الإهداء
إلى روح الشهيدة التي لم أرها ولكني سمعت عن خلقها وإنسانيتها
الدكتورة الصيدلانية الشهيدة
دينا سليمان المشيني
مع خالص الوفاء والتقدير...
د. أسامه
ملخص الدراسة
تناولت هذه الدراسة علماً من أعلام الأدب والفكر في الأردن، وهدفت إلى إبراز صوت الأديب الشاعر سليمان إبراهيم المشيني. وعلى الرغم من غزارة إنتاجه، وتنوع مواهبه الأدبية والفكرية إلا أنه لم يحظ باهتمام الباحثين، لولا تلك الإشارات التي تمكن الباحث من رصدها عن الأساتذة: سمير قطامي، وخالد الكركي، ومحمد عطيات ومحمد أبو صوفة. في حين تناول الدارسون أبناء جيله من المبدعين أمثال: حسني فريز وعيسى الناعوري وعبد المنعم الرفاعي، وروكس بن زائد العزيزي... وغيرهم وذلك بصورة شاملة، ونظراً لعدم وجود دراسة متكاملة حول الأستاذ سليمان المشيني، فقد ندبت نفسي لهذا العمل.
تناولت الدراسة نشأة الشاعر والبدايات في السلط، وفي الفصل الأول: سليمان المشيني شاعراً، ونماذج مختارة من شعره، وفي الفصل الثاني سليمان المشيني روائياً، وقد ركّز هذا الفصل على روايته «سبيل الخلاص»، و«زاهي وعنود» و«الشارع المعبّد بالذّهب» وفي الفصل الثالث سليمان المشيني قاصاً، كما عرضت الدراسة نماذج من مقامات المشيني في الفصل الرابع. وجزءاً من مشروع دراسته عن الموشحات الأندلسية.
أما في الفصل الخامس فقد تناولت الدراسة سليمان المشيني ناثراً.. وأحسبُ أنّ أديباً وإعلامياً كبيراً مثل المشيني يستحق الدراسة والبحث إذ كانت آخر مناصبه «مدير عام الإذاعة الأردنية» وذلك عام 1985م. ولعلّ لهذه الدراسة أهمية خاصة ذلك أنها تعرض لنماذج شعرية وقصصية وروائية ونثرية لم تدرس سابقاً، وتعرض لأول مرة، أرجو أن يكون فيها إضافة جديدة جيدة للمكتبة الأردنية والعربية.
الـمقدمة
بدايات الشاعر:
في حاضرة الأردن مدينة القائد اليوناني العظيم (سالتوس) - وقد فتحها زمن الإسكندر المقدوني - ولد شاعرنا ودرج على أرضها وزقاقها وصعد إلى ذراها!
كانت السلط حتى بدايات القرن العشرين عاصمة لإمارة شرق الأردن. وتُعَدُّ بلدية السلط، إلى جانب بلدية عجلون في شمال البلاد، إحدى أقدم بلديات الأردن، وتتميز بطبيعتها الجبلية. ومن أشهر شوارعها شارع الحمام في وسط المدينة، وشارع الميدان حيث كان به ميدان لطراد الخيل، و شارع الدير وهو آخر امتداد شارع الخضر وسمي شارع الخضر نسبة إلى مقام الخضر عليه السلام. ومن أشهر الأحياء حي الجادور وذلك نسبة إلى مقام النبي جاد الموجود فيه، ووادي شعيب عليه السلام نسبة إلى مقام النبي شعيب.
أما مقام النبي يوشع فهو يتربع في منطقة جبلية تسمى جبل زي. كما أَنَّ مدينة السلط ذات تضاريس جبلية، ويوجد فيها كثير من الحارات أو الأحياء، وتحتوي هذه المدينة على العديد من الآثار وفيها أقدم متحف في الأردن، ويمثل تاريخ السلط ويحتوي على عدة أركان منها: ركن الآثار القديمة والحلى والملابس والأدوات المنزلية، وكذلك العملة النقدية القديمة لعدة أزمنة وحضارات. وفي السلط مناطق أثرية وتاريخية كثيرة منها مقام نبي الله يوشع بن نون، وشلالات الرميمين، والقلعة، والجدعة، وحي السلط القديم وسوق السكافية، كل هذه مبان وآثار قديمة وتضمُّ هذه الآثار كذلك على منزل أبو جابر الذي تقوم فرق يابانية بترميمه حيث بناه العثمانيون عندما كانوا مقيمين في السلط. وتحتوي أراضي السلط على أشجار العنب والتين والرمان وغيرها، وفيها عدة جبال أو مرتفعات عدا عن وسط البلد ومن هذه الجبال: زي والخندق والعيزرية والسلالم ووادي الأكراد والتل والمغاريب ونقب الدبور والمنشية وغيرها، ومن أقدم المدارس في الأردن مدرسة السلط الثانوية، وقد خرّجت العديد من رجالات الأردن، وتمتاز بموقع مميز في مدينة السلط في حي المنشية.
وأغلب عشائر السلط تعود في أصلها للبادية ولكنها استقرت في السلط لمزايا الاستقرار التي كانت فيها وخاصة وفرة الماء والكلأ وقد حافظت على طبيعتها القبلية إلى الآن. في هذه المدينة العريقة وتركيبها السكاني والاجتماعي والثقافي المتنوع نشأ شاعرنا سليمان إبراهيم المشيني، وقد تأثّر بالبيئة التي عاشها تأثراً بالغاً، إذ نشأ صاحبنا وترعرع، وبين هذه الربوع الجميلة والبساتين والينابيع خطا وكانت البدايات، وتلك الروح الشعرية الوثّابة التي تتغنى بالطبيعة والجمال والمرأة وحب الوطن والقيم الإنسانية، وكراهية المستعمر الغاصب، كما كراهية الظلم والاستبداد.
لقد اتصف سليمان بطيبة القلب والمروءة والمحبة لكل من يحيط به، ومساعدة الآخرين، وهو صديق مخلص وفيٌ لمن يحيطون به، متواضع، دمث في تعامله، يكره النفاق والكذب، وتلمح تلك الإنسانية المفرطة في تعامله مع الآخرين، وتلك الأخلاق الطيبة التي قلّ نظيرها في زماننا!
- إنه صديق صدوق وليس أدلّ على ذلك من ديوانه العاشر «صبا من الأردن» الإخوانيات، فها هو يهديه إلى الشاعر الكبير وأديب العروبة البليغ المرحوم حسني فريز (أبو نوار)، وها هو يرسل تحية الشعر إلى الأستاذ المحقق العلاّمة إحسان عباس في يوبيله الماسي، ويبدأها بقوله:
تزهو القوافي بإحسان بن عباس
زهو الحسان بأعياد وأعراس
وترتدي من بليغ اللفظ أروعه
ومن برود البيان الضافي الكاسي
تزهو بأستاذ جيل ملهمٍ مَثَلٍ
أعلى بعلم وأخلاق وإيناس
وها هو يحيى الشاعر الشاعر، ها هو سليمان المشيني يحيي نمر بن عدوان في ذكراه، ويستذكر الفقيد الكبير البطل أنور محمد أبزاخ، كما يستذكر اللواء الدكتور عادل عيسى حداد، والشاعر المبدع عبد الفتاح حياصات، والقس سالم دواني، ويرسلها زفرة ألم وحزن وشكوى إلى ابنته الصغرى الشهيدة (دينا) قدّس الله روحها، ويرسل برقية شعرية في ذكرى الأستاذ نعوم كلداني، والعلاّمة روكس بن زائد العزيزي، وقصيدة إلى دولة الأستاذ الشاعر عبد المنعم الرفاعي، وخواطر شعرية إلى جلال فاخوري، وحنا ميخائيل سلامة، وجميل علوش، وناديا العالول، وهيام رمزي الدردنجي، وعمر أبو ريشة، وراشد عيسى،... وغير هؤلاء كثير، مما يعكس تلك الروح الشعرية الوثابة، وهذه النفس الإنسانية التي تأسرك بدماثتها وأخلاقها... إنه الشاعر الإنسان، الرجل الفكرة، صاحب المبدأ، سلطي المولد والنشأة، أردني الهوى والعشق، عروبي الأصالة والانتماء، إنساني المنزع والتوجه...!!
* * *
عشيرة المشيني
يذكر المحامي طلال الشيخ حسين البطاينة في كتابه «الصفوة في جوهرة الأنساب - الأردن» (صفحة 296) أنَّ عشيرة المشيني من عشائر الأردن المسيحية، مساكنهم مدينة السلط وهم فرع من العزيزات يعودون بأصولهم إلى العرب الغساسنة ولهم أقارب في فلسطين، ومنازلهم بيت ساحور. كما أورد هذه الرواية كتاب «قاموس العشائر في الأردن وفلسطين» لمؤلفة حنا عمّاري في حديثه عن عزيزات السلط.
يتحدّث الدكتور الشويحات عن عائلات العُزيزات المقيمة في السلط على
النحو التالي:1- القبيسية نسبة إلى جدّهم (لم يذكر اسمه، ولعله كان قبيس) الذي كان تاجراً.
2- الزعامطة، من عائلة القبيسي، اتفق جدّهم مع امرأته بأن لا تفتح له الباب في الليل عندما يرجع من المضافة إلا بعد أن يذكر لها كلمة «زُعمط»، وذات مرة نسي كلمة السر، فلم تفتح له الباب رغم أنها عرفته من صوته فرجع إلى المضافة، وفي الطريق تذكّر الكلمة ثم قفل راجعاً وطرق الباب وقال «افتحي يا مرة الباب، زُعمط وألف زعمط»، والزعمطة هي قطعة الجميد أي اللبن المجفف والفعل منها زعمط يزعمط.
3- عائلة البيطار شقيق جد القبيسي:
أ- الشعبان نسبة إلى شعبان جد العائلة.
ب- المشيني كان ضيفاً عند أحد السلطية في كرم عنب، وكان يقول للمُعَزِّب: «يا الله مشيني»، ومن هنا جاء اسم مشيني(*).
النشأة والمولد:
ولد سليمان إبراهيم المشيني في مدينة السلط في أوائل شهر نيسان عام 1928، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي ثم الثانوي في مسقط رأسه. ثم بدأ صاحبنا حياته العملية في التجارة والعمل الوطني.. كما بدأ الكتابة عام 1948 وهو طالب على مقاعد الدراسة.
التحق بالعمل الإذاعي في الإذاعة الأردنية كمذيع وكاتب برامج عام 1956، وتدرّج في العمل الإعلامي حتى أصبح مديرها العام، وذلك سنة 1985م.
وحينما زار الملك المؤسس عبد الله بن الحسين مدينة السلط عام 1949، أتيح لشاعرنا أن يلقي قصيدة بين يدي جلالته، وقد نالت إعجابه واستحسانه فقال الملك الأديب الشاعر بالحرف الواحد: «أنت شاعرنا يا مشيني ولك مستقبل في دنيا الشعر فلا تقعد عن ممارسته وطلبه وإبداعه.. والشعر موهبة وثقافة».
إنّ شعر الأستاذ سليمان يمتاز بالعاطفة الوطنية، ويتصف شاعرنا بحبه لبلده، فقد غُنيت له الأناشيد والأهازيج الوطنية الكثيرة... في الإذاعة والتلفاز الأردني، وفي الجامعات والمدارس والقوات المسلحة الأردنية الباسلة.
وهو ينظم تلبية لفكرة اجتماعية أو وطنية أو إنسانية تبرز فيها الصدق كله والوفاء والمحبة. وبعد تقاعده انضمّ إلى اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين عضواً في الهيئة الإدارية لدورات عديدة، وهو عضو فعّال في الاتحاد، وخطيب بارع، وقد ألقى عشرات المحاضرات الأدبية وساهم في إغناء نشاطات الاتحاد الثقافية الأردنية والعربية.
وللشاعر المشيني رأي في الشعر فهو يقول: (في البدء كانت الكلمة.. وفي البدء كان الشعر وللشعر العربي الخالد مقومات في طليعتها التمكن من اللغة والبلاغة والسيطرة على أصول الشعر وقوافيه، والموهبة الشعرية لأن هذا الفن الرفيع ليس علماً ولا حرفة، وإنما هو شعور وإحساس وفيض عاطفة ووجدان خيال. واللغة العربية بأصول قواعدها هي قوام الشعر الذي يستمد منه الشاعر قضيته تعبيراً وتصويراً وبلاغة وبياناً؛ لأن الشاعر محتاج إلى حسن الاختيار لألفاظه وكلماته. ليحسن التعبير عن مشاعره ووجدانه وخلجات نفسه دونما إبهام، وهنا يجول في الخاطر ما نقرأ من أشياء تكتب في الصحف يقال عنها (شعر) وهي تخلط بين الأصالة وغير الأصالة أو بين الأصيل وغير الأصيل من أدعياء الحداثة؛ لأن النغم والإيقاع هما ميزتا شعرنا العربي كما أنَّ الصور الشعرية والرؤى الفكرية تضيع في دروب من التعبير ملتوية. وإذا قيل هذا تجديد فردنا أن التجديد في المعاني من خلال الالتزام بالوزن والقافية، فما الذي يبقى من أصول الشعر العربي وما يميزه إذن عن النثر عند فقدانهما، كما يقول الأستاذ المشيني.
شارك شاعرنا في تأسيس جريدة الرأي، ومجلة (هنا عمان)، وعمان المساء، ومجلة الكاتب الأردني. وقد كتب عنه عدد من كبار الأدباء والشعراء وتناولوا أدبه وشعره بالتحليل. وكتبت عنه دراسة موسّعة في «قاموس أعلام الفكر والأدب في الأردن» للأديب المؤرّخ «محمد أبو صوفة»، وقد حصل على مجموعة من الأوسمة الملكية الرفيعة كان آخرها وسام الحسين للعطاء المميَّز من الدرجة الأولى، وأنعم به عليه جلالة الملك عبد الله الثاني، وذلك عام 2006م.
تزوج سليمان المشيني في 23/ 4/1950 من السيدة الفضلى «دمية» كريمة الأديب الفلسطيني الكبير المؤرخ «عيسى روفا السفري». وأنجاله «الدكتور إبراهيم» و«ليلى» و«فريال» و«فاتنة» و«نادرة» والشهيدة الصيدلانية «دينا».
وللشاعر المشيني الكتب المطبوعة والمخطوطة التالية:
«صبا من الأردن»: اثنا عشر جزءاً تحمل الاسم نفسه، طُبع منها حتى الآن عشرة أجزاء كان آخرها: «الأردن جلال وجمال»، «يا حياة المجد عودي - سلسلة من الأناشيد الوطنية»، «بطاقة حب إلى فلسطين الخالدة» و «الإخوانيات».
ومن رواياته: «سبيل الخلاص»، «زاهي وعنود» (مطبوعتان)، و (الشارع المعبد بالذهب» (مخطوطة).
ومن مسرحياته التي ألّفها: «بطل من أوراس» «مطبوعة»، و«أميرة جرش»، و «عودة قراقوش» ومسرحيات أخرى (مخطوطة)، و «مع العبقريات»، و «شموس لا تغيب» (مطبوعة)، و «موعد في القدس» و «من روائع القصص العالمية» (موضوعة ومترجمة ومطبوعة).
أما المخطوطات فهي: «مساكب شمس»، «أولئك آبائي»، «شخصيات ومواقف»، «نحو البناء»، «صبا من المهجر»، «الموشحات الأندلسية»، «سطور وأمجاد»، «أرج البيان»، «في البدء كانت الكلمة»، «محاضرات في الأدب العربي»، «ابنة الأردن وزهرته الفريدة».
وله أكثر من ألفي برنامج إذاعي وأكثر من مائتي سكتش وأوبريت وأهزوجة وألف حلقة من برنامج إذاعي بعنوان «صبا من الأندلس» وله أكثر من خمسين مسلسلاً إذاعياً ولعل أشهرها: «عند الغروب»، و«قال الراوي»، و«رفقاً بقلبي»، و«ماذا جنيت»، و«المرابي»، و«رحلة عبر المجهول»، و«الثورة العربية الكبرى»، و«الحب والسيف»، و«أمير سجلماسة»، و«لقاء وذكرى»، و«زهرة البنفسج»، و«غادة الأندلس»، و«لقاء عند الأصيل»، و«عبقريات عربية»، و«سوق عكاظ»، و«صفحات وضّاءة». ناهيك عن تأليفه الكثير من الأهازيج الأردنية منها: «فدوى لعيونك يا أردن» والتي غنتها سميرة توفيق، و«أنا الأردن»، و«أردن شو ما بدّك منّا... أطلب علينا واتمنّى» غناء إسماعيل خضر، و«النشامى» غناء المجموعة، و«أردن يا أحلى الأوطان» غناء نجاح سلام، و«ربع الكفاف الحمر» غناء توفيق النمري، و«حيّوا الأردن أردنّا» غناء هيام يونس، و«هذه أرضي وهذا بلدي» غناء محمد غازي، و«وطني الأردن أعمّره» غناء إسماعيل شبانة، و«عالميدان يا ابن الأردن» غناء فؤاد حجازي، و«موطن الصمود» غناء صبري محمود..
وللشاعر باع في مجال أدب الأطفال والفتيان الشعري([1]).. وذلك من مساهماته المتعددة في أشعار مجلة (وسام) والمجلات والصحف الأخرى ذات الاهتمام بجيل الغد.. وهو في الجزء الرابع من (صبا من الأردن) قد ضمّنه مجموعة جيدة من الأناشيد الوطنية الموجهة للأطفال والفتيان، وجيل الشباب، مثل قصيدة: «رسالة من سمير إلى أصدقائه الأطفال والفتيان، و«بطاقة حب إلى كلّ طفل يحتفل بعيد ميلاده»... و «حداء راعي» و «نشيد الرياضة» و «أمنية طفل»، و«إشارة المرور»،... وقصائد «تأملات».
إنّ صدور الجزء العاشر من ديوان سليمان المشيني «صبا من الأردن»، أردن الجلال والجمال، ووقوفه على خمسين مسلسلاً إذاعياً، وألفي برنامج إذاعي للقوات المسلحة الأردنية، وكتابته ما يربو على مائتي (اسكتش) و (أوبريت) وأهزوجة، وتقديمه الحلقات الألف من برنامجه الإذاعي الذي عُرف به (صبا من الأندلس) منذ الثمانينات وحتى عام 2000م، وعكوفه على ديوان (يا حياة المجد عودي) ودواوين أخرى مخطوطة، وروايات وكتابات حبيسة الأدراج دليل على عطاء شاعرنا الكبير وتميزه.
لقد كرّم الملك الراحل الحسين بن طلال الأستاذ المشيني بوسام الاستقلال من الدرجة الرابعة والثالثة والثانية في الأعوام 1956، 1976، 1985،، وهنالك عشرات الدروع والميداليات التقديرية التي منحت لصاحبنا... كما كرّم جلالة الملك عبد الله الثاني - كما أشرنا آنفاً - الشاعر والإنسان سليمان المشيني - بوسام الحسين للعطاء المميَّز من الدرجة الأولى، كما وقف الوقفة ذاتها عام 1949 م في حضور المغفور له الملك المؤسس عبد الله الأول في السلط، وألقى قصيدته في الإذاعة الأردنية، ولم يزل بعد، طالباً؟... وإزاء هذا يقول:
شعرت بأنني بين يدي كريم وابن كريم، أخجلني تواضعه الجم، وتقديره للعلم والأدب، وهما رهان هذا البلد، ومنطلقه نحو البناء... وقد تذكرت حينها، القصيدة التي أشرت إليها، في السلط.
والتي ألهمني إياها جلالة الملك عبد الله بن الحسين، وقلت فيها:
جاوزت قدري بمدح الرائد الباني
صقر العروبة، مرسي مجد أوطاني
يا صاحب التاج، عفواً، ألف معذرة
إن لم يؤدّك بعض الحق تبياني
مولاي معناك أسمى أن يحيط به
نثر ابن ساعدة، أو شعر حسان،
وعندما سئل شاعرنا كيف تقيّم تسابق كتّاب الأغنية المحلية، اليوم، و «تنطّعهم» بمفردات جافة تفوح منها رداءة التوليف، وصنعة القالب المكرور؟! قمين بنا ألا ننسى أنَّ الشعر أرفع الفنون، وهو ديوان العرب. وهو ليس بمهنةٍ؛ وقد قال حكيم: «سئل الزمن: كيف عرف الإنسان الله، فأجاب: بالنبوة والشعر الرفيع»، وتأسيساً؛ فإننا بتنا، هذه الأيام، نطالع ما يخرج به علينا هؤلاء، الذين أسميتهم بالمتنطعين؛ وأنا أزيد: المقحمين على الشعر والكتابة. الشعر الذي أخذ ينحسر ظله، ويمسخ إلى ألوان عجيبة، تطغى عليها العجمة، واللوغاريتمات الرياضية، التي لا يفهمها حتى أصحابها!!
وفيما يخص الأغنية، الصافية، الصادقة، الشفيفة؛ فأرجو أن تستمع لتوفيق النمري، مثالاً لا حصراً، وقد كان لي شرف التعاون مع الرجل في «ربع الكفاف الحمر»، لتشم رائحة الأردن: المكان، والزمان، وكل الأدلة المصاحبة. واليوم، يأبى هؤلاء، أصحاب المفردات الدالة، أصلاً، بطبيعتها، إلا أن يظلموها في أبيات سقيمة، وتعابير باتت تشترى من كتابها، الذين استمرأوا تجارتها: فترى كاتب الكلمات يكتبها في «ظرف ساعة» - على رأي (أبي بكر سالم المطرب) - ويسجلها تجارها في يومين أو ثلاثة، ويغرقون بها الأسواق، دون مراعاة للذوق السليم، والإحساس السامي.. وأرجو أن تتساءل معي: لماذا لا تدوم هذه الأغنيات، التي تقوم لها الدنيا ولا تقعد ساعة ولادتها، ثم ينساها أهلوها، ويسلوها ذووها،.. ويبحث مقترفوها عن جديد!.. والجواب، ببساطة متضمن في عدم الإخلاص للشعر، الذي بارت معانيه، وفسدت سطوته بفضل هؤلاء!!
وحول كتابات الأستاذ المشيني المتنوعة يقول صاحبنا:
كل ما كتبته، كان يستمدُّ مادته من رومانسية الموقف، وروح الخلق الكريم، ونبل التسامي على ماديات الأمور: سبيل الخلاص قصة إنسانية، عالجت فيها التشظي بين المادية والروحانية؛ وانتصرت للجانب الروحاني، أخيراً.. و «مسرحية بطل من أوراس» تروي حكاية شاب جزائري، قدَّم نفسه ضحية ليجنب بلده دماراً أكيداً؛ حين قُتِل جندي فرنسي، وهددت البلد إن لم يعرف الجاني؛ فافتداها، وعلم الناس فيما بعد، أنه بريء مما حمله نفسه. أما «موعد في القدس»، فأهديتها عام 1968 إلى «حابس المجالي»،، بطل «باب الواد».. ويتأرجح باقي ما كتبت بين الرومانسية والواجب. وأضيف إلى ما ذكرت مسرحيات: أميرة جرش، وعودة قراقوش، والعمر لكم. ومجموعات قصصية مترجمة، أيضاً.
دائماً، ما ينعتك مناوؤوك بـ «كلاسيكية القول»... كشاعر وعى القديم، وجايل الثائرين عليه،.. ويعاصر اليوم النابذين له: ماذا ترى؟!
ليس لدي ما أقوله غير أني أؤمن بالتجديد؛ تجديد نزار، ونازك الملائكة، وعبد المعطي حجازي، والفيتوري، وفدوى طوقان: وهم من كتبوا العمودي، ولم يخرجوا عن موسيقاه، وأبقوا على نغمه وإيقاعه. وبالمناسبة، فأنا غالباً ما أردد: «كلُّ قديم رأيته في حياتي، إن كان لديك من جديد، فهات!». ويطيب لي أن أستأنس بشعراء الأندلس، الذين راودتهم نزعة التفوق على شعراء المشرق بعد أن بلغوا شأوهم؛ فابتكروا بحوراً أسموها الموشحات. وباعتقادي، فإن الشعر المنثور لا يفيض بالمعاني المتوخاة، وأجزم أن تسميته بالمنثور خطيئة مميتة؛ انطلاقاً من أن الاختلال لابد يلازمه؛ فيحتمل كل أسلوب، وتضعف عبارته، ويترواح ما بين الانقباض والانبساط على ما شاء صاحبه.
* من يقرأ سيرة المشيني، في رثاء كريمته «دينا» تلوح له سيرة الراحل السوري، عبد المعين الملوحي، في رثاء «بهيرة» - زوجته -،... غير أنَّ الفارق الوحيد كان في احتسابك دينا شهيدة للوطن، ... كيف تأججت لديك نزعة الرثاء، المتأصلة من قبل؟!
«دينا»!.. الصيدلانية البريئة، التي طالتها يد الغدر في العام 1994، احتسبتها في مرثية صادقة، قلت فيها:
يا موطني!.. هذي فتاتك قطعة من نفسنا
فاجعل جفونك للحبيبة والبريئة مدفنا
واعقد من الأزهار إكليلاً بهياً متقنا
ليكون مثواك المطهر بالزهور مزينا
وليشد طيرك في الربى لحن الوداع مؤبنا
من قال ودعت الدُّنى؟!.. ما زلت يا دينا هنا!
أما نزعة الرثاء فلا يخلو منها شاعر. وثمة كلمة موجزة أود قولها في حديثي عن الشعر: وهي أن الحق والعدل والجمال والخير وتناغم مفردات الحياة تبدو في دنيا مادية أشياء غير عادية في ظل الأنانية والأطماع والنزوات؛ فإذا بالشاعر يبرز بروعة ما يأتي به من شعر سامي المعاني والإلهام كطبيب نطاسي بارع. في الشعر تولد الحقيقة متوجة بالفن، ويلبس التعبير ثوب الرواء، وتتجسد الطبيعة الجامدة حية، ويطرز الكلم بالرقة والإحساس والموسيقى. وما كانت المثل العليا والقيم الرفيعة - مذ كانت - إلا ثورة الخالد في الإنسان على الفاني، ولعل الرثاء، على هذا، ألهمه إلهاماً في كتابة أجمل المراثي التي يمكن أن يقرأها الإنسان في رثاء محبوبه ([2]).
شعارات رفعها سليمان المشيني:
- إنما المرء حديث بعده، والذكر للإنسان عمر ثانٍ.
- إنما أنتم أخبار، فطيّبوا أخباركم.
- الخط المستقيم أقصر المسافة بين نقطتين.
- طوبى لمن تجاوز القشور إلى اللباب والضحضاح إلى العباب.
أما مصادر ثقافته فكانت متنوعة متجددة، بدأها في مدارس السلط الابتدائية والإعدادية والثانوية، وانتهى إلى عمله الإعلامي في الإذاعة الأردنية منذ إنشائها، إضافة إلى اهتمامه بعيون الأدب والفكر من التراث العربي الأصيل، وقد تتلمذ بعد ذلك على نفسه، وقرأ كلّ ما يلوح له من الكتب والمصادر العربية في التاريخ والفكر والبلدانيات والأعلام، كما لم يغفل الثقافة الأجنبية، فقد أحسن الترجمة في الإنجليزية، وتمكن من الترجمة منها وإليها، ولم يكن شاعرنا متوانياً عن تحصيل العلم والمعرفة وتعميق ثقافته من مصادرها المختلفة والمتنوعة، وقد أتاح له كل هذا كتابة موسوعية في الشعر والرواية والقصة وأدب المقالة والمسرحية والمسلسلات الإذاعية والتلفازية والتي - للأسف- لم توثّق رسمياً من قبل الإذاعة الأردنية والتلفاز الأردني.
وأعجب المشيني بكتب الأدب الشعبي والتراث والمعلقات، وقرأ لأعلام الأدب في مصر ولبنان، ولأدباء المهجر... ونتيجة لهذا الاطلاع الواسع فقد تأثر شاعرنا بالأساليب الأدبية لرواد الأدب في الوطن العربي من أمثال أحمد شوقي، وخليل مطران، والزّهاوي وحافظ إبراهيم وخليل مردم بك، وبشارة الخوري، والعقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي.
ولعل قراءة المشيني على نفسه كانت أبلغ جامعة يتلقى فيها العلم والأدب والفكر، وكثيراً ما قارنه النقاد في ثقافته ودراسته بالعقاد.
أما نظرة شاعرنا إلى سحر الحرف والكلمة... فيقول:
«مدهش شأن هذا الحرف.
هذا الحرف الذي إذا ما خَطَطَته على الورق بدا لا شيء، بارداً جامداً وأصمّ أبكم. لا يُغني من شيء..ولكنّه عندما يتصل بحرفين أو أكثر، تغدو الحروف كلمة تمور بالعظيم من معاني الحياة وألوانها، وما تكاد تتزاوج الكلمات، حتى تصبح عوالم فسيحة دونما حدود، زاخرة بشتّى الأحاسيس والأفكار والتخيّلات التي لولاها ما كانت الحياة حياة! وهذه جميعها تنقل بخفة الظل ولطافة النور، من فكر إلى فكر.. ومن قلب إلى قلب.. تاركة خلفها آثاراً متفاوتة في العمق والصدق والمدى.
حقاً إنَّ سحر الحرف يفوق كل سحر!!
وروعته تسمو على كل روعة... إنّها روعة تتجدد أبداً...
ولأنها تُواكب حضارة الإنسان، وما تحمله من كنوز المعرفة والحكمة والعظمة، والخطأ والصواب، فهي ثروة أي ثروة للروح.
وليس ثمة شيء من الكسب المادي، يعادل ذرةً من البهجة الروحية..
لأنَّ الأول ترابي والثاني وهو الروحي سماوي فالحرف إذن هو...
سفر الحياة وسجلّ الزمن
وتوقيت الصلاح والخطأ
اللذين مرّا على الأرض
إنه سجلّ حافل بالعلم والمعرفة، فقد امتدَّ في الآفاق، وامتدَّ في الأعماق..فجاء من كل أفق، ومن كل عمق بأسمى وأرقى ما يجيء به المفكرون والفلاسفة والعلماء والأدباء الذين قالوا:
طالب المعرفة حي أبداً
لأنها دليل العقل... والعقل.. قائد الخير..
والذي يقتبس من الحقيقة يكون في الرؤى والإبصار كالسراج المشع، من مرّ به، أو جلس على مقربة منه، اقتبس من نوره القدسي.
فالحرف إذن، هو قيد العلوم وينبوع الحكمة، يفيدك علم الأولين ويخبرك عن أخبار المتأخرين، كلما أطلت النظر إليه، عاد عليك بالموعظة الحسنة، ولسنا ننسى بهذا الصدد القول المأثور: «ابحث عن المعرفة، فإن المعرفة لا تبحث عنك».
والمعرفة هي في القراءة بإمعان، وتفكير عميق، وإدراك دقيق، كما أنَّ المطالعة تُعلِّم الإنسان الحقيقة، حقيقة التطور الراقي، للمعارف الإنسانية الحديثة ويقودنا الحديث عن الحرف، إلى الحديث عن الكلمة. وقد جاء في القول المأثور: «الكلمة بدء الحياة، واضمحلالها برهان تسرب العدم إلى الدنى..».
فبالكلمة وحدها، أبدع الحق تبارك وتعالى العوالم والأكوان، التي يقف العقل البشري إزاءها تائهاً حائراً.
ثم غدت الكلمة، ونعني الكلمة المشعة المضيئة السنية، عتاد الإنسان العظيم..
مثلما أصبحت الزورق السحري الذي يعبر به، على دفتيه الأسطوريتين، إلى شطآن المعرفة والنور والخير والسلام...
فالكلمة المضيئة بالحكمة والعلم، والسمو الخلقي هي بالنسبة إلى الإنسان... المعلم والراعي، والقائد والرائد إلى القيم الرفيعة..
والمثل العليا، هي الواحة المخضلة، في صحراء العالم المقفرة اللاهبة. إذ تصوغ ملامح الإيمان والأمل، وتأسو الجراح، وتبعث الأماني والأحلام، وما الأدب الخالد إلا مجموعة من الحروف.. الكلمات التي تحدو الذهن العبقري الذي يحاول ما استطاع أن يزيح الستار عما اكتنف الكون من أسرار... أجل إنَّ الحرف الخالد، خلف ما عرفته البشرية من حقائق جلية، وآيات كونية؛ لأنه زبدة العقول وأشواق الأرواح! ويخلد الأدب ويتمجَّد، بقدرته على تخيل الدنى ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وتصور ما يمضي بها قدماً إلى الأمام.. إلى شاطئ الاستقرار والطمأنينة والسلام... وإذا ما أمعنا البحث عمن أغنى حياة الإنسان بالمعاني الرفيعة، رأينا كما يقول توماس كارليل إن رواء الكلمة كان وراء هاتيك المكاسب الثرة.
من هنا فإن الباري تبارك وتقدس وتعالى لم يكرس لرفع لواء الرسالات السماوية المباركة إلا الذين ألهمهم البلاغة والفصاحة، فكانوا أمراء البيان وسادة المنابر وسدنة الكلمة البليغة
التي تخرج من القلب لتحل في القلب وتتفاعل معه لترتفع به إلى آفاق عليا تمور بالخير وتنثال حكمة وفضيلة ومثلاً كريمة، وطوافاً بمخيلات العباقرة نبصرها في حلم أزلي لإرساء قاعدة الإسعاد على الأرض لأنهم حقاً رسل المدنية الحقيقيون..
وما الحضارة في جوهرها إلا العمل على خلق الفردوس على الأرض أو بعث المدينة الفاضلة، التي يتمتع من فيها بالمساواة والرخاء والحرية والعيش الكريم، تحت أظلال العدالة والرحمة والمحبة...
وهذه الأماني لعمري، هي حلم أحلام وهدف أهداف أصحاب البراعة والملهمين المبدعين، الذين هم ملح الأرض وأكسير الحياة ورياضها الغنّاء.
وفي عالم العقل الوَضّاء الرحراح السناء، تجد النفوس الراحة أثر العناء!
وتنعم بالبرء في أعقاب الداء!
ولسنا نبالغ أو نجانب الحقيقة إذا قلنا بصراحة وشجاعة: «أن ما تنعم به البشرية بأسرها من مبادئ إنسانية خيرة كان للفكر المؤمن بمن خلق الإنسان وعلمه البيان، الباع الأطول في تحقيقها، وقد كان هذا الفكر أمس واليوم وغداً نصير الحرية.... ومن سواه الذي يبعث بالشعوب المستضعفة المهيضة الجناح، روح المضاء والتضحية، والبسالة للتخلص من العبودية بالأسلوب البليغ والبيان الساحر والخيال السامق. فبورك الحرف السامي، الذي يحمل أبداً قبساً من الحق لا ينطفئ.
بقي أن نقول: بوركت الكلمة التي تضيء بسنا الشعاع الأزلي، الذي يوجه إلى الأبقى والأخلد ويخلق من اليأس أملاً ومن الضعف قوة. وتحيل المَهْمَه القفر واحة وارفة الظلال مثلاً وحكماً وقيماً،... بوركت الكلمة المشعة بالمشاعر الإنسانية والتي ترفع صوتها بوجه الباطل، وتتمرد على الظلم والجبروت، ولا تتخلى قيد أنملة عن سمو أهدافها، مهما وضع في طريقها من ترهيب وترغيب..
إنها آراء لا تلين وقوى لا تعنو.. وإنها طاقة علوية، وغذاء روحي لا غنى عنه ومنارة تشع سناء وسنى... تلهم الحيارى إلى كل ما هو رائع وخير وكريم..
وبعد فليس ثمة غنى للغد الأنبل الذي ننشد عن الكلمة المشعة المشرقة الفياضة نوراً... فلندع لها المجال في ظلال الديمقراطية الخالدة... ولا ند لها على واجبها فالحياة التي تضج فيها تقود خطاها وتوجهها...
د. أسامة يوسف شهاب
مركز اللغات / الجامعة الأردنية
في 5/7/2008م
* * *
(*) زودنا بهذه المعلومة الأستاذ الفاضل زياد أبو غنيمة.
([1]) أشار الدكتور محمد المجالي إلى الأستاذ سليمان المشيني في هذا الجانب، وذلك في كتابه «دراسات في الأدب الأردني المعاصر، وزارة الثقافة ودار يافا، عمان، 2008 م، ص 249.
([2]) انظر حوار جريدة الرأي مع الأستاذ المشيني، 11/1/2007م .