بحكمة الحياة . ولكن حان الوقت لنذهب إلى عمق الظاهرة لنواجهها من جذورها. ولعل نظام الكوتا المعمول به في الانتخابات الفلسطينية وكذلك الأردنية يدل على مجتمع غض طري العود، لا يزال في درب النمو السياسي. والمجتمعات التي تتأثر علاقات أفرادها بالبعدين الديني والدموي ( العشائري )، تعد من اقدم المجتمعات البشرية تاريخيا وأكثرها بدائية، إذ لم تبن بعد علاقات تقوم على أسس سياسية أو نقابية أو حزبية حقيقية تحرك مفاصل العلاقات العامة بعيدا عن المعتقد والقرابة الدموية.

 

8- مستقبل نبنيه معا:

 

إن مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية يمكن أن نلمحه انطلاقا من بواكيره في الماضي والحاضر، ولكن مستقبل من هذا النوع لا يمكن أن يكون بديهيا، انه بحاجة إلى رجال ونساء يؤمنون به وينتظمون في دينامية كل يدفع بهذه الدينامكية إلى الأمام ويحولها إلى واقع ملموس. وهذا العمل لا يمكن إلا أن نقوم به سوية، ولا يصلح أن يمارس من طرف واحد.

 

أ) الخطاب الديني: إن الخطاب الديني لا يتوقف فقط عند الممارسات العلمية، بل يصل أيضا إلى اللغة المستعملة في المدرسة والبيت والإعلام والجامع والكنيسة...الخ. فما هي لهجة الخطاب بخصوص الآخر؟ هل هي لهجة تؤدي إلى العيش المشترك أم  التعصب؟ أمامنا الكثير لنعمله في هذا المجال.

 

ب) الانتقال من النصوص إلى النفوس: في مجال العلاقات الإسلامية المسيحية نكتفي في كثير من الأحيان بخطاب رسمي يتوقف عند النصوص الدينية المتعلقة بالتسامح بين المسلمين والمسيحيين. وفي مثل هذه المواقف يحاول كل طرف أن يظهر افضل ما عنده  من نصوص. ولربما حان الوقت أن نقول إن هذا الاتجاه لا يكفي، لقد آن الأوان أن ننتقل من النصوص إلى النفوس. ففي القلوب يتقرر مستقبل العلاقات والتعايش. ومن هنا جاءت ضرورة تطوير هوية علاقية لا تعتبر الآخر الديني تهديدا لهويتنا أو نفيا لها. إننا لا نستطيع أن نسلك الطريق في الآخر ومع الآخر ومن أجل الآخر، إلا إذا باشرنا بالعمل على التنقية الداخلية. وعلى هذا المستوى يمكن أن نكتشف الطاقة المحررة لنصوصنا الدينية. والله يعلم إلى أي حد نحتاج إلى الخروج من مجال المجاملات، التي كثيرا ما نستخدمها لتورية الواقع، للدخول في بهاء الحقيقة التي تحررنا وتحرر غيرنا. وعلى المستوى العملي يجب خلق مجالات اتصال وتواصل على جميع مستويات الحياة: في المدرسة، في المؤسسة الدينية، في الحياة اليومية… كي نفتح الباب لمثل هذه المعرفة والتعرف والتعارف، وتعظيم الجوامع واحترام الفوارق.

 

ج) معا أمام الله والإنسان: للأسف استأثرت السياسة في مجال العلاقات الإسلامية المسيحية بحيز كبير على حساب العلاقات على المستوى الديني والروحي. إن المثول معا أمام " الله الرحمن الرحيم- الله محبة" خليق أن يفتح قلوبنا إلى أبعاد جديدة وخصبة لا تسمح السياسة بان نلمحها. في هذه الحالة، لن نكون جبهتين متواجهتين، ولكن سوية أمام الله، الذي يدعونا إلى اهتداء القلب ويحررنا من الأهواء البشرية التي تحول دون القيام بخطوة إيجابية تجاه الآخر. إن اكتشاف الله هو في الوقت عينه اكتشاف للآخر تحت أضواء جديدة في الصفاء وسلام القلب والروح. ومن هذا المنطلق نستطيع القول إن عيشنا المشترك يدخل في دائرة موقفنا المتواضع والواثق أمام الله، الذي يدعونا أن نكون مسلمين ومسيحيين، دائما أكثر ودوما أحسن. إن المثول أمام الله لا يمكن إلا أن يصب في التزام من أجل الإنسان خاصة الفقير والمتألم والمظلوم، وقد يكون هذا الإنسان بالذات هو الذي سيصالحنا في فقره وألمه... فقد جاء في رسالة البطاركة الكاثوليك ( ص 43 ):

 

" نحن – المسلمين والمسيحيين- لسنا جبهتين أو حزبين متواجهين، بل أننا جميعا وقبل كل شيء أمام الله رب العالمين وليس ملكا لأحد. وكلنا منه وله وإليه. ولا نقدر بتاتا أن نقبل الآخرين الذين يضعهم الله في طريقنا ما لم نقبل الله أولا في حياتنا. وكلما اكتشفنا الله، اكتشفنا قدسيّة الإنسان".

 

 

9- خـــــاتمــــــة:

 

قد يعني التعايش الإسلامي المسيحي سردا لتاريخ مضى، أو تأمل في حاضر قائم. ولكن يجب أن لا يغيب عن بالنا تشكيل رؤية للمستقبل في عالم تتقاطع فيه المصالح وتتقارب فيه الشعوب والأمم. فهناك مشاكل اليوم لم يعد من الإمكان حلها ضمن الدولة القطرية أو حتى الإقليم بل تتطلب حلولا على مستوى العالم. فقد صارت التحديات عابرة للقارات والأديان. ولم يعد كافيا بالنسبة إلى المسيحية والإسلام أن تعالجا قضايا المسيحيين والمسلمين على حدة، فهناك واقع جديد تتداخل فيه مصالح الشعوب وكرامة الإنسان، مما يدعو إلى العمل المشترك بين أتباع الديانتين الأكبر في العالم. وكما أن التعامل مع تحديات الزمن الحاضر لم يعد ممكنا على مستوى الدولة القطرية (مثل قضايا المياه، انتقال العمالة من قطر إلى أخر، الإرهاب، ارتفاع حرارة الأرض...الخ)، بل يتطلب جهدا وتنسيقا إقليميا ودوليا، كذلك القضايا الدينية الكبرى لم يعد  من الممكن حلها ضمن إطار الدين الواحد، مثل قضايا الأحوال الشخصية، حقوق الإنسان، حرية الشعائر والحرية الدينية، احترام الحياة، نقل الحياة... وعليه  لا بد من الانتقال من مفهوم التعايش الإسلامي المسيحي (وهو مفهوم استاتيكي ثابت) إلى تحدي العمل المشترك والمسؤولية المشتركة (وهو فعل ديناميكي متحرك) لما فيه خير الإنسانية جمعاء وكرامة الإنسان. فلا بأس من إشارة دوما إلى التعايش الإسلامي المسيحي في بلادنا العربية، كلوحة ثمينة نحتفظ بها ونعتز باقتنائها بما كل فيها من جمال وعيوب، على أن نسعى إلى العمل المؤسسي لبناء مستقبل تقبله الأجيال القادمة.

 

جاء في مقدمة ورقتي ذكر التشابه المعماري بين كنيستين الأولى في سوريا – بنيت في القرن الخامس- وأخرى في الأردن – بنيت في القرن العشرين-. ولكن اختتم برواية هذه الحادثة. لقد خدمت كنيسة القديس يوسف في أبو ظبي بين عامي 1986-1989، وقد أوليت إلي رعاية الجالية العربية المسيحية والفرنسية. في صباح يوم من الأيام، دخل مكتبي في الكنيسة زوجان هنديان. وبادرت الزوجة بالكلام باستحياء وأدب، وقالت لي: "لقد توفي طفلنا الصغير ولا نجد من يصلي عليه ويدفنه، فليس لنا مقبرة هنا ولا نقوى على تسفير الجثمان إلى الهند؟". فسألتها لماذا"؟ وأين تقبع مشكلتكم؟ فقال لي الزوج نحن هندوس وليس لنا معبد نصلي فيه وليس لنا مقبرة في أبو ظبي، وسالت دمعة حارة على خده. لم أجد في بدية الأمر إلا الصمت أمام مشاعر هذه الأسرة وقلت في نفسي، إنني مسيحي وكاهن كاثوليكي ولكنني لست لخدمة المسيحيين وحسب بل في خدمة الإنسان وكل إنسان وكل الإنسان، وعليّ صون كرامة هذه الأسرة الهندية الفقيرة وقد أرسلها الله إلي. فطلبت من الأسرة إحضار الطفل إلى الكنيسة، وإذا بعمره لا يتجاوز الشهر. فصليت عليه في الكنيسة، وطلب من أبويه أن يتلوها صلاتهم الهندوسية، ففعلا. ووقفت أمامهما لكل تقدير واحترام، ثم أخذنا جثمان الطفل معا إلى المقبرة المسيحية وواريناه التراب. اعتقد إننا اليوم كمسيحيين ومسلمين نقف معا أمام الله، علينا أن نواجه مسؤوليتنا الجسيمة بالتعاون مع كل الطيبين والشرفاء في العالم ومع كل الدول المنظمات لنصل معا إلى خدمة الإنسان، فلا تغدو فكرة التعايش هدفا بحد ذاتها، بقدر ما هي انفتاح ومسؤولية تجاه الإنسانية والإنسان.

 

10- ملحــــــق:

 

شغل غبطة البطريرك ميشيل الصبّاح منصب بطريرك القدس لمدة 20 عاما ، وقدم مؤخرا (2008) استقالته إلى قداسة البابا بندكتوس السادس عشر حسب التقليد الكنسي لما بلغ سن الخامسة والسبعين. وقد أولى البطريرك صبّاح العلاقات المسيحية الإسلامية جل اهتمامه، وأسهم في دفع مسيرة التعايش بين إتباع الديانتين في الأردن وفلسطين ودول الجوار. وجاء في رسالة البطريرك الراعوية الأخيرة التي يعلن تقديم استقالته إلى الحبر الأعظم فصل بعنوان "مسيحيون ومسلمون"[ii]  يشرح تطور علاقات التعايش أبناء الشعب الواحد، مسلمين ومسيحيين. وخصص البطريرك فصلا للعلاقات اليهودية المسيحية في الأرض المقدسة[iii] ، وفصلا عن متطلبات الحوار[iv].

 


 

horizontal rule

[i]   ظاهرة الحياة والاحمدية، (الأب د. حنا كلداني، صحيفة الغد الأردينية 1-3-2008)

 

"الحياة" فضائية مسيحية، وأي مسيحية، تدعو إلى ترسيخ المسيحية في قلوب أتباعها. "والاحمدية" فضائية إسلامية، وأي إسلامية، تسعى إلى تثبيت الإسلام في أفئدة تابعيه. ولو اقتصر الأمر على ذلك لنالت الفضائيتان والقائمون عليها أجرا عند الله. ولكن واقع الأمر خلاف ذلك، فالحياة في نهاية المطاف على خط المواجهة مع الإسلام، وتسعى بجانب امتداح المسيحية إلى تسخيف الإسلام والإساءة إليه وتشكيك المسلمين بدينهم مذكرة فضائل المسيحية وعلو شأنها على الإسلام. أما الاحمدية فهي من ذات الطبيعة فمع دعوتها إلى إظهار بهاء الإسلام تريد أن تقود المسيحيين إلى إثارة الشكوك في دينهم وسحبهم إلى الإسلام، وإشهار سذاجة المسيحية.

 

إن الأصوات الايجابية والعقلانية تغيب عن الفضائيتين، فلا نجد في الحياة والاحمدية من يدعو إلى التعايش والمحبة وحسن العلاقات. أراقب برامج الحياة والاحمدية مساء،  فاشعر بحرج في صدري، كأن العالم على حافة النهاية وان حربا دينية على وشك الوقوع، وكأن الإسلام والمسيحية على جبهة حرب وكل طرف قد تخندق ضامرا شرا بالأخر! أين الحياة والاحمدية من قول الإمام الشاطبي: "تعظيم الجوامع واحترام الفوارق" ومن قول الإنجيل المقدس: "لماذا تنظر إلى القذى في عين أخيك". والأخطر من ذلك أن آيات الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل والقرآن، أعطيت للإنسانية والإنسان، ليتدبر الإنسان أمر دنياه وآخرته، فتقوده الكتب المقدسة إلى عبادة الله وحب الإنسان، وكل الإنسان وكل إنسان. وكل إنسان هو "الأخر". والأخر هو كل إنسان وكل واحد منا، المسلم إلى المسيحي هو الأخر، وهو موضوع محبة، والمسيحي إلى المسلم هو الأخر، وهو موضوع محبة. وفي داخل كل دين هناك "الأخر"، على أساس تعدد الطوائف (سنة، شيعة، كاثوليك، أرثوذكس، برتستنت)، وهذا الأخر يجدر أن يكون موضوع مودة وتسامح بغض الدين أو الطائفة. أما الحياة والاحمدية، فتستعملان آيات الكتب المقدسة (واستميح المسلمين والمسيحيين عذرا على التشبيه) كقنابل يدوية، يسحب الصاعق من الآية على شاشة التلفزيون وتلقى في وجه الأخر لضربه في إيمانه وثوابته. فتخرج الآية المقدسة عن هدفها وهو حب الله والرحمة بين الناس، لتكون أداة إساءة. إن آيات الكتب المقدسة ليست ملكا للبشر، بل هي عطية حب ورحمة من رب العالمين ولا يجوز استعمالها إلا للمودة والإخاء.

 

من أساليب الحياة والاحمدية أن يأتي صاحب البرنامج بنص إنجيلي أو قرآني، ثم يأخذ المشاركون، بحسن نية إلى عرض النص ومناقشته، ويشاركوهم المشاهدون المتحمسون في الاتصالات الهاتفية. ومن ثم تبدأ مرحلة التشكيك والطعون وإظهار تعارض النص مع الأخلاق الحميدة والآداب المرعية أو عدم منطقية النص وتناقضه مع التاريخ... وفي نهاية المطاف يشحن المشاهد بشحنة قوية من حب الذات وكراهية الأخر ... إن ما يحصل في مثل هذه البرامج يدخل في دائرة العيب وليس في هالة النور والخير... فمن العيب والخطأ والخطيئة أن نتلاعب بالنصوص المقدسة وتحويلها إلى خطوط حمراء في المواجهة... فهذه كتب مقدسة علينا أن نرتعد خشية ومحبة واحتراما عند الاقتراب منها... داعين الله أن يحل نوره في قلوبنا لنستفيد من كنوزها في عبادته والتقرب إلى حبه بالتراحم فيما بيننا. وأخيرا يا أخي السنا جميعا ننتمي إلى حاضنة حضارية واحدة وبيننا وحدة عقدية مشتركة أولها التوحيد وأخرها يوم الحشر لدى رب العالمين! فقد كتب البطاركة الكاثوليك في الشرق: " نحن – المسلمين والمسيحيين- لسنا جبهتين أو حزبين متواجهين، بل أننا جميعا وقبل كل شيء أمام الله رب العالمين وليس ملكا لأحد. وكلنا منه وله وإليه. ولا نقدر بتاتا أن نقبل الآخرين الذين يضعهم الله في طريقنا ما لم نقبل الله أولا في حياتنا. وكلما اكتشفنا الله، اكتشفنا قدسيّة الإنسان". ( الحضور المسيحي في الشرق، شهادة ورسالة. رسالة راعوية مشتركة يوجهها بطاركة الشرق الكاثوليك إلى مؤمنيهم في شتى أماكن وجودهم. عيد الفصح 1992. ص: 43).

 

قد يكون من هم وراء هذه الفضائيات وأمثالها من يرون العالم بعين واحدة وبزاوية واحدة ويرون العلاقات بين الأديان على أساس التصادم والتشنج، وهذه الرؤية المتعصبة غريبة على مجتمعنا الأردني ومجتمعاتنا العربية عموما... قد يكون من الصعب إيقاف هذه الفضائيات عن البث كون أصحابها يحتمون بحرية التعبير؟ على كل حال يكمن الحل في المشاهدين، بأن يأخذوا حذرهم مسيحيين ومسلمين عند مشاهدتها، ومن ثم يتجهوا إلى المحطات الرصينة التي تسعى إلى الحوار الحقيقي وبناء الجسور بين الأديان وليس لتكوين المتاريس والجدران وبث الفرقة والكراهية بين أتباع ديانات يفترض أن يكون أهلها دعاة خير ومحبة وسلام للإنسانية جمعاء.

 

لعل تجربة الموسيقار اللبناني الارمني الأصل باركيف تسلكيان مؤسس فرقة الفيحاء أكثر فائدة للإنسانية وللإسلام والمسيحية من أنشطة الحياة والاحمدية. فقد اختار باركيف أعضاء فرقته من جميع الأديان والطوائف في لبنان، فينشدون ألحانا متداخلة من أصول إسلامية ومسيحية ترفع الإنسان إلى العلى ليمجد الله، فيستطيع المسلم والمسيحي مع الإبداع الموسيقى لباركيف أن يلمس جماليات الإيمان والروحانية. اعتقد أن مثل فن باركيف لا يجد حيزا في ضيق أفق الاحمدية والحياة، ولعله يجد طريقا إلى شاشة التلفزيون الأردني فنسهم في إظهار جمال الله في حياتنا ونعظم بذلك القواسم المشتركة بين الناس تجاه تعظيم الفوارق وتغذية التعصب والتزمت التي تسهم في إذكاء ناره الحياة والاحمدية.   

 

 ــــــــــــــــــــــــ

 

  [ii] مسيحيّون ومسلمون، ( البطريرك ميشيل الصبّاح، الرسالة الأخيرة، 1 اذار 2008).

 

كلُّ مسيحي، في العالم كلِّه، ينتسب بصورة طبيعيّة إلى شعبه وبلده. وكذلك المسيحيّون في البلدان العربيّة وفي فلسطين وإسرائيل. هم أيضًا ينتسبون إلى شعوبهم وأوطانهم. أمّا المسيحيّون العرب في إسرائيل فقد سبق وحدَّدْنا معالم هوّيّتهم وقلنا إنهم عرب ومسيحيّون وفي دولة إسرائيل. وفي ضمن هذه الرؤية الثلاثية عليهم أن يحدِّدوا مواقفهم في حياتهم اليومية. 


المسيحيّون، مثل غيرهم، مواطنون كاملو المواطنة. لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها. والدساتير في بلدان الشرق الأوسط تعترف بذلك. والعلاقات مع السلطات المدنيّة والدينيّة جيّدة. وكذلك العلاقات على مستوى الشعب، فهناك عيش معًا وجوار حسن منذ قرون، وتعاون في مختلف المجالات، في الدراسات، والثقافة، والأعمال، والسياسة الخ... إنَّما هناك مجالان مغلقان، وهما العقيدة والأسرة، لا تداخل بينهما، وإن حصل تدخُّلٌ فيهما حصلَ انفجار في المجتمع وتأزُّم في العلاقات، يليه إجراءات ووساطات لإعادة الأمور إلى مجاريها. وهناك حوار بين المؤمنين، لا يتناول العقيدة، بل مجالات الحياة المشتركة لضمان عيش مشترك وتعاون أفضل. وهناك أيضًا بعض الأحداث أو الصدامات تَحدُث طبعًا بين الأفراد، وقد تتحوّل أحيانًا إلى صدام بين الجماعتَيْن، بين المسلمين والمسيحيين. وفي هذه الحال أيضًا، الحكومات ساهرة والجاهات والوسطاء يعملون على المصالحة ووضع حدٍّ للأزمة الطارئة. ويجب القول إنَّ هذه العلاقات، على كلِّ حال، بين المسيحيّين والمسلمين في المجتمع الواحد، لم تبلغ بعد كمالها، فهي مسيرة طويلة وبطيئة يجب العمل على بلوغ الكمال فيها يومًا بعد يوم.


مع ظهور تيّارات دينيّة متطرّفة، بدت الحاجة إلى وحدة جديدة بين المسلمين والمسيحيّين للوقوف صفًّا واحدًا في وجه التغيُّرات ذات الطابع الديني والمتطرِّف والتي تهدِّد المجتمع بكلِّ من فيه.


الحركات الإسلاميّة الدينيّة ترى أن الحلَّ لكلِّ الأزمات يَكمُن في التطبيق الحرفيِّ للشريعة الإسلاميّة على المجتمع في مجالَيْ السياسة والحياة الاجتماعية بكلِّ من فيه، مسلمين أم غير مسلمين. في هذه الحال، الموقف المسيحي هو التالي: أوّلا، الوحدة الوطنيّة بين المسيحيّين والمسلمين للوقوف صفًّا واحدًا في وجه التطرّف الذي يهدِّدهم مسلمين ومسيحيين معًا. وثانيًا، إن وصلت هذه التيّارات الدينيّة يومًا إلى فرضِ سيطرتها على المجتمع، يبقى كذلك مجال كبير للحوار. وإن لم ينجح الحوار، يبقى للمسيحيّ أمر واحد يقوم به: ألا يستسلم للخوف، بل يثبِّت حقَّه في المواطنة ويَثبُت على إيمانه، ويستعدُّ في الوقت نفسه إما للشهادة في سبيل إيمانه بتحمُّل المضايقات اليوميّة في الحياة، وإمَّا للاستشهاد ببذل الحياة نفسِها. وإذا ما انفتح أمام المسيحيّين مرّةً ثانية عصرُ الاستشهاد، كما حصل في القرون الأولى للمسيحيّة مع الإمبراطوريّة الرومانيّة، سيكون ذلك لمنفعة المجتمع كلِّه ولتنقيته، ولتقوية المسيحيّين في إيمانهم ولخلق وجه جديد للمجتمع كلِّه.


ولكن يجب أن نتساءل أيضًا لماذا تنشأ وتنمو هذه الحركات الدينيّة المتطرِّفة. أوّلا، يمكن أن نرى فيها حاجة لدى الناس إلى حياة دينيّة صادقة. وثانيًا، نجد فيها رفضًا لأوضاع بشريّة داخليّة مبنيّة على عدم المساواة والفقر والمظالم في داخل المجتمعات العربية المسلمة، وثالثًا هي رفضٌ لغزو "غربيٍّ" للمجتمعات العربيَّة عبر وسائل الإعلام المتنوِّعة على صعيد القيم والأخلاق. كما هي رفضٌ للتدخُّل "الغربيِّ" على الصعيد السياسيِّ أيضًا. وفيها أخيرا ردَّة فعل على الخلل القائم في العلاقات بين الشعوب. هذا، بالإضافة إلى الصراعات المحتدمة في إسرائيل وفلسطين والعراق.


هذه التيّارات الدينيّة، بكلِّ تعقيداتها وتهديداتها للمسلم وغير المسلم على السواء وللعالم كلِّه، قد تُحكِم يومًا قبضتَها على المجتمع، ما لم تعمل السياسات الداخليّة في البلدان العربية على خلق مجتمعات عادلة وآمنة، وما لم يتجدَّد الإسلام من الداخل فيستجيب لحاجة المؤمنين إلى حياة دينيّة صادقة، ويحُول دون مساعي المتطرِّفين لتحويل الدين إلى أداة للتعصُّب والعنف، وما لم تتوصَّل السياسة العالميّة إلى وضع حدٍّ لمختلف صور الاستعمار الحديث للشعوب.

 

 

 ــــــــــــــــــــــــ

 

 [iii] اليهود والمسيحيون في الأرض المقدسة، ( البطريرك ميشيل الصبّاح، الرسالة الأخيرة، 1 اذار 2008).


بالرغم من الصراع المحتدم كلَّ يوم، وبالرغم من الموت والكراهية في كلِّ يوم، هناك أيضًا واقع أكثر إنسانيّة، وهو واقع حوار وتواصل بين الناس على مختلف المستويات السياسيّة والدينيّة. وهناك مثلا مبادرات عديدة للقاءات بين الشبيبة الفلسطينيّة، المسيحيّة والإسلاميّة، والإسرائيلية اليهوديّة في إطار المدارس، على الصعيد المحلّي والعالميّ. وهناك أيضًا في البلد جمعيّات عديدة للحوار بين اليهود والمسيحيّين.


وفي أبرشيّتنا البطريركيّة لجنة للحوار مع الديانة اليهوديّة فتحت أبوابًا من المعرفة والاتصالات. والهدف منها هو الإصغاء وفهم اليهوديّة واليهود من خلال شهادات لشخصيّات يهوديّة من مختلف قطاعات المجتمع الإسرائيلي. وتركِّز اللجنة تفكيرها أيضًا على العيش معًا، ومن ثَمَّ على المواقف الواجب اتخاذها في وجه الواقع الأساسيّ في البلد أي الصراع والاحتلال وانعدام الأمن. وتناقش اللجنة أيضًا وجهات النظر اللاهوتيّة بخصوص الصراع. والهدف هو إقامة حوار محليّ بين أشخاص محليّين فلسطينيّين مسيحيّين وإسرائيليّين يهود، للتفكير وتبادل الآراء كمؤمنين في الوقائع التي يعيشها على الأرض نفسها الفلسطينيّون والإسرائيليّون. ويشارك بعض الفلسطينيين المسيحيين أيضًا في الحوار الرسميّ بين الكنيسة الكاثوليكيّة في المجلس البابويّ لوحدة المسيحيّين وللحوار مع اليهوديّة.

 

 ــــــــــــــــــــــــ

 

[iv]   متطلبات الحوار، ( البطريرك ميشيل الصبّاح، الرسالة الأخيرة، 1 اذار 2008).

 

الحوار المحلّي بين الأديان الذي بدأ باتصالات متعدِّدة بين المسلمين واليهود والمسيحيّين، أدَّى إلى إنشاء مجلس للمؤسسّات الدينية في الأرض المقدّسة، يساهم فيه ممثّلو الديانات الثلاث على أعلى المستويات. وهو حوار استرعى انتباه القيادات السياسيّة، وخلق واقعَا جديدًا في الأرض المقدّسة: لأوّل مرة في التاريخ، تجتمع القيادات الدينيّة للديانات الثلاث وتفكّر معًا في كيفيّة التوصّل إلى السلام. وقد أردنا أن نرَكّز في هذا الحوار على البعد الإيماني والعلاقة بالله. فنحن المؤمنين بالله، ماثلين أمام الحضرة الإلهية، أمام الإله الواحد، نريد أن نفكِّر معا، فننظر في واقعنا الإنساني المشترك، وفي التنوّع بيننا وفي مقدرتنا على المصالحة، ونريد أن ننظر أيضا في القيم الدينية مثل التسامي فوق الذات وقبول الآخر واحترامه، لأننا كلَّنا خليقة الله ومتساوون أمامه، ومعًا علينا أن نجتهد لإقامة العدل والسلام.


إلا أنّه ما زال هناك عدم نضوج دينيّ في مجتمعاتنا ذاتِ الطابع الدينيّ، في ما يختصّ بقبول الآخر واحترامه. حتى الآن كلُّ المسيحيّين وكلُّ المسلمين وكلُّ اليهود لم يتعلَّموا أن يعيشوا معًا وأن يجعلوا العيش معًا مقبولا وآمِنًا للجميع. هناك عناصر متطرِّفة أو جاهلة ما زالت تحمل تناقضات الماضي وما زالت مصدرًا لعدم الثقة والتّهم والخوف، ومن ثم للاعتداء على مواطنيهم المختلفين عنهم في دينهم.


ثم إنّ الحوار القائم اليوم إنما يجري بين القيادات أو على صعيد النخبة. وهو حوار مفيد، ومسيرة طويلة لا بدَّ من الاستمرار فيها. ولكننا نحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى تربية جديدة للأجيال الصاعدة. إنْ أردنا تهدئة المجتمع وإزالة النـزاعات الجزئيّة أو العامّة، فإنَّ نظام التربية يجب أن يتبدّل، وفي جميع أماكن التربية، في البيت والمدرسة ودور العبادة ووسائل الإعلام. يجب أن تنطلق دعوة صريحة واضحة للاعتراف بالآخر والتعاون معه. يجب أن تسمع الأجيال الجديدة
 في كلِّ الديانات نداء يقول: الآخر المختلف في ديانته ليس عدوًّا ولا غريبًا. بل هو أخ ويجب محبَّته والتعاون معه، ومعه يُبنَى المجتمع. حتى التطرُّف الذي يتغذَّى من جهة من جهل الماضي ومن جهة أخرى من مظالم الحاضر ومخاوفه، قد يجد في نظام التربية الجديدة هذه جزءا من العلاج المنشود.

 Back

العودة إلى الصفحة الرئيسية