المجموعة الثانية من مقالات نارام سرجون

الحرب الأهلية السورية.. وقصة الغزل بين أنجلينا جولي والشيخ العبيكان

حمدي قنديل.. في حديث الافك: من أمة مهند الى.. أمة موزة وحمد

ستالينغراد السورية تتحدى الفوهرر.. وتعذيب العقل السوري

ما لم يقله الرئيس الأسد.. قصص عواء الذئب وسبعين بعيراً

عن الجيش

مملكة قطع الرؤوس الوهّابية

ΒΟγ ΗαΣζΡν ζΤΜΡΙ ΗαΤνΨΗδ έν ΡΘνΪ ΗαΪΡΘν

شعوب ستفقأ عيونها ..عقدة أوديب جوهر الثورات العربية

ΗαΞαΗνΗ ΗαδΗΖγΙ έν ΣζΡνΗ

كوابيس فرانز كافكا وفضيلة الشيخ برهان غليون

العمامات الثائرة تصالحني لله.. وتسقط الرؤوس النووية

غليونيات ثورية من “ايباك” عند انطلاق الهجوم السوري المعاكس

امتشاق السيوف لا يتعبها..والسوريون في غار ثور ..ان الله معهم

شاليطيات ... ثورة سوريا

بقعة ضوء رمضانية: مهداة الى قادة الثورة

الرذائل الاخوانية .. والنقر على رأس الأفعى

الديبلوماسية السورية الرفيعة.. وامتحان بزيت الخروع للمبتدئين في قطر

مازوشية الاحتلال الوطني .. وفقه الاسلام الأوروبي

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

 الحرب الأهلية السورية.. وقصة الغزل بين أنجلينا جولي والشيخ العبيكان

من قال ان العبارات هي مجرد كلمات نرصفها كما نشاء وبالترتيب الذي نشاء، وأن لارأي لهذه الكلمات في كلمات تجاورها وتصطف معها؟ ومن قال ان الكلمات  لاروح لها ولامشاعر؟ ومن قال أنها تقبل الذل ومعاهدات السلام التي نفرضها عليها مع كلمات لاتحب السلام معها؟.. بل من قال أن الكلمات تقبل التفريق أوالتشتيت وعيشة اللاجئين بعيدة عن كلمات أخرى.. تحبها؟

فهناك كلمات لاتتفارق وتبقى مخلصة لبعضها.. في عبارة واحدة لاتقبل التقسيم والتشظي..ولكن هناك كلمات لاتلتقي في عبارات الا على جثث بعضها.. كما الجبال لاتلتقي.. احدى هذه العبارات هي هذه الثلاثية (الحرب.. الأهلية.. السوريةالتي سمعت بها وأحسست أنها كلمات يصدر اجتماعها لحناً نشازاً كمن يسمع الى معزوفة فيها ربابة بدوية بسيطة.. وبيانو أوروبي..وطبل أدغال افريقي.. ولكم أن تتخيلوا الانسجام بين هذه الأدوات الموسيقية وأي نوع من الأنغام المتساوقة والمتناسقة يمكن أن تسمعها الأذن البشرية من هذه الأدوات الموسيقية المتنافرة ..حرب (ربابة بدوية).. وأهلية (طبل افريقيوسورية (بيانو أوروبي)؟؟؟.. ياالله.. ماهذا الضجيج !!

هذه السيمفونية الجديدة كان المايسترو لها السيدة هيلاري كلينتون.. وهذا المصطلح المولود حديثا كانت قابلته أصابع السيدة هيلاري كلينتون وردد جميع مرضعيه في جوقتها في تركيا والمجلس الوطني والجامعة العربية نشيد "المجد للحرب الأهلية السورية" ..كما ردده الأوروبيون باحتفالية تشبه احتفالياتهم بعيد الميلاد ..

لقد أمضيت في القراءة سنوات طويلة..  لكن هذه الثلاثية من هذه الكلمات جعلتني أحس أنني أقرأ شيئا لاينسجم مع الناموس .. ولا مع المنطق ..لأنها ضد المنطق والتاريخ والجغرافيا كما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي ..وجعلتني هذه العبارة أحس أنني أقرأ مفردات لاتقبل الجمع في مكان واحد ويشبه تنافر كلماتها تنافر الاقطاب المغناطيسية ذات الشحنة الواحدة ..ان قراءة (الحرب الأهلية السوريةبالفعل يشبه آية شيطانية ..أو كأن يقع على مسامعنا تعبير "القرآنات الأربعةأو "أسفار القرآن" .. مثل قرآن التثنية أو التكوين و و..الخ ..هل سمعتم أن للقرآن أسفارا؟؟ أو كأن نسمع أن للانجيل سورا وآيات؟ فهل للانجيل سور وآيات؟ أو أن أبا لهب قالمن ضربك على خدك الأيسر فأدر له الأيمن ..أو أن السيدة العذراء أكلت كبد الحمزة .. عبارات مستحيلة وكلمات لاتلتقي أبدا حتى لو التقى الخطان المتوازيان.. مثلها مثل الحرب الأهلية السورية..

 لمن لم يفهم مشاعري المستهجنة سأقدم تشبيها أكثر بساطة .. هذه الخلطة من الكلمات تشبه وجبة طعام مكونة من صحن من الآيس كريم بالشوكولاته مع صحن برغل أو كشري مع حساء العدس والكوسا والشنكليش الحمصي .. أنا شخصيا لاأستطيع تلبية الدعوة لمائدة كهذه ..والمائدة الصحفية التي عليها هذه المفردات (حرب .. أهلية .. سوريةتشبه الوجبة التي عرضتها للتو ...

ولمن يفهم لغة الأساطير الاغريقية التي تقدم لنا آلهات غريبة ومخلوقات خيالية مثل البغاسوس والغريفين فانها لن تستطيع أن تستولد شيئا ذا معنى من هذه الثلاثية ..حرب ...وأهلية ...وسورية؟؟ انها كمن يصنع مخلوقا له جسم غزال وأرجل فيل ورأس قرد  ..وللثوار لمن لايفهمون في أساطير الأولين، هذا المخلوق المسمى (حرب أهلية سوريةيشبه مخلوقا له جسم حمد بن خليفة ورأسه المهاتما غاندي .. أويشبه رأس يوسف القرضاوي الشريرعلى صورة للسيد المسيح .. أو رأس سعد الحريري الأزعر على جسد بطل كعماد مغنية ..أو أن يكون هناك مخلوق برأس الضئيل الذليل مصطفى عبد الجليل فوق أكتاف ملكة بريطانيا مثلا .. أو مثلا أن يكون رأس برهان غليون على جسد نيلسون مانديللا .. هذه التصاوير  بالضبط مثل تركيب حرب .. أهلية... سورية..  

 ماهذا الهراء؟ حرب ..وأهلية ..وسورية ..؟؟ !! أوبعد هذا التماسك السوري رغم كل محاولات تقطيع الجثث العلني وسمل العيون والفحيح الرهيب للأفاعي المذهبية على الفضائيات ومواقع المعارضة المريضة وفبركات اليوتيوب وبعد القاء القنابل الطائفية العنقودية وفتاوى الكراهية السوداء وهذا القيح والـ (دي دي تيالذي يبثه وينفثه الاخوان المسلمون في طول البلاد وعرضها مع الأفغان العرب والقرضاوي والعرعور ..و رغم كل هذا الانزال بالمظلات للجثث والأعضاء المقطعة على بيوتنا وعقولنا وعيوننا ...وبعد كل هذا الاخفاق في اطلاق رعونة العصبية المذهبية.. لايزال البعض يأمل بأن حربا أهلية سورية ستقع..

 هناك كلمات لايشبه التقاؤها الا التقاء مستحيلا لأشخاص في الحياة فعندما تقبل (الحرب الأهليةأن تلتقي مع كلمة (سوريايمكن عندها قبول انجيلينا جولي بالزواج من الشيخ العبيكان في السعودية.. حيث ولي أمرها في عقد النكاح هو الشيخ اللحيدان والعياذ بالله .. أويمكن  مثلا تحقق نبأ خطوبة كاترينا زيتا جونز من الشيخ عدنان  العرعور (ولو أن العرعور يفضل براد بيت كما يعتقد على نطاق واسع !!) ..وأستغفر الله لي ولها من هذا الكابوس .. ان القبول بسهولة حرب أهلية سورية يشبه القبول بسهولة تشكل رابطة رعوية خيرية تجمع الأم تيريزا مع أمير الجماعة الاسلامية التكفيرية في حادثة عرس الدجيل الرهيبة في العراق ..وأسأل ربي الرحمة من هذا الخيال ..

 هذا اللقاء بين هذه الكلمات خيال.. في بلد متماسك يطلق هذه المظاهرات العملاقة الوطنية المليونية العفوية في الشوارع والساحات.. ويتحدى نصف الدنيا.. لاتنهض حرب أهلية بل حرب وطنية عظمى..

 ولكن بالمقابل هناك كلمات لاتستطيع أن تفترق عن بعضها وتبقى متلاصقة كالتوائم السيامية وكالأزواج المخلصين والعشاق الذين لايقدرون على الفراق مثل: "المطوّعون والسعوديةو "لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية" ..فلا يوجد مطوعون وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر في هذا الكوكب الجميل الا في السعودية .. وهناك تلاقح وانسجام بين كلمات مثلبندر بن سلطان وصفقة اليمامة الفاسدة" ..أو مثلا "الأمير حمد الذي غدر بأبيه" .. فلا يوجد في التاريخ أمير اسمه حمد وغدر بأبيه سواه (زوج الست موزة بنت مسند) ..أو مثلا "القرضاوي والفتوى والفتنة" ..فالفتنة تلتصق باسم القرضاوي بالصمغ القوي وتلتحم معه كما الحديد الذائب يلتحم مع الحديد الذائب عند "لحّام الأوكسجين"..

 ولاشك أنكم تعرفون أن هناك كلمات تحضر وتأبى الا أن تأتي بصاحبها معها .. مثلا "مبيّض المؤسسات عزمي بشارة" .. وبالطبع لن يحضر هنا الا اسم عزمي بشارة ..أو مثلا "ايليا كوهين الثاني الملقب عزمي بشارة"وحتما عزمي بشارة هو الوحيد الحائز على هذا اللقب ..أو "عزمي الظفيري الأخ الكبير لعلي الظفيري"  .. ومن جديد لاأحد يملأ الفراغ مثل عزمي بشارة (أين هو بالمناسبة؟ وماذا يحضر لنا؟)  ..

 وهناك كلمات تحضر وتحضر معها روح صاحبها ورائحته مثل "بيل كلينتون و.....السيكارحيث يحضر على الفور اسم المسكينة البريئة مونيكا لوينسكي (ضرة السيدة وزيرة الخارجية الأمريكيةالى هذه العبارة، تماما كما تحضر روح عبد الباري عطوان الى عبارة (الصحفي الطبال) .. فهو الصحفي الوحيد الذي يجيد العزف على أي طبل ..طبول الثورات وطبول المقاومة وطبول الاسلاميين والاشتراكيين وطبول الناتو وطبول المجالس الوطنية ..

 وهناك عبارات مستحيلة وكلماتها تشتبك مع بعضها بدموية وعدوانية وضراوة كاشتباك الذئاب مع الضباع حول فريسة .. وتتناطح كتناطح الثيران البرية في موسم التزاوج والالقاح .. هذه العبارات مثلالجمهورية الاسلامية السعودية..انتخابات الرئيس السعودي .. البرلمان السعودي  .. مجلس الشيوخ(الكونغرسالقطري..الدستور القطري .. أو قاعدة العيديد السورية ..أو الثائر الاشتراكي الأممي الرفيق حمد بن جاسم .. موزة بنت مسند أميرة القلوب ..العربي رجب طيب اردوغان ..الخائن صدام حسين ..الملك السعودي المقاوم .. ارتفاع سعر برميل الدم العربي ..العربي النبيل نبيل العربي ..معاهدة السلام السورية الاسرائيلية .. الرئيس السوري برهان غليون..المخلص لكم أردوغان .. سقوط الرئيس بشار الأسد .. سقوط سوريا .. انهيار سوريا .. وبالطبع أخيرا "الحرب الأهلية السورية"..

 وهناك كلمات أيضا تنشأ بينها علاقات حربية وعلاقات حب وكراهية ونزاعات ..فهناك كلمات لاتحب بعضها وتحس بالنفور والتنافر .. وتكاد تسمع صليل  السيوف واحتكاك السكاكين بينها وهي ترفض أن تتجاور في أي نص منطقي ولايمكن جمعها الا في نص خيالي أو عبثي أو كوميدي .. وبكلمة أخرى هذه كلمات تشهر السلاح في وجه الكلمات الأخرى ولاتقبل التصالح معها وتشن حربا عليها ولاتقبل أن تتصافح معها ..يعني يمكن أن تنشأ حرب أهلية بين الكلمات اذا ماحاولت بعض الكلمات التسلل الى جوار كلمات أخرى مثل: "انشقاق الجيش السوري .. سوريا مثل ليبيا ... استسلام الشعب السوري" ..أومثل هذه الثلاثية الشديدة ..الشديدة...الشديدة التناقضحرب.. أهلية.. سورية..

 وهناك عبارات مخلخلة ويحس قارئها أنها تحتاج مسامير لتثبيتها مثل "المجلس السوري الوطني الانتقالي" ..فكلمة "السوريمرغمة على الجلوس هنا بالقوة ومثبتتة بمسامير ضخمة على صليب المجلس الوطني الانتقالي كما صلب السيد المسيح وفق الأناجيل بالمسامير من يديه ولو كان الأمر بيد هذه الكلمة المعذبة التي تئن لهربت من هذا المكان وأعلنت لجوءا سياسيا في رحاب سورة "قل أعوذ برب الفلقفي القرآن الكريم ..كما أن هذا المكان (بين كلمتي المجلس ... الوطنيفي الحقيقة ليس لها بل لكلمة أخرى مغيبة هي "التركي" ..ولو قيّض لها لنزلت كلمة التركي في المكان بسهولة كما تنزل قدم سندريللا في حذائها المفقود لأن هذا المكان الشاغر في عبارة (المجلس ....الانتقالي الوطنيعلى مقاس هذه الكلمة فقط ..وهذا الحذاء لايناسب قدم كلمة "السوريبل قدم كلمة "التركيوربما قدم بسمة قضماني (سندريللا المعارضةالتي أضاعت حذاءها في حفلة استانبول ووجده لها الأمير ...برهان غليون ..الذي يراقصها في كل مؤتمرات المجلس القضماني البرهاني الانتقالي..    

 وهناك كلمات تلتقي مع كلمات وتتناسب وترتبط مع بعضها بعلاقات اقتران وزواج ومصاهرة وتنشأ بينها علاقات حب حقيقية مثلفلسطين وسوريا وايران ولبنان، ويحس قارئها أنها تتبادل الغزل أو تتصافح بحرارة .. فيما لاتستطيع كلمات مثل "ايران .. حماس.. اسرائيلأن تلتقي بهدوء ووئام دون أن تندلع الحرائق على الورق ويتصاعد الدخان وربما لحظنا خروج صواريخ القسام وصواريخ شهاب بين الكلمات وغارات الكلمات على الكلمات بين هذه المركبات.. والحروف الملتهبة..

 وهناك كلمات ترتبط فيما بينها بالسلاسل والحبال ولاتتفرق عن بعضها..مثلحسن نصر الله وحزب الله ونصر2006.. بشار الأسد وسوريا ..الشعب السوري المقاوم ..الشعب السوري العظيم ..الشعب السوري المتماسك ..سوريا الملاذ للاجئين العرب ..سوريا قلب الأمة النابض ..

ولكن ماهي العبارات النائمة؟؟  مصطلح العبارات النائمة مثل مصطلح الخلايا النائمة التي تستيقظ على مهل مثل عبارة "المعارك في الجولان المحتل" .. و "قضية لواء اسكنرون السوري" .. "الاصلاح في سوريا" .. "تعديل الدستور السوري" ..."البرلمان السوري" ... "انتخابات الرئاسة السورية" .."الأحزاب المتنافسة السورية" ...الخ ..وهي عبارات تتمطى وتتثاءب معلنة قيامها من سبات طويل وتتنبه الى أن الزمن قد تغير من البيات الشتوي الطويل الى أيام دافئة مشمسة ..وهناك يد رئيس شاب وجيل له عنفوان تربت عليها كي تستفيق من سباتها ..وتقوم..

أخيرا ..

 هناك كلمات اذا ماذهبت للقاء كلمات أخرى ترتدي الألماس حول حروفها كما الحسناوات الجميلات ..ونرى الألماس يبرق ويتلألأ حول عنق عبارة مثل:

سوريا ياحبيبتي..

 وهناك عبارات كلما التقت بنا كسرت في حنايانا خوابي الخمور وسكرنا وانتشينا بها مثل عبارة

سوريا.. الله حاميها

 وهناك عبارات يعرش الياسمين على حروفها وتتدلى الدوالي من بين الحروف ويترعرع الحبق على شرفات حروفها.. وتقطف الورود منها حروفا لتتزين بها ..هذه العبارات مثل:

هذي دمشق وهذي الكأس والراح ... اني أحب، وبعض الحب ذبّاح

أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي ... لسال منه عناقيد وتفاح

ولو فتحتم شراييني بمديتكم ... سمعتم في دمي أصوات من راحوا

 وللشرح:

العناقيد هم أهل السويداء المعروفون بانتاج العنب .. أما التفاح فهم أهل طرطوس واللاذقية وحمص وحماة ودير الزور وادلب.. والأصوات في الدماء هي أجراس الكنائس والمآذن..اذا كيف تقوم حرب أهلية في هذا الجسد؟ ..

ومايمكن أن يحدث في أي جسد صحيح هو التالي: ..

ككل جسد .. في مكان ما في وسط هذا الجسم الدمشقي الممشوق مكان ضيق لخروج مفردات "الحرب الأهلية السوريةو"الفتنة الطائفيةو "المجلس الوطني الانتقاليو "مؤتمر استانبولو "الجامعة العربيةو"حلف الناتو" .. وهي فتحة ضيقة لايمر منها الا أعضاء المجلس الوطني الانتقالي وهيلاري كلينتون وحمد وموزة والقرضاوي وعرعور والشقفة وعزمي بشارة وأردوغان وأوغلو ورضوان زيادة وأيمن عبد النور ووو ..وو.. وبرهان غليون أول الخارجين طبعا مع السندريللا التي ترتدي حذاءها التركي .. وسط هذا الازدحام الشديد ... ترى أين هذا المكان؟ سؤال الى أستاذ تشريح الثورات الدكتور صبحي الحديدي ..

بعد هذا التماسك الاسطوري للشعب السوري.. قال "حرب أهلية سوريةقال !!!

 

 

حمدي قنديل.. في حديث الافك: من أمة مهند الى.. أمة موزة وحمد

حمدي قنديل هو الصحفي المصري الذي تألق في دفاعه عن المقاومة والممانعة.. وليس من السهل النيل منه في مواقفه عندما يعترض على رأي للمقاومة.. ولكن هذا لايعني أن لا نتناول رأي الأستاذ قنديل بالنقد والتحليل والتشخيص خاصة في توقيته في هذه الأزمة السورية..

 كنت أعتبر حمدي قنديل قنديلا من قناديل العرب رغم أنني كنت لاأحب لهجته الوعظية وخطابه الاستعلائي الصلف وهو يلقي "عظة" (قلم رصاص).. ومع هذا فقد غفرت لحمدي قنديل هذا التعالي في النغم طالما أنه يميل للمقاومة.. وعندما طرد قنديل من دبي بسبب ماقيل أنه بسبب موقفه المؤيد لخط الممانعة لم أفهم سبب اختياره لمحطة فضائية يمولها الزعيم القذافي (التي طرده منها بعد شهر طبعاولم ينضم للمنار مثلا طالما أنه يفضل منابر الحرية والمقاومة .. وقرأت تعليله لذلك فكان تبريرا ضعيفا للغاية ..ومع هذا فقد غفرت له ولكن ذلك لم يمنعني من أن أقول لمن حولي: "ان الرجل وطني ولكنه يحب رائحة النفط" .. يعني قمت باصدار فتوى فكرية اقتصادية حسب التعبير القرضاوي (ومالو؟؟!! ..ياخد كم دولاروهو يلقي عظاته) .. ولكن المحطة التالية في مواقف قنديل تدل على أنه يحب رائحة النفط  حبا جما .. وأنه أضاء قنديله من زيت كان من دمنا..وأخشى أن الزيت صار .. نفطا..

فقد استمعت الى ماقاله الأستاذ حمدي قنديل مؤخرا من شرح لموقفه من الأزمة السورية .. بالطبع لم يكن حمدي قنديل مضيئا كما كان ..وخفت الوهج والضياء ..ويبدو أن لكل شيء اذا ماتم نقصان  .....فلا يغرّ بطيب العيش انسان ..


زيت القنديل انتهى -على الأقل بنظري -..وماكتبه قلم رصاصه في الماضي محاه بالممحاة حديثه عن الأزمة السورية التي كشفت أن مسباره الصحفي رديء في الأجواء العاصفة وأن قدراته الملاحية ضعيفة في الطيران في الأنواء والأعاصير ..

بالطبع وكعادته الجميلة في الحديث يتكلم حمدي قنديل بمنطقية وتسلسل يجذبان ..ثم يستعرض بتهذيب بعض الأحداث بصوته الرخيم الجهوري الهادئ ومخارج الحروف العربية النقية .. ولكن ضوء القنديل في الحديث عن سوريا كان يخبو بالتدريج حتى انطفأ تماما في نهاية الحديث.. ولم يعد في "قنديلحمدي قنديل زيت..ولم يبق من فتيلته الا الثمالة التي انطلق منها خيط دخان ضئيل..تلاشى وترك الهباب خلفه.. ..  

 لانريد من الأستاذ حمدي قنديل أن ينافقنا ولاأن يتطابق معنا .. ولكننا أردناه أن ينصف نفسه أولا وقلمه ودم مئات الشهداء السوريين على يد القتلة والمجرمين الثورجيين .. وأنا لاألوم الأستاذ حمدي قنديل على رأيه الذي لايتفق مع كثيرين ولاأستطيع الادعاء أنه باع قلم الرصاص لأحد .. ولاأستطيع الادعاء أن قنديله وفتيلته صارا لايضيئان بالزيت الوطني بل بالنفط والغاز القطري .. فهذه تهمة عسيرة الهضم حتى عليّ رغم أن رائحة النفط القطري تفوح في المنطقة كلها ومن أفواه وأنفاس عشرات المثقفين كرائحة الثوم ..ولكني أرى أنه لم يكن موفقا في ذلك التصريح الذي اعتقدت أنه لايصدر يوما عن صاحب قلم الرصاص لما فيه من ضحالة التحليل والرؤية الليلية الضعيفة والعرج في الخطو .. وبدا أن قنديل تائه في تفسيراته وكانت كل كلمة يقولها مربوطة بسلسلة الى سؤال كبير ككتلة الحديد أو الرصاص تجره خلفها بتثاقل ..فلماذا يا قلم الرصاص؟  

الأستاذ قنديل قال كلاماً جعل مصداقيته تنزف كما نزف نضال جنود على طريق آلامه وهو يقاد الى الذبح.. فالأستاذ (الذي لايريد أن يرى نضال جنود بالطبعقال ان الشعب السوري اضطر لحمل السلاح للدفاع عن نفسه ضد مجازر النظام ..!! ولم يجد قلم الرصاص أي أثر لمئات الجنود السوريين والمدنيين المذبوحين على يد المسلحين.. لأنه محاهم بممحاة قلم الرصاص..!!

اذا كان ضوء القنديل لا يرى كل الضحايا فهذه اما كارثة واما خيانة للضمير وشرف المهنة.. ..

لا يا أستاذ قنديل.. هذه ثقيلة جداً.. وبالذات منك 

 الأستاذ قنديل لم يسمع صوت سلاح المسلحين الثقيل.. كيف سيفسر الأستاذ أن المسلحين السوريين يدافعون عن أنفسهم بال أر بي جي ؟؟ وبأجهزة اتصال أمريكية معقدة ..وبقاذفات الصواريخ؟  ماهذا المدني المسلح بقاذف آر بي جي ..وصاروخ؟ ومن أين أتى به؟؟ يا لضياء القنديل .. ياأستاذ قنديل !!ويا لاتقاد المنطق ..ويالتوهج الضمير..ويا للشهب التي أطلقها قنديل حمدي قنديل !!

والأستاذ حمدي قنديل لايريد قبول دعوة الرئيس الأسد الى سوريا ودعوة السوريين لأنه لايريد دخول بلد فيه دماء ومجازر يرتكبها النظام .. كلام جميل ومعقول ونقف مطولا احتراما له ونرفع القبعات ..ولكن البطل حمدي قنديل كان بالأمس مع الرئيس معمر القذافي ويريد أن يطلق رصاص قلمه في ظل الراية الخضراء والكتاب الأخضر وزعيمه ومؤلفه الذي وفق نظرية حمدي قنديل لم يقل ديكتاتورية عن غيره الا بعد أن قتله الثوار..ولاأدري كيف كان موقف قنديل من الثوار الليبيين ..

هنا وأمام هذا التناقض السلوكي والأخلاقي وهذه التمثيلية على دمنا يجب أن يعود الى الجلوس محتجا كل من وقف احتراما لعبقرية قلم الرصاص قبل قليل ..وأن تعاد القبعات الى الرؤوس ..خاصة بعد لهجة التعالي وهو يتحدث عن اعتذاره عن قبول الدعوة لرؤية (الراجل الكبير)..في سوريا..

 مايجب أن يخجل منه كاتب وصحفي كبير مثل قنديل هو أنه يرفض قبول الدعوة السورية لزيارة سوريا للتحقق من ادعاءات الطرفين ..احتجاجا على الدم السوري المراق بيد النظام .. بينما يأتي صحفي عملاق أممي مثل روبرت فيسك بدأ بمهاجمة الرئيس الأسد في بداية الأزمة وقال ان 8000 دبابة سورية يملكها الأسد لمواجهة اسرائيل استدارت نحو الشعب السوري المطالب بالحرية ..ولكن فيسك الكبير التواق للحقيقة قبل الدعوة السورية وتحدى غضبه ودخل سوريا وحضر جنازات العسكريين السوريين وتحدث مع الناس وأعاد صياغة آرائه وبدأ يوازن موقفه وينظر الى المعارضة السورية بتشكك .. والى قطر باستغراب .. فهل وصل الصلف والخيلاء بالأستاذ قنديل أنه يرى التفاصيل عبر البحار ويسمع من على بعد آلاف الأميال وهو في مكتبه ..ويشم رائحة الدم السوري النازف بأنفه الكبير؟؟ اذا كان يعتقد أنه أعلى قامة من روبرت فيسك فهذه كارثة .. وبداية شيخوخة فكرية وأخلاقية ..  

ان "حديث الأفك" الأخير لقنديل هو أضعف أحاديثه على الاطلاق وأكثرها تفككا .. وأشدها تلونا بالتناقضات ..وفيها المثال القوي على مايسمى في الفلسفة بنفي النفي ..أول الكلام شيء وآخره نفي الشيء ..وبينهما النافي والمنفي ... ففيه لم يقل لنا صاحب قلم الرصاص رأيه في ديمقراطية حمد بن خليفة ولاديبلوماسية حمد بن جاسم ولا في الطبخة المسلوقة على عجل لجامعة الدول العربية بتعليق عضوية سوريا ولا رأيه في ما انتهت اليه ليبيا بين أسنان ساركوزي وأسنان كاميرون .. ولافي دور قطر العظمى في مصر التي جعلت منها قطر شقيقة صغرى مراهقة تحتاج رعاية وهداية ونصيحة الشقيقة قطر ..العظمى

 هل كان قنديل يشعل فتيله بزيت الممانعة ولهب المقاومة كما كان أردوغان ببهلوانياته في غزة ودافوس يغير لون الاسلام ويقلب سين الاسلام فمرة يقلبها عينا ومرة ياء ومرة ظاء ومرة زايا ومرة فاء ومرة حاء؟ .. فصار الاسلام الجديد ..اسلام هنري ليفي ..ضحك فيه علينا أردوغان ..طوال سنين .

المشكلة مع شخصيات بقامة قنديل هو أن بناء الثقة معها لايجعل من المقبول رفض بعض ماتقول ..لكن الحال معنا ليس كذلك بعد اليوم فكل كلمة لاتزر وزر أخرى .. ولاتشفع كلمات لكلمات ..ولايوجد صكوك غفران

مع فائق احترامي لقلم الرصاص، فلم أحس بالأمس أن حمدي قنديل كان يعزف ايقاعا متناغما .. بل كان متلاطما مشتتا ..مفككا غارقا في المجهول ..

على كل حال حمدي قنديل ليس عمار بن ياسر حتى لا يقول طرف اننا الفئة الباغية لأن حمدي قنديل لايقف معنا.. ويبقى قنديل انسانا وبشرا يخطئ ويصيب ..وينفعل ..ويضعف ..ومارأيته يقينا يدل علن الرجل لم يكن في حالات قوته واستقلاله عن المؤثرات ..كل المؤثرات..

أخيراً..  

هل تذكرون تلك المقولة التي صنعت ذروة مجد حمدي قنديل عند مقارنته بين ملاحقة حسن نصر الله واستقبال "قاتل بحكم محكمةهو سمير جعجع في القصور الرئاسية العربية .. وقول صاحب قلم رصاص الشهير:

 آه .. ياأمة جاحدة ..ياأمة ناكرة.. ياأمة ذليلة .. ياأمة واهنة .. ياأمة تلفانة .. ياأمة عدمانة .. ياأمة أونطة ..

ياأمة كانت أمة محمد........... وبقينا أمة مهند 

ماذا نقول لحمدي قنديل بعد ماقال بالأمس؟؟ ألا يصح بعد ثنائه على الجامعة العربية وقراراتها ونصيحته لنا بطاعتها أن نرسل لحمدي قنديل نفس العبارة وأن نحتج على مقارنة بين عاقّ لأبيه بحكم محكمة الدين والقرآن هو حمد وبين الرئيس بشار الأسد الذي أخلص لنهج أبيه المقاوم ونقول لقنديل ولجامعته:

آه ياأمة جاحدة .. ياأمة ناكرة.. ياأمة ذليلة .. ياأمة واهنة .. ياأمة تلفانة .. ياأمة عدمانة .. ياأمة أونطة ..

ياأمة كانت أمة محمد .. بقينا أمة مهند ............. وبعدها صرنا ..أمة موزة وحمد

(التوقيع ...شعب بشار الأسد)

وسنضيف علّ قنديل وجامعته العربية الجديدة بقيادة قطر يسمع:

آه ياأمة عرب ..آه ياأمة جرب ..

ياأمة أوغلو ...ياأمة (أبو لهب)

ياأمة هنري  ..ياأمة خشب ..

ياأمة ناتو ... ياأمة حطب

ياأمة لعب .. ياأمة طرب

ياأمة عجاب العجب 

الأزمة السورية ياشباب بحق يجب أن تدرس في الأكاديميات الاعلامية وفي كليات الفلسفة وبالذات في بحوث الأخلاق.. فالعواصف تهز الأشجار جميعا وتلويها ولاتبقى واقفة الا الأشجار ذات الجذور العميقة.. ومايقع هو الأشجار الجوفاء الخفيفة.. والريح تهب على القناديل ولايبقى منها الا ذات الشعلة المتوهجة والشهب.. بينما تخبو القناديل ذات اللهب الشحيح.. وتنطفئ..

وداعاً للسلاح ياحمدي قنديل..

ووداعاً لقلم الرصاص.. 

 

 

ستالينغراد السورية تتحدى الفوهرر.. وتعذيب العقل السوري

الضجيج الشديد لايسمح لنا بقراءة دقيقة للواقع.. نحتاج للهدوء.. ونحتاج للثقة بالنفس.. ونحتاج لتفحص المعلومات بعين الفاحص لاأن نقوم "بتعذيب المعلومات"..

  في دراستي لنيل الدكتوراه تعلمت أن الغاية من الحصول على الدكتوراه ليست في كتابة الأطروحات المطولة بل تدريب العقل على الملاحظة الدقيقة والتقاط اللحظات الحاسمة في مراقبة الظواهر لاجراء النقد والتحليل ثم الحصول على الاستنتاج العلمي الدقيق دون تحيز .. وأتذكر أنني في بداية دراستي الأكاديمية البحثية حصلت على نتائج باهرة تسمح لي بنشر الأبحاث في المؤتمرات الدولية وتستقطب الاهتمام .. ولكني عندما عرضت النتائج متحمسا على أستاذي في الجامعة تأملها بعين ثاقبة ثم نظر الي وقالألا تعتقد أنك قمت بعملية تعذيب المعلومات؟؟ وفوجئت بالتعليق والحكم فنظرت اليه مستفهما فقال:

"نتائجك ممتازة جدا لكنك قمت بتعريض المعطيات لديك والأرقام لليّ العنق وأجبرتها على "الاعترافبما تريد أنت أن تحصل عليه لتنشره كحقائق .. يمكنك نشر البحث ولكنك لن تتمكن من ترجمته على الواقع ولن تقنع به أحدا ..لأن النتائج التي حصلت عليها كانت نتيجة اعتراف "الأرقامتحت "تعذيبكللمعلومات .. لقد أخضعتها لمعادلات أنت تريدها ومارست الضغط الشديد عليها وقمت بجلدها كي تعترف .. البحث العلمي هو البحث عن الحقيقة .. وليس عن الأمنيات والأحلام وتلبية الرغبات" ..

ثم أعطاني الأوراق وأضاف مبتسما: "كل شيء في الحياة يشبه البحث العلمي .. كلنا نبحث عن الحقيقة لتبوح لنا بما لديها فقط لا لنجبرها على اعترافات تناسبنا.. الحقيقة جميلة كالمرأة الجميلة.. وتعذيبك لها لن يجعلها تحبك.. مهما قالتأحبك"..

بالطبع كان ذلك درسا لايضاهى في قيمته أعتمده منذ ذلك الوقت في كل حياتي للحصول على الحقائق من دون خداع النفس بل باستعمال التحليل السليم ..للحصول على الحقيقة ..

 هذه الأيام كلما طالعت صحف العرب واعلام العرب صرت على يقين أن الكتاب العرب والمحللين العرب لايعرفون أي شيء عن هذا الدرس العلمي والأخلاقي .. العناوين والتحليلات والمشاهد الخاصة بالوضع السوري تخضع لعملية تعذيب شديدة للاقرار بما تريده هذه الصحف  ومن وراءها.. عناوين ومواضيع تثير الدهشة والقلق ولكنها خاوية .. ولو حاولنا نقرها باصبعنا على بطونها المنتفخة وقصبات امتداداتها لسمعنا الخواء والصدى بسبب خوائها وفراغ أجوافها ..

 صحف العرب اليوم بلا استثناء تقريبا تحمل عناوين مثلالأيام الأخيرة للأسد ..والأسد الذي يتهاوى ..وسورية والمرحلة الجديدة ...ومابعد الرئيس الأسد .. والقرار العالمي بانهاء حكم الأسد ..ايران وروسيا تتهيآن لقبول الأمر الواقع ..الأسد من غير سورية وسورية من غير الأسد ..ملك الأردن لايقولها عبثا ..واقتربت النهاية..الخ...

 طوفان من الثرثرات وكلمات تسوقها السياط .. مثل انشقاقات الجيش بعشرات الآلاف وتصدعات المؤسسة الأمنية ..والتراجع الاقتصادي ... ويخرج المتايع لهذا الاعلام بشعور منقبض من أن سورية تشبه الشاة التي كثرت السكاكين حولها وكثر الجزارون وأنها لاحول لها ولاقوة وهي تساق الى المسلخ .. كما أن أن هناك قلقا عميقا في عدة عواصم عربية مما يجري في سوريا .. وأن بعض العواصم في المنطقة صارت تتحرك بشكل غير مألوف وتتحضر لمرحلة قادمة كاليقين في سوريا .. هنالك قيادات في المنطقة تتكلم بنزق وعصبية فيما الغضب الشديد يتصاعد بسبب الملف السوري .. هنالك أوامر وتعليمات تصدر بشكل متلاحق تطالب الجميع باتخاذ موقف الاستعداد واتخاذ القرار .. فالمريض في حالة الخطر والنزع الأخير ..وعزرائيل ملك الموت يتهيأ ..لقبض روح النظام.

هذه العناوين وماتحتها من نبوءات تعيدني الى تلك القاعدة الذهبية من أن التحليل الذي يتعامل مع معطياته بالتعذيب والقسر يوصل الى نتائج مشوهة ومعذبة وغير قابلة للحياة ..ولاالحب ..اي باختصار غياب المنطق لايوصل للحقائق ..

 لكن هلموا بنا كي نمارس التحليل الذي يتعلمه طلاب بحوث الدكتوراه من غير اخضاع المعطيات للتعذيب لا كما يفعل كتاب العرب الذين يبدو أنهم لم يعرفوا سوى تعذيب الكلمات حتى بتنا نسمع أنينها وهم يقومون بكسر أسنان الحقيقة وحرق الحروف وسمل عيونها ... ويتلذذون بجلد المنطق وسحل العبارات وشبح (من تشبيح)اللغة واغتصاب الحقائق وفض بكارتها ..ولايمارسون الا سلخ العقل وقطع أرجل وألسنة الضمائر قبل اطلاقها وعرضها على الفضائيات والقراء نازفة الفم والعين والأنف ..لتقول لنا وهي مليئة بالكدمات مايريد أصحابها عن سقوط الأسد الوشيك وانهيار السوريين ومشروعهم .. فيما القرضاوي مشغول ومنهمك بقضم القرآن وتعذيب الأحاديث الشريفة لتبرير التحريض على جهاد المسلمين للمسلمين ..ومنهمك في جلد الصحاحين وضرب الصحابة بالصحابة ..ومشغول بأكل الأكباد ..

 ان من يقرأ صحف العرب وفتاواهم بلا استثناء تقريبا ويرى كل فضائياتهم يرى أنها مصابة بالهستيريا الحقيقية وهي تتحدث عن سوريا..

اما نحن فسنأتي بالحقائق ونعاملها كما نعامل رسالة الدكتوراه بحرفية ونداوي جراحها ونضع عليها المراهم والدواء والمطهرات لنعرف منها ماتريد قوله بشأن مستقبل سوريا..

في الحقيقة هذا التطرف في التهديد والوعيد يعكس لا ارتياحا لدى العرب من تلكؤ التغيير وتعثره كثيرا..ويعكس لا ثقة كبيرة من أن مشروعهم لبدء التغيير قابل للحياة وهو يدل على أن العرب دخلوا مرحلة القلق والأرق من تردي صحة المعارضة وترهل زخمها وأدائها ..هذا الاجماع والاجتماع من الحلفاء شرقا وغربا ..عربا وعجما ..غربيين وعبريين وعربان وسلجوقيين واسلاميين يدل على أن أن المنفذين يعانون من أزمة حقيقية وهذا التبشير اليومي بالتدخل الدولي والتردد فيه كل هذا الوقت دليل على أن لهذا التدخل حسابات معقدة لايريد التورط فيها ببساطة .. العرب والمعارضة السورية يمارسون لعبة تعذيب المعطيات بغباء يحسدون عليه

من المعطيات الثابتة والحقيقية والتي لاينفع معها التعذيب هو أن سوريا وايران لايمكن فصلهما لابالتهديد ولابالترغيب.. وأن ايران وسوريا تتبادلان الحياة والأوكسجين وترتبطان بالشرايين والاوردة .. وأن قطع العلاقة بينهما يعني موت كليهما على انفراد بسرعة ..كل على سرير.. باختصار بلدان سيحاربان معا وسيسالمان معا ككل الحلفاء ..

 من المعطيات التي لاتقبل الاقرار تحت التعذيب هي علاقة روسيا وسوريا.. فالمجانين في المعارضة لايزالون يجلدون العلاقة السورية الروسية علها تنفتق كما يريدون .. والغليون المجنون كلف نفسه وسافر لاقناع الروس بالتسليم ولم يسعفه عقله السياسي الضعيف حتى الآن لمعرفة أن الروس لايفكرون بالمياه الدافئة فقط ولايفكرون بقاعدة طرطوس ولايفكرون بامتيازات ومبيعات السلاح كما حاول رشوتهم .. الروس لديهم حقيقة واحدة أمام عيونهم وهي أن كل المعارضين السوريين عملاء للغرب ويشترون بالمال ولاعهد لهم ولاميثاق ولاشرف كلمة ويتقلبون حتى على القرآن ويستطيعون استصدار فتوى تبرر لهم التنصل من عهودهم.. ولذلك قال لي أحد الخبراء الروس بالعلاقات الدولية: "معركة سوريا الآن لروسيا هي ..معركة ستالينغراد ..انها في بعض الكواليس تسمى الآن "سورياغراد".. ولمن لايعرف ستالينغراد فهي مدينة قاومت الحصار النازي 900 يوم ولم تسقط وكان أهلها يأكلون ويطبخون نشارة الخشب كيلا تسقط مدينتهم..يعني الروس لايريدون مزايا استثمارات ولاعقود شركات وسلاح بل يريدون أن تعود روسيا قوة سياسية مهابة ولايتحقق هذا الا من خلال حلفاء ثابتين غير متذبذبين ..والروس لايحبون رقصة السامبا مع غليون ويعرفون أن رجلا كتب ضد التدين ثم صار خليفة المسلمين سيبيع الله ونبيه وروسيا وكل عهوده معها ..

أحمق في السياسة يتشاطر على معاهد الأبحاث الروسية .. التي وصفته بالغريب الأطوار..هل أرسل لهذا الغليون دعوة لزيارة أستاذي وهو على مرمى حجر منه ليستمع الى محاضرة عن احترام الحقائق وعدم"تعذيب العقل"؟ ..أم أنه عاكف الآن لاصدار كتاب جديد اسمه (تعذيب العقلبدل اغتيال العقل ؟؟

 من المعطيات التي يواصل فقهاء اللغة والخطاب جلدها علها تتغير هي أن أردوغان لايستطيع في هذه الأزمة أن يعطي أكثر مما أعطى حتى الآن ..هذا هو أقصى مايستطيعه هو وأمه وأبوه وكل عائلة أردوغان ومعها عائلة أوغلو .. أي بناء معسكر لجوء ولعبة تهريب مسلحين وفنادق للمؤتمرات وانتقاء مفردات خطابية مستفزة..تضحك على المجانين الثورجيين .. هذا الأردوغان يقال انه صمت عندما قال له أحد العسكريين المعترضين بشدة على التورط التركي ابان أزمة جسر الشغوركيف ستقنع الشعب التركي كي يرسل أبناءه ليموتوا بالآلاف من أجل تحرير أهل ادلب وجبل الزاوية .. ؟؟ وهل تستطيع أن تضع مظلة فولاذية فوق أنقرة واستانبول أو فوق السدود لتتلقف الشتاء الصاروخي اذا ما جن السوريون ..وانت تعرف ماذا يمكن أن يفعلوا اذا ماأصيبوا بالجنون؟ وأنت تعرف أنه حتى الاسرائيليون ليسوا واثقين من طريقة اصطياد هذه الصواريخ التي لم تنفعها القبة الفولاذية الاسرائيلية ...اذا لم تكن قادرا على ذلك فثق انه بعد تحريرك جبل الزاوية سيكون القتلى في استانبول أكواما .. ولن نكمل حتى الشام لأن أهل أنقرة واستانبول سيمزقوننا وسيضعوننا على الخازوق ..

بالرغم من هذه الحقيقة يقول رياض الشقفة انه يرحب بدور تركي عسكري في سوريا ..فهل أرسله في رحلة الى أوروبة للقاء أستاذي ليعيد عليه الدرس عن تعذيب المنطق والمعلومات..؟؟

هل تذكرون كم مرة توقعت المصادر الموثوقة ضربة عسكرية لايران؟ ..منذ عشر سنوات وكل صباح كنا نسمع بأن الضربة جاهزة وأن الطيران الاسرائيلي استكمل استعداداته في مناورات يوم في تونس ويوم في اليونان ويوم عند أردوغان ..

هل تذكرون كيف وقف العالم كله ضد حسن نصرالله وحزبه في 2006؟ حتى روسيا أدانت عملية أسر الجنديين ومنعت السعودية امدادات السلاح الايراني عبر أجوائها ..وتشاطر حسني مبارك في اهانة المغامرين والمقامرين ..وكتبت كل الصحف العربية عن "نهاية اسطورة حسن نصر اللهونهاية حزب الله خلال أيام ..وقال لي أحد اللبنانيين من جماعة 14 آذارخلال أسبوع سترى صاحبكم نصر الله يظهر كما ظهر صدام حسين وجندي يفتش شعره ويفحص أسنانه..

 واليوم هذا الصراخ من العواصم والهذيان والهلوسات بسقوط الأسد يدل على أن العصابة التي اشتركت في التخطيط لسرقة الوطن السوري بدأت تصبح نزقة وبحالة هياج لأن التغيير تأخر جدا والانجازات على الأرض ليست الا نشر مسلحين لم يتمكنوا من الاحتفاظ بأي شارع ولازاوية ..ويلوذون بالجرائم وانحصرت مهمتهم في محاولة تعطيل الحركة الاقتصادية والسياحية .. وارهاب الناس..

الأوامر الأمريكية تتواصل وتتلاحق ورسائل التوبيخ تنهمر و حالة الطوارئ تعلن في قصور الملوك والأمراء العرب لعقد مؤتمرات عاجلة .. لسوقهم الى الجندية .. والسفر برلك نحو سوريا ..لأن قطار طهرانبيروت عبر دمشق سيصير بامكانه المرور عبر محطة بغداد قريبا خلال أسابيع ولابد من اسقاط محطة دمشق لينقطع الخط ولينشأ خط أنقرة – دمشقعمان - الرياض .. ولينتقل الجميع الى الخطة الأخيرة وهي اغراق دمشق بالشائعات والقلق وفصد دم الاقتصاد السوري وخلق حالة ذعر لدى أنصار الأسد عبر بعض المناطق العازلة الصغيرة..الضغط النفسي الهائل يتواصل على الناس..اطلاق باقي قطعان المسلحين بكل مالديهم لاثارة أكبر قدر من التشنج في الحياة اليومية والشلل الاقتصادي والدفع الى اليأس ..وتقديم الدعم العسكري الكامل هو مايمكن فعله ..  

وفي المقابل على الضفة الأخرى في قصر الشعب هدوء ..ولاانفعال ..قلة تصريحات وعمل متواصل وخلايا نحل ..اتصالات وتقارير عمليات متلاحقة وتجاهل للاستفزاز ..لجان دستورية واصلاح .. لقاءات واجتماعات صريحة وشفافة .. وتناغم بين ايقاع الديبلوماسية البعيدة عن الانفعال والتوتر وايقاع الحرب ..عدم اكتراث بكل ثرثرات الصحف العربية واستفزازات ملوكها وأمرائها التي يقصد منها استدراج القيادة السورية للمهاترات الاعلامية واظهار نزقها وقلقها..انكفاء لمعالجة الأزمة مع الاقرار بالمصاعب وعدم التقليل من حجم التحدي الضخم ..التعامل مح السيناريوهات القادمة ومع كل سيناريو دراسة وافية بكفاءات وطنية ..والاصرار على أن تكون سوريا هي ستالينغراد أمام حصار الفوهرر أوباما وموجات الربيع العربي .. أيام عصيبة تحتاج أعصابا هادئة ..هادئة جدا ..باردة كالثلج السيبيري الذي قهر الفوهرر النزق .المستعجل ..وتحتاج احتراما للمعطيات والمعلومات وعدم تعذيبها لتقول لنا مانريد ..بل لتقول هي مايجب أن نعرف..فالحقيقة جميلة كالمرأة الجميلة 

..

 

 ما لم يقله الرئيس الأسد.. قصص عواء الذئب وسبعين بعيراً

 لم أتعلم يوما الحروف لأكون "مفكرا عربيا" ثرثارا تستشيرني الفضائيات لأريق الدم فاقبض مالا.. ولا لأحل ضيفا هائجا على برنامج فيصل القاسم "دام ظله" .. ولم أذهب الى المدرسة أتعلم الأبجدية وأكتب بالطبشور على السبورة لأمارس يوما تركيب المدائح والنفاق للرؤساء أو الملوك .. بل أمضيت كل هذا العمر - منذ أول مرة ارتديت فيها "مريول" المدرسة الابتدائية وحملت أقلام الرصاص الى هذا اليوم الذي أكتب فيه على الكومبيوتر - أمضيته في تعلم الأبجدية وصياغة الحرف لأتمكن من أن أصنع من الحروف مفاتيح لمغاليق الحقيقة ..الحقيقة هي ماأريد أن تصبح صديقتي وحبيبتي وليست ..موزة ... أو بسمة قضماني ..والعياذ بالله ..
ومع هذا فأنا لاأزال مؤمنا أن اللغة والأبجدية اخترعها الشعب السوري "العظيم" ليتعلم الانسان كيف يكتب الحقيقة قبل أن تبتلعها الأكاذيب ..بل كانت الأبجدية السورية القديمة مقدمة ضرورية ليطلب الله منا فيما بعد في غار حراء أن "نقرأ" لنتعلم "مالم نعلم"... فماذا كنا سنقرأ وماذا كان العالم سيقرأ ان لم يكتب له السوريون الحروف؟؟!!..

 وقد ساعدنا هذا الفهم كسوريين وثقتنا بأنفسنا على رصد الحقيقة ورجم الأكاذيب والهذيانات على فضائيات العرب التي كانت تنفلت من حظائرها مسعورة عقب كل خطاب أو ظهور للرئيس الأسد وانفعالات الشعب السوري..في الساحات

ليس لدي شك أيها الأصدقاء أن كثيرين من خصوم الرئيس الأسد والشعب السوري انهمكوا قبل سماع خطاب الرئيس الأسد بأيام في التحضير المحموم لاطلاق النار على خطاب الرئيس الأسد في محاولة لاضعافه وانتقاده والتقليل من محتوياته واستعدوا لملاقاته بالدروع والسيوف .. وعلمت أنه في الليلة التي سبقت الخطاب كانت هناك تحضيرات واجتماعات عصبية ونزقة على قدم وساق حتى ساعات الصباح لتوقع ماسيقوله الأسد في خطابه لمهاجمته وتقطيع أوصال كلماته حتى قبل أن يصل الرئيس الى مدرج الجامعة لالقائه ..

 لم أكن أعتقد أن الرئيس الأسد صار يخيف خصومه حتى قبل أن يتحدث .. ماهذه المعارضة التي تخاف من خطاب قبل القائه؟ .. معارضة تدعو للرثاء والخجل ولا تدعو للثقة.. ..

وأراهن بعمري أن القصر الأميري في الدوحة كان يراقب بغيظ الرئيس السوري يعتلي المنصة في تحد ويعلن بهذا الاعتلاء ان الشعب السوري باق رغم أن العالم كان قد تلقى وعودا من قطر أن الأسد لن يعتلي هذه المنصة الا لاعلان التنحي ..تنحيه وتنحي الشعب السوري عن كرامته وتخليه عن بلاده .. وأراهن بعمري أن أردوغان كان يتعرق محموما وهو يرمق الأسد يتنقل بين مدرج الجامعة وساحة الأمويين معلنا خروج العثمانيين الى الأبد .. وأراهن بعمري أن باراك أوباما كان يضغط على أسنانه بعصبية .. وبالطبع كان ساركوزي جالسا على الكرسي وهو يقضم أظافره .. فيما كان نتنياهو ينظر اليه متجهما .. وأراهن بعمري أن سعدو الحريري قد ترك لعبة الأتاري ولم يشرب الحليب ..ذلك الصباح ..

 وبالطبع فان رؤية برهان غليون وشلة المعارضين السوريين الاستانبوليين بعد كل حديث للرئيس الأسد صارت تلفت النظر بمدى تكرار مشاهدها .. فلا يشبهها في رتابتها وتكرارية محتوياتها الا رؤية فيلم من أفلام محمود ياسين ونجلاء فتحي أو حسين فهمي وميرفت أمين .. فأنت وقبل رؤية الفيلم تتوقع كل أحداثه وكل عباراته وكل أزماته خاصة اذا اشترك فيه توفيق الدقن ..ويستحيل أن توجد مفاجآت في هذه الأفلام أو رسائل فلسفية .. فالعاشق محمود ياسين مثلا الطالب في كلية الحقوق (غالبا) يلتقي حبيبته صدفة على محطة اوتوبيس .. وتكون هي (غالبا) طالبة في كلية الآداب .. وتدور قصة الحب العنيف ونسمع في الفيلم الأم أو الأب الذي يكون (غالبا) عماد حمدي يقولان نفس العبارة في الافلام العربية "الجوازة دي مش ح تم الا على جثتي انا" .. وبالطبع " الجوازة تتم رغما عنه وعن جثته لأن المخرج "عايز كده" .. وينتهي الفيلم نهاية سعيدة بقبلة على الشاطئ وقت الغروب مع الموسيقا التصويرية الملحمية ..

يعني مؤتمرات برهان غليون وأجوبته هو وشلة المعارضين صارت أشبه بالأفلام العربية المملة بتصريحات (أبو العروس أو العريس) وهو يقول "الجوازة دي مش ح تم الا على جثتي" ..كل مقابلات غليون وكل مؤتمراته تكرار ممل وسقيم لأن غليون يعيد نفس الكلام بأن القتل مستمر وأن الثورة مستمرة وأن الاسد يهلوس وأنه لم يقدم جديدا وأنها نهايته.. وان الثورة ستلجأ الى الحلول الدولية ..الخ ..أي أبو العروس متشنج و "الجوازة دي مش ح تم الا على جثته هو"..(والجوازة هنا هي بقاء الرئيس الأسد) منطق المعارضين هو قانون: كل شيء أو لاشيء ..وهو منطق تدميري بامتياز وانتحاري بلا نقاش... ولكن المخرج في أفلام برهان غليون هو الشعب السوري .. والشعب (وهو هنا المخرج) سينجز المشروع الوطني على جثة برهان ومعارضته..والجوازة ستتم..شاء أم أبى..

وهنا بالطبع لانريد تسخيف برهان غليون (خاصة أنه من زوار هذا الموقع كما قيل لي) لكننا نريد أن نعلمه فن المعارضة الحاذقة ومهارات السياسيين ليرتقي بمستوى المعارضة السورية التي تفقد احترام العالم لها .. فالدعم الذي تلقته يكفي لاحداث انقلاب في مناخ المريخ أما هي فخطابها البائس وأسلوبها الدموي لم يحدث انقلابا في مزاج مقهى الروضة في دمشق ولا غيّر مزاج دخان "الأركيلة" فيها..

وكان الأجدر بمعارض "أكاديمي" مثل برهان غليون تحليل خطاب الأسد بمسؤولية وايهامنا أنه يبحث عن نقاط التقاء لأنه معني بحل الأزمة كمعارض و لأنه معني بتجنيب السوريين المشاكل والمزيد من القتل "المتبادل"  .. أما هذه التصريحات والتشنجات السريعة لغليون فرغم أنها تعكس طيشا سياسيا ومراهقة ديبلوماسية فانها أيضا زادت يقيننا من حقيقة ضعف الحنكة السياسية وبؤسها لدى رئيس المجلس السوري الانتقالي وتداعي قوة التحرك الاحتجاجي ووهنه ..لأنه وبعد كل هذه الثورة العملاقة المزعومة التي يصر غليون أن غالبية السوريين منخرطون فيها اضافة الى انشقاق آلاف العسكريين لم يجد غليون أمامه من حل الا طلب العون بتدويل الأزمة لأن لاحول لها ولاشعب يؤازرها في الداخل كما صار بيّنا....

 يخطئ جدا من يظن أنني أنتمي الى طرف في هذا النزاع الداخلي ضد طرف آخر ..لكنني أنتمي الى الشارع السوري ومزاجه والى عنفوانه ..وميلي لفريق الرئيس الأسد ناجم عن قناعتي من ان المعارضة لاتنتمي الينا ولاننتمي اليها.. ولانعرف عن هذه المعارضة سوى أن برنامجها الوحيد هو السلطة فقط والغاء الآخر..وانا لست معنيا بالقاء المدائح في خطاب الرئيس بل باستجواب الخطاب ومساءلته كمواطن سوري قبل كل شيء ومعرفة مالم يقله الرئيس ..لأن مالايقوله الزعماء الكبار في خطاباتهم هو الأهم مما يقولونه ..وخاصة في أوقات الأزمات ..

 ماذا في ثنايا الخطاب الرئاسي؟

لقد ظهر لي بشكل مثير للدهشة في خطاب الرئيس  أن الدولة وفريق الرئيس الأسد يريدون بناء الطرف الآخر الغائب في الوطن أي بناء معارضة حقيقية وطنية قبل بناء العهد الجديد للدولة السورية القادمة كضرورة وطنية وليس كمرحلة سياسية طارئة ومؤقتة ..ومن يدقق في كل مراسيم الاصلاح والتوجه لتوسيع الطيف الحكومي يجد أنها تريد أن تؤسس لظهور معارضة قوية صحية بدل ترك مقعد المعارضة شاغرا للعناكب أو للعقارب ولنزوات الأتراك والأعراب .. ..

وصحيح أن ماقاله الأسد دون مواربة هو أنه لن يتردد في القضاء على المسلحين القتلة وسيترك الباب مفتوحا للتائبين وللراغبين بالعودة الى العمل بوحي العقل والوطنية الخالصة..لكن المعنى الآخرلكلام الأسد أنه الآن يمسك بكل خيوط اللعبة العسكرية مع المسلحين وأنه نال تفويضا مطلقا من القوى الرئيسية "الداخلية" في الشعب السوري بالتصرف معها وأنه الآن يستطيع أن يقول:

 "وسيفي كان في الهيجا طبيبا ...يداوي رأس من يشكو الصداعا ...

والكلام للمسلحين الواهمين ياشباب ..الذين يشكون الصداع

 لكن خبراء المناجم السياسية يحفرون أكثر في أعماق الخطاب ويقولون لنا ماهو أهم وهو:

ان الأسد قد قال ماقال بشأن الملف الأمني بهذا المستوى من الثقة بالنفس والارتياح بعد صبر طويل بعد أن تمكن خلال الأسابيع الأخيرة من تحييد كل القوى الرئيسية الخارجية التي كان المسلحون في الداخل اذا ما تجرأ الأسد عليهم بالحزم العسكري يمكن أن يعتمدوا على مؤازرتها واحتمال تدخلها بغزو خارجي أومناطق عازلة مثل تركيا والناتو وحتى اسرائيل .. وهذه القوى تم تحييدها وتثبتها بالمسامير والسلاسل .. كما أن النصائح الروسية بالتريث حتى نهاية العام قد سحبت من وجه السلطة السورية "كما يبدو" .. والمسلحون المتمردون الآن يقفون وظهورهم على الحائط وليس أمامهم الا الأسد فاما أن يفهموا رسالته بالعودة الى جادة الصواب في ندائه الأخير واما ..النهاية ..النهاية القريبة التي يمكن استنتاجها في كلمات الرئيس الذي تميز بأنه لايقول كلمة أو تصريحا لايقل مستوى الثقة فيه عن 100%..وهو قال بالحرف: النصر قريب جداً..ولكن في بطن هذه العبارة لايظهر المسلحون فقط بل أيضا من يرسل السلاح والمال .. لأن الأسد قال ما معناه انه من العبث مصارعة السكين بل ان الصراع مع من يحمل السكين ..وربما كانت هذه العبارة موجهة لهؤلاء ..وعليهم انتظار تفسير العبارة قريبا .. بيد الأسد نفسه ....كما أعتقد..

 ولكن في أعمق نقطة في هذا المنجم السحيق من الخطاب الرئاسي الذي يحفر فيه عمال المناجم السياسية فان هناك ادراكا من الأسد واعترافا ان فئة من الناس انخرطت في أوهام الثورة وأنها تعرضت بسذاجة لعملية تحريض بشعة وتضليل حقير .. والأسد لايشكك في أن هذه الفئة يمكن استعادتها ويمكن احتضانها بالعفو والتسامح والأبوّة واعادة التأهيل الوطني .. انها نظرة الى الآخرالمتمرد القليل في الوطن على أنه ليس عدوا الى الأبد .. ويمكن معانقته معانقة ابن العم لابن العم بعد خلاف ..وهي نظرة من يؤمن بالقيم الفروسية العربية الأصيلة التي تقول:

 

فإن الذي بيني وبين عشيرتي  ....... وبين بني عمي لمختلف جـدا

إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ........ قدحت لهم في كل مكرمة زندا

وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم .....وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم ..... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

 

ولعل أعمق النقاط هي مايمكن تلخيصه بأن:

من سار معنا ميلا فلن نسير معه ميلين فقط بل سنسير معه ثلاثة أميال .. وأما من ضربنا على خدنا الأيسر فلن نعطيه خدنا الأيمن بل سنمسك له يده منذ اليوم ..فان أصرت على الغي والبغي .. كسرناها.. ..

والخطاب كان ببساطة رسالة اعتراف من الرئيس الأسد بفضل السوريين في هذه الأزمة على القيادة السورية كلها لا العكس وعلى بلدهم وعلى التاريخ المشرقي كله الذي الذي كاد يكتبه رجلان  أميّان ..واحد في قطر وآخر في السعودية..

ففي خطاب الرئيس الأسد اعجاب لامتناه بما اكتشفه من طاقة هائلة وكنوز لدى هذا الشعب واعتراف أن غبار الحقبة الماضية "الفاسدة" قد أخفى الذهب العتيق .. وأن بريق النفاق والمتسلقين والوصوليين الفاسدين قد لمع كالذهب لكن الذهب الحقيقي كان في شوارع السوريين وبين بسطائهم وعلى بسطات الباعة والفقراء وفي دماء الشباب والعسكريين المغاوير .. وأن السوريين كشعب قدموا سابقة تاريخية لم يسبقهم اليها أحد وتشبه في عظمتها اكتشافهم السبّاق للكتابة والأبجدية ..فهم أنجزوا أول "ثورة على الثورة" .. فما سمي ثورة سورية حاولت أن تقنع الشعب بالاطاحة بقيادته الوطنية وخياراتها الوطنية فاذا بالشعب يطيح بالثورة نفسها .. هذه سابقة أن يقود الشعب ثورة على "الثورة" .. وهذه أول مرة في التاريخ يغضب فيها شعب من "ثواره" ويحتقرهم .. وهذه أول مرة يقدم التاريخ نموذجا لثورة صناعية (خمس نجوم) يقودها الأثرياء (في أوروبة) ووقودها الفقراء والجهلاء (في سورية) .. لتسقطها ثورة شعبية مضادة سريعة مرتدة يقودها تحالف من المثقفين الفقراء ومن الأثرياء البرجوازيين الوطنيين ..ثورة مضادة شعبية طبيعية وقودها فقراء السوريين الذين ربما يلخص حالهم عبارة شهيرة جدا في آخر مشهد من تمثيلية سورية شهيرة اسمها "عواء الذئب" تهدر في ضمائر السوريين البسطاء يقولها "أبو عمر" لزوجته وهو رمز الفقر المتمرد على المجتمع والثري بوطنيته:

ألف حبل مشنقة ..ولايقولوا بو عمر خاين ياخديجة" ...

كل سوري كان (أبو عمر) في هذه الأزمة وكل الساحات نزل اليها أبو عمر وأبناؤه .. لأن السوري الأصيل لايقبل أن ترعاه موزة وحمد وأبو متعب ومجموعة أحفاد جمال باشا السفاح ..وبالطبع أحفاد سايكس بيكو وأعضاء ايباك.. والأسد قال صراحة: "سورية بحاجة لكل أبنائها الصادقين بغض النظر عن الانتماءات السياسية" .. أي بحاجة الى كل من أحس أنه أبو عمر يقبل الموت ولايقبل بالعمالة للأغراب ..والخيانة..

 على كل حال ..في هذه الأزمة أدركنا جميعا كيف أن اللغة والكتابة لم يعد لهما في عهد عرب الخليج والجامعة العربية سوى مهنة واحدة هي ترويج  الكذب الرياء والبغاء ..ونشر الغباء ..وهذا ماسمعناه تحديدا في تعليقات فضائيات النفط والغاز ومفكري الناتو على خطاب الأسد ..لغة بغاء وغباء ورياء .. خطاب الأسد الى شعبه كان بانتظاره قطاع الطرق الذين عرفناهم منذ جريمة فاتك الأسدي الذي كمن في الليل للمتنبي و(لخيله وليله وبيدائه ولسيفه ورمحه وقرطاسه وقلمه) ...وصولا الى قطاع طرق اليوم في الجزيرة والعربية وكتاب صحف الخليج ..الذين يتابعون مهمة فاتك الأسدي ليقفوا في طريق الخيول السورية والليالي السورية والبيداء السورية والقرطاس السوري والقلم السوري ..وخطاب الرئيس السوري

 وقد أمضيت اليومين الماضيين اتابع مايقوله العربان والمعارضون الناتويون وتسليت كثيرا وضحكت كثيرا ..لأن أحاديث الثورجيين وهياجهم بعد خطاب الاسد وانتصاب قامته عالية في ساحة الأمويين ذكرتني بما كتب في كتب التراث عن حادثة سرقة الحجر الأسود من الكعبة على يد "الثوار" القرامطة ..وانا لاأريد ان احاكم التاريخ ولا القرامطة فهذا آخر مايعنيني كانسان لايعمل مؤرخا بل يعنيني رواية تراثية بعينها كررها الرواة تقول:

"ان ابا طاهر سليمان بن أبي ربيعة الحسن القرمطي (وهو ثورجي قرمطي) قد هاجم حجاج مكة في اليوم السابع من ذي الحجة وأعمل فيهم السيف ونهب الحجيج ..ثم أخذ كسوة الكعبه فقسمها بين أصحابه ونهب دور أهل مكه وخلع الحجر الاسود من البيت فوضعه على سبعين جملا فسيّرهم به يلهثون.. وهم يضرطون من شدة ثقله

 بالطبع أنا لاأعرف ان كانت حادثة الجمال السبعين صحيحة وان الحجر الأسود بهذا الثقل لكني أعتقد أنها تتحدث عن هذا الزمن لا زمن القرامطة .. ألا تعتقدون أيها القراء الأعزاء أن شلة المعارضين السوريين وحلفاءهم الخليجيين والغربيين صاروا يشبهون سبعين جملا يشدون قاسيون كي ينهار ... لكنهم يشدون حتى تتفتق اوداجهم ..فلا يتزحزح قاسيون ..يشدون حتى تنفر الدماء من مقلهم .. ويحدث لهم ماحدث لسبعين جملا حاولت جر الحجر الأسود ..تصريحاتهم وصراخهم واشتداد تهديداتهم هي أصوات الجمال المنهكة ..وأصوات أخرى من مؤخراتها..

 وسيكتب مؤرخ يوما:

ان سبعين (بعيرا) معارضا واميرا وملكا عربيا وزعيما غربيا ومعهم ستون محطة اعلامية حاولوا أن يقلبوا قصرا في قاسيون .. فشدوه وهم "يضرطون" من ثقله ...فما تزحزح ..

ماسمعتموه من تحليلات على العربية والجزيرة وبرامج فيصل القاسم وبيانات الجامعة العربية والبيت الأبيض والاليزيه وتهديدات حمد وأردوغان هي أصوات مؤخرات سبعين بعيرا يشدون قاسيون ليتزحزح

وهذا مالم يقله الأسد في خطابه صراحة واستثناه خجلا:

ان قاسيون لايتزحزح فدعوهم  ..ي ..ض ..ر..ط..و..ن

 

 

عن الجيش

الاٌثنين  13/8/12

هناك لغة جديدة ظهرت شئنا أم أبينا هي لغة أملاها علينا وعلى كل المراقبين أداء مقاتلي الجيش العربي السوري... انها لغة الأقوياء والعمالقة.. مثل مصطلح "سحق" المجموعات المسلحة .."تطهير" .. "اقتلاع" .."اجتثاث" .."ابادة" ..ملاحقة "الفلول" ..المجموعات التكفيرية .. الارهابيون ..الفارون ..المجرمون ..استسلام القتلة والمرتزقة .. ويبقى "الانسحاب التكتيكي" تعبيرا فرضه الجيش السوري على المعارضة .. الانسحاب التكتيكي الذي صار نتيجة حتمية تتلو كل تحرك للجيش السوري الوطني نحو ثورجيي الناتو..اننا أمام ولادة لغة جديدة وهدير قادم لثقافة جديدة هي ثقافة المواجهة الشاملة واسقاط الأفكار التي يملأ السم بطنها و"يرجرج" كقربة الماء

 

ولكن ليست وحدها اللغة التي يعيد الجيش السوري تصنيعها وتعشيق مفرداتها بالذهب الاصيل ورصها بالرصاص .. بل أيضا منطق المعركة القادمة لامحالة ومنطق الصراع العسكري .. فالصراع مع اسرائيل لن يكون كما كان على الاطلاق فما صار يطرحه المفكرون الصهاينة هو أن يتبدل المزاج العام في الشرق وهو يرى أن الجيش السوري يقدم عرضا يأخذ الألباب في التصدي لأكبر تجمع ميليشيا دولية في التاريخ مدعومة بالفضاء والأقمار الصناعية .. تجمعت في محاولة لاسقاط شعب عبر مايجب أن يسمى بجدارة (أم المؤامرات

 

الجيش العربي السوري كان مفاجأة مفاجآت الربيع العربي بلاشك .. وتماسك الجيش وامساكه بالبلاد سيوضع تحت المجهر في كل العالم لمعرفة طبيعة بنائه وعقائديته .. فالمحللون الغربيون يشيرون الى أن ضعف سيطرة الجيش العراقي على مفاصله في أثناء الاجتياح الامريكي للعراق كان حاسما في صنع الهزيمة بالرغم من ولاء نخبة الجيش العراقي للرئيس العراقي .. كما أن الجيش التونسي والمصري وحتى اليمني قد تحرك ضد نظام الحكم بسرعة بالرغم من أن بناء هذه الجيوش كان قائما على أساس الولاء للرئيس ..وتبين فيما بعد أن هذه الجيوش تمارس السياسة وليس العسكرية الصرفة وأن للغرب فيها رصيدا .. ولكن الجيش السوري تصرف بعكس ماهو متوقع .. اذ تصرف بعقلية الجيش الوطني الصرف الذي يساند شعبه فقط ويمارس العسكرية النقية على أصولها المشبعة بالوطنية..أي يساند الرئيس من أجل وطنه وشعبه فقط...انه الجيش الأب..وأبو الجيوش

 

ان قدرة القيادة السورية على ابقاء الجيش على هذا الولاء والامساك ببوصلة شديدة الدقة تحفز البحث والدراسة .. ولكن النتيجة المثيرة لقلق الاسرائيليين هي أن عدم انهيار الجيش السوري وانحلاله قد يكون نذير شؤم غير مرغوب البتة ونتائجه عكسية .. بسبب أن تلك الخبرة القتالية في المناورة والتحرك الرشيق والسريع بين المدن والمناطق المبعثرة ربما تضيف الى خبرة الجيش السوري القتالية خبرة عملية وميدانية لاتقدر بثمن .. فهؤلاء الرجال قد امتلأت خياشيمهم برائحة البارود وألفت آذانهم صوت الرصاص والانفجارات .. واعتادوا على العيش في عرباتهم ومدرعاتهم فترات طويلة .. وبدل ما يعتقد أنه انهاك للجيش فان هذه الأزمة صنعت من الجيش السوري جيشا في منتهى الجاهزية القتالية وأكسبته مهارات ستجعله في أية معركة مقبلة مع اسرائيل أكثر فتكا وأمهر في تقنيات الاتصالات المركبة وتكتيكات المناورات .. لأن الشعوب الحية القوية هي التي تجد حتى في الأزمات فوائد أخرى

 

المحللون والخبراء العسكريون الاسرائيليون يقرؤون المعارك في سوريا من وجهة نظر مختلفة عنا وقراءتهم لها علاقة بآخر مواجهة سورية اسرائيلية في لبنان عبر حزب الله الذي كان يقاتل بالطريقة السورية المعتمدة وبالسلاح السوري .. واليوم حدث انقلاب في المعادلة فالاسرائيليون يقاتلون في سورية عبر واجهة الجيش الحر والمسلح بسلاح عالي التقنية وبعضه اسرائيلي بغية الوصول الى قلب نتيجة حرب ومعادلة 2006 .. فما يسمى (الجيش الحر) يقوم بمناورة اسرائيلية بالذخيرة الحيةو لتطبيق دروس المناورات الاسرائيلية بعد حرب تموز 2006 والتي ارتأى الاسرائيليون تطبيقها في أي حرب قادمة مع محور (المقاومة

 

لكن المفاجأة هي أن الجيش العربي السوري لايقاتل المتمردين بنفس طريقة قتال الجيوش النظامية لمجموعات مقاتلة متمترسة في المدن كما كان حال الجيش الاسرائيلي الذي لم يكن يقاتل وفق صيغة رجل لرجل .. بل بصيغة دبابة لرجل وطائرة لرجل .. لأن الجيش السوري أيضا يقاتل مستفيدا من نجاح مشروعه في عام 2006 عبر حزب الله ويقاتل طلائع الجيش الاسرائيلي (مقاتلي الجيش الحر وميليشيا تركية دينية) بتقنيات حزب الله التي تم تعميمها على كل فرق الجيش السوري .. أي عقيدة رجل لرجل وبندقية لبندقية .. ومناورات الالتحام المباشر والالتصاق بالخصم.. والنتيجة هي نجاح التطبيقات العسكرية لدروس عام 2006 التي اعتمدتها العسكرية السورية بشكل مذهل في معارك الالتحام المباشر التي تثير شديد القلق في اسرائيل .. فهناك التحامان جديدان في العلوم العسكرية التي يتبعها العسكريون السوريون ولايعرف الجيش الاسرائيلي طريقة التعامل معهما حتى الآن وهما الالتحام البعيد بالصواريخ .. والالتحام المباشر بكتل كاملة وضخمة من الوحدات الخاصة والكوماندوز

 

لذلك .. ومن جديد ..فان لوحة العشاء الأخير يرسمها الشعب السوري بفرشاة (المقاتل السوري).. وهناك من يصف معركة حلب (بالعشاء الأخير) لأن الأحداث بعدها لن تكون كالأحداث قبلها للطرفين .. الطرفان على مائدة العشاء الأخير .. ولكنه عشاء فريد من نوعه ..المسيح (وهو الشعب السوري) وحده وحوله اثنا عشر يهوذا .. ولكن المسيح السوري لن يكون ضحية ولاقربانا هذه المرة ..لأنه يقلب الطاولة التي رأسها في دمشق وذيلها في حلب

 

أوراق هذه الشجرة الناهضة في الشرق وفي سورية هي ماتخشاه دولة اسرائيل العبرية وعربانها التوراتيون .. ولذلك فقد حط كل هذا الجراد التكفيري التوراتي الهوى والشره للموت على الغصن السامق المورق ليقضمه .. لكن روح المسيح تقاتل من جديد .. تقاتل الجراد .. وتجار المعبد ..ومرتزقتهم.. وماأكثرهم

 

مملكة قطع الرؤوس الوهّابية

صدّق أو لا تصدّق، أنّ هناك بلداً في القرن الحادي والعشرين ينصّب نفسه حامياً للإسلام والمسلمين، وهو أكثر بلد في العالم، أضرّ وآذى الإسلام والمسلمين.. وهذا النظام يستند على ثلاث ركائز:

- الفهم البدائي المتخلّف الظلامي للإسلام (الوهّابية).

- امتلاك عائلة وحدها، مقدّرات البلد، من بشر وحجر وثمر (آل سعود).

- الذيليّة المطلقة والإذعان الكامل للسياسة الصهيو- أمريكية

 

في منتصف القرن الثامن عشر، ظهرت الحركة الوهّابية بقرار استعماري بريطاني، عندما كانت الشمس لا تغيب عن الإمبراطورية البريطانية، وفي إطار قرارها بقطع الطريق على إمكانية نهوض (قومية عربية) بعد ظهور (عصر القوميات) في أوربا.. فاتّخذ القرار باختلاق مفهوم بدائي متخلّف جاهلي شكلاني للإسلام، اصطلح على تسميته باسم من وقع الخيار عليه لاستحداث إسلام جديد، لا علاقة له بالإسلام الأصلي هو (محمد بن عبد الوهاب) والابتعاد عن جوهر الدين الحنيف، والاكتفاء بالقشور والجزئيّات، وتكفير كلّ من يخالف هذا النهج الوهّابي، واعتبار الوهّابية هي ( الفرقة الناجية) واستبعاد كلّ ما عداها، بل واستعدائهم واعتبارهم مارقين وخارجين على الدين، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، وضع هذا المفهوم المتخلّف للدين الإسلامي في مواجهة (مارد القومية العربية) قبل ولادته، وبعد ولادته، من أجل تهميشه ومنعه من التعبير عن مصالح الأمة العربية واستنفاذ قدراته وطاقاته في مواجهة بين (القومية العربية) وبين (الإسلام) والتي هي في الجوهر، مواجهة بين (القومية العربية) و (الوهّابية التي تتلطّى وراء الإسلام).. وفي ذلك الوقت جرى احتضان الأسرة السعودية التي تلاقحت مع الوهّابية، وشكّلا فريق عمل مشترك يتقاسم الأسلاب والمغانم، بحيث تأخذ العائلة السعودية، جانب الدنيا، وتأخذ الوهّابية جانب الدين، ويتبادلان الخدمات والمصالح. وعلى الرغم من هزيمة العائلة السعودية مرتين بعد ذلك، فإنهم استعادوا السلطة في النصف الأول من القرن العشرين، ولم يكتفوا بذلك، بل تمدّدت سلطتهم على معظم مساحة الجزيرة العربية، ووصل تطاولهم إلى درجة، غيّروا فيها اسم البلاد التي تضم (الكعبة) المقدسة التي هي بيت الله، وتضم مكّة، وتضم المدينة المنورة، وضريح الرسول الأعظم، لتنسب، البلد بأكمله إلى تلك العائلة الغازية وتسمي تلك البلاد باسم (المملكة العربية السعودية) عام (1932).

 

ولم يكتفوا بذالك، بل تبرّع مؤسس تلك المملكة في لقائه عام (1945) مع الرئيس الأمريكي روزفلت، بفلسطين لكي تصبح (لليهود المساكين) – حسب قوله- وهذا مثبت بالوثائق وبتوقيعه.. والتزم بوضع مملكته الجديدة، أرضاً وثروات ومقدّرات في خدمة الأجندة الأمريكية والسياسة الأمريكية، مقابل ضمان بقاء العائلة السعودية في الحكم.

ومنذ ذلك الحين، لا هَمّ لتلك الأسرة التابعة للمحور الصهيو- أميركي إلاّ استرضاء الولايات المتحدة الأمريكية في كلّ ما تريده، لا بل المزايدة عليها، أحياناً، في تقديم أكثر ممّا تريده، لعلّ واشنطن تزداد اطمئناناً على ولاء هذه العائلة الحاكمة.

لقد بلغ عدد العائلة السعودية الحاكمة بحدود /25/ ألف شخص.. وهؤلاء الخمسة والعشرون ألف شخص، جميعهم أمراء!!!!.. بينما في الكرة الأرضية بكاملها، لا يوجد ألف أمير.. وهؤلاء بحدود واحد بالألف من المجتمع السعودي، ولكنهم يمتلكون البلاد والعباد، والأرض وما فوقها وما تحتها، ثمّ يتشدقون بأنهم يمثّلون الأكثرية لمجرّد أنهم (مسلمون سنّة).. وكأنّ انتماءهم الشكلي إلى (الإسلام السنّي) يكفي ليعتبروا أنفسهم ممثّلين للأكثرية الإسلاميّة السنيّة.

وكأنّ الانتماء إلى دين وطائفة أو مذهب أو إثنية أو عرق، كافٍ وحده لاعتبار المنتمي، ممثلاً للجهة التي ينتمي إليها ولامتلاك الشرعية المطلوبة.. إنّ (حسني مبارك) مسلم سنّي، وزين العابدين بن علي مسلم سنّي، ومعمّر القذّافي، فهل يمثّل هؤلاء المسلمين السنّة، لمجرّد اعتناقهم الإسلام السنّي.. إنّ من يمثّل المسلمين السنّة (وغيرهم) هو من يجسّد مصالحهم وطموحاتهم وآمالهم وحقوقهم، وليس من يفرّط بمصالحهم أو يتخلّى عن كرامتهم، ويبيع مقدّراتهم بأبخس الأثمان، ثمّ ينام على حرير الاكتفاء، بالانتماء الديني أو المذهبي، مستنداً كافياً للحصول على الشرعية.

هؤلاء البدائيون، في كل شيء، يعتبرون أيّ مظهر من مظاهر الحضارة المعاصرة، رجساً من عمل الشيطان، وشيوخ الإفتاء الوهّابي، جاهزون ليلاً نهاراً فقط، لإصدار الفتاوى المناسبة، غبّ الطلب.

هذه العائلة المتخلّفة جاءت بقوّة السيف وعلى أنهارٍ من الدماء، لا بل إنّ السيف هو رمز علمها بعد أن سلبت وسطت على بلاد الحجاز ونجد وعسير وبقيّة أراضي الجزيرة العربية.

هؤلاء (الأمراء العبيد) أرقّاء الناتو، أمراء الطوائف والعشائر في هذا الزمان، تشكّل العصبية الطائفية والمذهبية، سلاحهم الأول وذخيرتهم الأهمّ، لأنهم مخلوقات بلا قضيّة وبلا هويّة وبلا فكر وبلا مبدأ.. ولأنهم كذلك، استغنوا عن ذلك، بتسخير الطائفية والمذهبية وركوب موجتها.

أولئك (الأمراء العبيد) للناتو و (المشايخ الأرقّاء) للإيباك والليكود وخَدَمُهم من الأدوات والأبواق الإعلامية الرخيصة، يتوهّمون أنّ امتلاكهم للثروات الاستخراجية الباطنية، ونهب أسيادهم الأطلسيين لها، وتخصيصهم بِفُتَاتٍ منها، بغرض استخدامها لمباذلهم من جهة، وللتآمر على الأمتين العربية والإسلامية من جهة أخرى، لصالح معلّميهم الأطلسيين والصهاينة، ويجيّشون خدمهم من مرتزقة الإعلام لتبييضهم وتسويقهم على أنهم سادة وقادة.. وكأنهم يجهلون أنّ جميع أموال الكون، لا تجعل من الأقنان والأرقّاء والعبيد، إلاّ أقناناً وعبيداً وأرقّاء ودمى وعاهات.. وهل يكفي أن يظنّ بُغاث الطير أنه صار نسراً، لكي يتوقّف عن كونه بغاثاً؟.

ما هو سبب الخلاف بين سورية وبين هؤلاء البدائيين الجهلة؟ إنه أمر واحد، هو تبعيّتهم الذيليّة المطلقة للسياسة الصهيو أميركية، وانخراطهم كأدواتٍ مسمومة ودُمىً ملغومة في تلك السياسة، وإيمانهم العميق بأنّ انخراطهم الذيلي في تلك السياسة، هو وحده الكفيل بحماية عروشهم وكراسيّهم.. وهذه العقلية الحولاء هي التي قزّمت السعودية، وعظّمت دور إيران.

مشيخات سلالية بدائية، يقوم على حكمها، نواطير آبار نفط وحقول غاز يعملون فرّاشين للقواعد العسكرية الأميركية التي تحتل أراضيهم وثرواتهم وأرصدتهم وعقولهم ومصيرهم.. ويأسرون مجتمعاتهم في نمط العصور الوسطى وعصور الانحطاط رغم الوفرة المادية الهائلة، خشية أن تنتفض مجتمعاتهم عليهم، وتطيح بهم في ليلة ليلاء.. ويعيشون متخلّفين عن العالم/ خمسمئة سنة على الأقلّ، سياسياً واجتماعياً وثقافياً.. ومع ذلك يتنطّح هؤلاء النواطير والفرّاشون من عبيد الناتو وأرقّاء الإيباك، لإعطاء دروس في الديمقراطية، ولمن؟ لمن علّموا البشرية حروف الأبجدية ومعنى الحضارة منذ آلاف السنين.

هؤلاء البدائيون في كل شيء، يصدّرون النفط والإرهاب، وفقه التكفير والتخلّف، والبترو دولار، لإشعال وتأجيج النعرات الطائفية والمذهبية، ويصدّرون إعلاماً من ثلاثة أنواع: إعلام متصهين إخباري مسموم، كالجزيرة والعربية وأشباههما، وإعلام تكفيري عرعوري مذموم، عبر إنشاء عشرات الفضائيات التكفيرية الإقصائية، وإعلام خليع إباحي مسموم، بغرض إفساد أجيال الشباب الذين لم ينضووا في إطار التوجّه الوهّابي الظلامي التكفيري .

وقد رصدت (مملكة قطع الرقاب) الوهّابية الظلامية التكفيرية مبلغ خمسة مليارات دولار سنوياً، منذ عشرات السنين، لنشر الفهم الوهابي البدائي المتخلّف المسموم للإسلام، من أجل خلق الأرضية الاجتماعية والثقافية لدى الشعوب العربية والإسلامية لكي تكون جاهزة غبّ الطلب لإشعال الفتن الطائفية والمذهبية عند الحاجة.

إنّ ستة أمراء الأكبر سناً في مملكة الظلام الوهّابية، ينهبون مليون برميل نفط يومياً، مخصّصة لهم حصراً.. وباقي الخمسة والعشرين ألف أمير(!!!) يخصّص لكل واحد منهم، ما متوسطه (200) ألف دولار شهرياً من ريع النفط.. ولا يكتفي هؤلاء بذلك، بل يمتلكون المملكة برجالها ونسائها، فهم الوزراء، وهم أمراء المناطق، وهم نوّاب الوزراء، وهم كل شيء، في مملكة لا اعتراف فيها بنصف المجتمع (الذي هو المرأة) أمّا النصف الآخر من الرجال، فهم أتباع بدءاً من الدرجة الأولى حتى الثالثة، لأولئك الأمراء (عبيد الناتو

ولأنّ (الأمراء العبيد) أرقّاء للناتو، فإنهم أعداء الكرامة، لأنّ الأرقّاء أعداء الكرامة، والطائفيون أعداء للدين، والتابعون أعداء للحرية، والفاسدون أعداء للأخلاق، والمنافقون أعداء الحق والصدق والإنسانية، ومن باعوا ضمائرهم للأجنبي، منذ نعومة أظفار آبائهم وأجدادهم، من البديهي أن يبيعوا أوطانهم وأمتهم للشياطين.

لقد قرّر أولئك الأمراء العبيد، القيام بانقلاب على الدولة السورية، مستخدمين جميع الإمكانات والأدوات المتوافرة لديهم.. والقرار ليس قرار هؤلاء النواطير، بل هو قرار أسيادهم في المحور الصهيو- أميركي. أمّا سورية العربية، فقد قرّرت مدعومةً من شرفاء العرب والعالم، أن تفشل محاولات هؤلاء النواطير العبيد الذين يسمّون أنفسهم أمراء ومشايخ، وإفشالهم في إحداث انقلاب على الدولة السورية، وأنّ تردّ كيدهم إلى نحرهم ونحر أسيادهم.

إنّ الصراع الآن- في أحد جوانبه- صراع بين (إسلام تلفيقي وهّابي- إخونجي- طائفي- دموي- إلغائي) تابع تاريخياً وحالياً للمحور الصهيو- أميركي.. وبين (إسلام محمّدي- قرآني- إنساني- نضالي) مواجه ومقاوم وممانع للمحور الصهيو- أميركي.

ومثّلث الشر الحقيقي يتجسّد بالتحالف والتآلف والترابط بين المحور الصهيو- أميركي… وتابعه الأطلسي … وأعراب البترودولار من عبيد وأقنان الناتو.

إنّ أعراب الناتو، ومتأسلمي عرعور، وثوّار الصهيوني برنارهنري ليفي هم مادّة (الثورة) السورية الخاصّة بهم، وهم أدواتها وحاضنتها.

إنّ دور الجامعة العربية في (الأزمة السورية) دور عربي بالشكل فقط، ولكنه دور أمريكي- صهيوني- أطلسي، بالمضمون والهدف وحتى الصياغة.. وكل ما قامت به جامعة (حمد الأجير) و (سعود الأمير) هو أنها أَضْفَت على هذا الدور الصهيو- أميركي- الأطلسي، غُلالة عربية، لكي يجري تسويقه على أنه دور عربي.

وتتجلّى المعضلة في التناقض الشديد بين رغبة جامحة بلا حدود، أطلسية وصهيونية وعثمانية وبترودولارية، لإسقاط القيادة الوطنية السورية.. وبين العجز والقصور وعدم القدرة على إسقاط القيادة الوطنية السورية.. هذه هي مشكلة هؤلاء، في التناقض بين (الرغبة) و( القدرة).

وهناك ثلاثة أطراف صنعت الأزمة السورية:

أولاً: الطرف الصهيو- أميركي- الأطلسي.

ثانياً: الطرف البترو دولاري من (الأمراء العبيد) للناتو ومشايخ الفتنة.

ثالثاً: المعارضات السورية، بجانبيها الوطني واللاوطني، وهذا الطرف الثالث هو الأضعف، والقسم الوطني في الداخل صادق في طروحاته عن الإصلاح، أمّا الباقي مضافاً إلى معارضات الناتو الخارجية، فهي آخر من يريد الإصلاح لسورية، في هذا العالم، لا بل إنّ الإصلاح عدوّها وعدوّ أسيادها، ومع ذلك استخدمته ستارةً تختبئ خلفها.

إنّ (الأمراء العبيد) و (شيوخ البترو دولار) يديرون مشيخات قائمة، بقضّها وقضيضها، على سلطات عائلية قبلية سلالية جاهلية، تمتلك البلاد والعباد، وتجعل من نفسها، مطيةً للمنظومة الأطلسية الصهيونية.. ومع ذلك لا تخجل من أن تقدّم نفسها، داعية للثورات و الانتفاضات العربية في ديار غيرها، لا في ديارها طبعاً.. وسلاحهم في ذلك، تسعير الطائفية والمذهبية، وهي تتنفّس الطائفية والمذهبية في جميع مناحي حياتها، وتصدّرها للعالم، مرفقة بأطنان من البترو دولار.. ثمّ تخفي ذلك، عبر اتّهام كل من يختلف معها بأنه طائفي أو مذهبي، وأكبر ما يهمّها، هو تحويل إيران عدواً بديلاً لإسرائيل، من أجل جعل إسرائيل حليفاً في مواجهة إيران، وإشعال فتنة طائفية مذهبية تشعل المنطقة بكاملها، لصالح المحور الصهيو- أمريكي، عبر استخدام السلاح والمال و الإعلام.

وما بين (حمد الصغير) و (سعود الأمير: عبد الناتو) رجلا المهام القذرة لصالح المحور الصهيو أميركي، واللذان يتبجّحان بأنّ (النظام السوري أضاع أكثر من فرصة) صحيح، ولكن بمعنى أنه أضاع عليهم كل فرص محاولات التذاكي عليه و استدراجه للانزلاق إلى الهاوية التي يرسف فيها هؤلاء الأمراء والمشايخ من عبيد الناتو وأقنان الصهيونية، من مدمني التبعية والذيليّة و الانسحاق أمام عتاة الناتو.

إنّ غاية المخطط الصهيو- أميركي، في منطقتنا، والذي يركّز الآن أسلحته المختلفة والمتنوعة على سورية هي:

أولاً: تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، بشرعنة إسلامية، وعبر غلاف ديمقراطي شكلاني.

ثانياً: وضع سورية تحت مطرقة الضغط الدائم، السياسي والدبلوماسي والقانوني و الاقتصادي والمالي والأمني والعسكري.. بغرض إشغالها الدائم وإغراقها في مواجهة تلك الضغوطات وتداعياتها على الداخل السوري، وشرعنة ذلك عبر قرارات دولية.

ثالثاً: تصاعد حالات هيستيرية وسعار هذياني إعلامي محموم لأبواق إعلام هذا المشروع الاستعماري الجديد، بسبب عجزهم عن إسقاط سورية، شعباً ودولة.

رابعاً: سيستمر نقيق الضفادع، ونعيق الغربان، لا بل ستتصاعد وترتفع وتيرته بمواجهة سورية، لأنّ المطلوب زيادة حجم التضليل والتهويل والتزييف والتزوير إلى الحدّ الأقصى، وتدفيع سورية، ضريبة الدفاع عن فلسطين وعن العروبة المستقلّة (وليس التابعة) وعن النهج المقاوم، وعن الإسلام الحضاري الممانع الإنساني المعادي فعلياً- لا لفظياً- للمشروع الصهيو- أميركي.

وسيرى هؤلاء الأرقّاء والعبيد، أيّ منقلب سينقلبون، وستبزغ سورية متجدّدة تشكّل مركز المنطقة لعقود قادمة، رغماً عن أنف (مملكة قطع الرؤوس الوهّابية) وعن (أمرائها العبيد).

 

آدم السوري وشجرة الشيطان الملعونة في ربيع العربي

 
لم أجد القبضاي أردوغان بحال يرثى لها كما هذه الأيام .. انه يستحق منا التعاطف واشاحة البصر عن عينيه الكسيرتين وهو يذوب كتمثال الثلج الذي أذابه لهيب الحرارة في الأزمة السورية من بعد انحسار الربيع وانتشار موجة الصيفالسوري .. التماثيل الثلجية الكبيرة لاتستحق هذا الذوبان السريع بل البقاء في ثلاجات الذاكرة والمتاحف الباردة ..أو في سيبيريات الاعلام العربي حيث تماثيل الثلج والورق..

بدا أردوغان في الساعات الأخيرة بأمسّ الحاجة لمن يقول له ماحدث بالضبط لأنه لايدري ماذا حدث ولايدري ماذا يقول .. فمرة سقطت الطائرة بنيران الأله "حدد
السوري قضاء وقدرا ..ومرة أغرقها "بوسيدون" اله البحار السوري .. ومرة وصلت اعتذارات حارة ونادمة من السوريين .. ومرة لم تصل الاعتذارات الحارة والنادمة .. ومرة يبحث عن الطيارين في البحر ومرة في السماء ..ومرة يبحث عنهما السوريون في البحر ومرة لايزال الطياران بين الأرض والسماء.. ولم أجد شبيها لتناقضات تصريحات أردوغان سوى تصريحات صديقه القديم بيل كلينتون (زوج صديقته الحالية هيلاري) عندما قال بيل كلينتون يوما في تصريح شهير: ليست لدي علاقة خاصة مع الآنسة لوينسكي على الاطلاق ..ثم بعد اعترافات السيكار والثوب الأزرق قال: بل لدي علاقة خاصة مع الآنسة لوينسكي..

 ان الذي سقط على الحدود التركية لم يكن طائرة تركية بل اشياء كثيرة ..منها شاربا أردوغان .. وكل عنترياته السابقة وكذلك الصبر السوري على استعراضاته العثمانية .. وسيجتهد المحللون في قراءة الاحتكاك التركي السوريوسيعتقد المجانين من الثورجيين ان الحادثة ستكون الشرارة التي تثير غضب الأتراك والناتو لتتدحرج الأحداث نحو النهاية السعيدة للثورجيين بسقوط الدولة السورية .. فيما سينظر اليها الآخرون على أنها استدراج وفخ وقع فيه السوريون الذين سيدفعون ثمن جرأتهم كثيرا ..وكأني بهم يقولون بانفعال واغتباط:

 انها تركيا والناتو .. وانه زمن التدخلات التي تنطلق من الذرائع الصغيرة .. ألم تكن حادثة محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن سببا في الاجتياح الاسرائيلي الشهير في الثمانينات؟ .. ألم يكن أسر الجنديين الاسرائيليين في لبنان الذريعة التي احرقت بها اسرائيل جنوب لبنان عام 2006 ؟ ..أليس التجرؤ على مصالح أميريكا في الكويت من قبل صدام حسين سبب هلاكه في ذلك الفخ الرهيب؟؟ وماالى ذلك من تخرصات وتهويمات ..

 لكننا لم نبن يوما تحليلا حالما كما يفعل الثورجيون الذين قامت تحليلاتهم على الأوهام منذ اللحظات الاولى للأحداث السورية ورفضوا الاستماع لأي عاقل .. بل سنقرأ الحادثة بشكل آخر .. لان اسقاط الطائرة التركية ليس رسالة واحدة كما يردد الكثيرون بل ان الحادثة هي بمثابة ساعي بريد حقيبته مثقلة بالرسائل الى عناوين عديدة .. وداخل الرسائل رسائل صغيرة الى عناوين أخرى.. فلنقرأ سويا بعضا من هذه الرسائل التي صارت متفقا عليها بين الجميع:

 - ان العملية تبدو عملية مشتركة روسية سورية ..أي وصل القرار السوري الروسي بايلام الخصم الى حيز التنفيذ .. ولايبدو أن السوريين في استعمال التكنولوجيا الروسية المتفوقة في الدفاع الجوي قد فعلوا ذلك الا وفق عمل قرار في مطبخ سياسي مشترك ..وأعطى الاذن بساعة الصفر..

 - من المحتمل أن يعني اسقاط الطائرات التركية المجهزة بتقنيات التاتو تحييد سلاح الجو الغربي أو الاسرائيلي في أي هجمات محتملة في المنطقة .. فهذه أول طائرة أطلسية يتم اسقاطها منذ عقود ..وقد بذل الرئيس الراحل صدام حسين كل مابوسعه لاسقاط طائرة واحدة يمرغ بها أنف الامريكيين بالوحل ولم يتمكن .. بل انه عرض جائزة مالية ضخمة لكل ضابط دفاع جوي عراقي يفلح في اسقاط هذا النوع المتفوق من الطائرات ..ولم يتحقق له ذلك .. وكان الرئيس معمر القذافي قد حاول يوما استدراج طيار مصري بهذا النوع من الطائرات المجهزة بتكنولوجية غربية الى طرابلس لتكون رمزا لاسقاط سر هذه الطائرات المتميزة ..لكن العملية فشلت..

 - ان مصير أي تدخل غربي عسكري بات على محك خطر جدا لأن انهيار تكنولوجيا هذا النوع من الطائرات (والطيران هو عماد القوة العسكرية الغربية) سيعني أن اي حرب مع السوريين وحلفائهم باتت محفوفة بالمخاطر الجمة.. علاوة على ان اسقاط مجموعة أخرى من هذه الطائرات الأطلسية في أية معركة قادمة يعني ان سمعة تكنولوجية السلاح الغربي ستتآكل بسرعة وسيزداد الاهتمام بالتكنولوجيا العسكرية الروسية .. وهذا بحد ذاته ايذاء للصناعات العسكرية الغربية التي قد تتأثر مبيعاتها مستقبلا ويكون ذلك عاملا اقتصاديا موجعا يضاف الى عوامل الأزمة الاقتصادية التي يئن الغرب تحتها ..وسنسمع صوت هنري كيسنجر للرئيس السادات ابان حرب تشرين|اكتوبر يتكرر اذ قال له بحنق: تذكر أن البنتاغون لن يغفر لك اظهار السلاح الروسي متفوقا على السلاح الأمريكي..

 - ان عملية ضرب ايران من قبل سلاح الجو الاسرائيلي أو الأميريكي قد خرجت من الحسابات الدقيقة لأن ايران تمتلك شبيها

 بالتكنولوجيا التي أسقطت الطائرة التركية ..ان لم يكن أكثر

 - ايها الثورجيون ..ربما بدأ الخروج التركي الرسمي من المعادلة العسكرية للأزمة السورية..

 - ان عدم انفعال أردوغان يدل على أنه لن يقدم يوما على المغامرة العسكرية .. وأن الرجل مهما شطح لايزال في عقله فرامل وكابحات تمنعه من الانزلاق العسكري ..وكان البعض يعتقد ان رصاصات الجيش السوري في أحراش اردوغان الحدودية هي كل مايحتاجه الأتراك لاطلاق منطقة عازلة ..وكسر الجمود .. ولكن هاهي الصواريخ السورية تصيب طائرات أردوغان وهو متردد في التدبير بين التبرير والهدير .. ولكن يبدو أن السوريين لايريدون اذلال أردوغان أكثر من ذلك وتركوه يقول مايريد عن البرق والرعد والأقدار التي أسقطت الطائرة ..ولم يصدر عنهم شيء لتفادي المزيد من الحرج والاذلال له..وهو في اشد حالات الضعف والحاجة الماسة لعدم التشفي..انها ديبلوماسية الاذلال بالاكرام ..

 أخيرا .. تأتي هذه العملية بعد ساعات قليلة من فرار طيار سوري طبل لها الاعلام الثورجي وزمّر .. ويسرب البعض أن توقيت اسقاط الطائرة ربما يستفاد منه لخلق أجواء مساومة لمبادلة الطيار السوري الهارب بالطيارين التركيين اذا تم أسرهما .. فاذا أسر الطياران التركيان فلن يعادا الا بعد استعادة الطيار السوري الهارب سرا أو علانية والذي تم تهريبه بعمل استخباري مشترك .. وسواء كانت تركيا أم الأعراب متورطين في عملية تهريب الطيار الخائن الى الأردن فان على اصدقاء تركيا المتورطين مساعدة الطيارين التركيين بالعودة عبر اعادة الطيار السوري الى بلده ليحاكم ..ويعدم كخائن للشرف العسكري ..ليعتبر من بقي من الثمالة الواهنة ويرتدع عن الخيانة ..

 ومع هذا فان أهم مايمثله سقوط الطائرة هو سقوط فكرة المنطقة العازلة المحمية جويا والتي يبشر بها أبالسة السياسة الغربية ..وفيها سقوط "خيار حواء وشجرة الشيطان" الذي تعتمده الادارات الامريكية في تعاطيها مع الربيع العربي والقيم الديمقراطية المعلبة المفخخة..

ماهو سقوط خيار حواء وشجرة الشيطان؟

 

 

شعوب ستفقأ عيونها ..عقدة أوديب جوهر الثورات العربية

 بالأمس نشرت صورة أحد الثوار الليبيين وهو يرفع علما كتب عليه ما سيكون مصير العرب المخيف بعد الربيع العربي..كان علما كبيرا فيه العلم الليبي الجديد "الثوري" (الذي رفعه من يسمون بالثوار الليبيين) ويتصل به علم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وايطاليا ..هذه الأعلام رفعها الثوار في طرابلس ..لاتستغربوا ..نعم رفع أعلام العدو الثوار أنفسهم .. وأنا ضمين أن علم اسرائيل سيلحق بها وتأجل ذلك ليس خجلا، فللثوار الجدد مفاهيمهم الجديدة "الثورية"، بل تأجل لأن برنار هنري ليفي يريد رفعه من على السفارة الاسرائيلية القادمة في طرابلس..شاء مصطفى عبد الجليل أم أبى..وشاء المؤمنون أم أبوا..وشاء الثوار أم أبوا..انها فتح من فتوح هنري ليفي ..وهنري يريد مكافأته..

لكن كيف تمت هذه النقلة النوعية في أن يقبل عربي وأن تقبل مجالس معارضة ومعارضات "اسلامية" أن ترفع أعلاما كنا أمضينا عقودا نقدم القرابين والضحايا لابعادها عن سمائنا ..أعلام ارتكبت دولها جرائم غوانتانامو وأبو غريب وباغرام والفلوجة وغزة وجنوب لبنان وجنوب السودان؟؟  بالأمس غطي وجه تمثال صدام حسين بالعلم الأمريكي وتم جره في بغداد ..تغطية وجه صدام بالعلم الأمريكي كانت مهينة وقهرتنا مهما اختلفنا مع صدام حسين لأن رمزية العلم على وجه عربي كانت صادمة ..لكن اليوم تتم نفس العملية دون أي اختلاف فالمعارضة بدعم الناتو ترفع أعلام الغرب على وجه طرابلس معلنة بداية عهد جديد ..ولكن بتصفيق الأحرار والقادة "المسلمين" ...

 

تجري في العالم العربي عملية في منتهى الخطورة والتعقيد منذ سنوات لم تعد ضمن عمليات غسل الدماغ التي باتت تقليدية وعابرة التأثير ويسهل ايقافها ومعاكستها، بل تعدتها الى ما يمكن تسميته (أودبة الدماغ – من أوديب) معتمدة على علم النفس الفرويدي وعقدة "أوديب" الذي قتل أباه وتزوج أمه.. عقدة أوديب في علم النفس تعني أن يتعلق الطفل الذكر بأمه وينفر من أبيه (ويقابلها عقدة اليتكرا عند الاناث)..ولكن اين هي عقدة أوديب في مجتمعنا السياسي وأين أظهرتها الثورات بشكل مرضي فاقع؟؟

 

قبل الولوج الى ذلك هذا تذكير بأسطورة أوديب في الأدب القديم والأساطير اليونانية التي كتبها سوفوكليس.. تقول الأسطورة ان العرافين والمنجمين تنبأوا للملك لاريوس أنه سينجب ولدا يقتله ويتزوج أمه ويصير ملكا على العرش.. وهذا ماحصل .. فأوديب (ابنه) في الأسطورة بالفعل يصبح ملكا ويتزوج أمه بعد أن يقتل أباه الملك عندما يعترضه في الطريق ..لكن من دون أن يدري الابن أنه فعل كل ذلك ..وتنتهي الاسطورة عندما تعرف زوجة أوديب (الأم الملكة) بالسر الرهيب فتنتحر ..ويدرك أوديب مافعل من الرزايا والخطايا دون علم أو دراية فيفقأ عينيه بدبابيس من ثوب أمه ويقول لعينيه "ستظلان في الظلمة فلا تريان من كان يجب ألا ترياه، ولاتعرفان من لاأريد أن أعرف بعد اليوم، حتى لاترى الشمس المقدسة إنسانا دنسا فعل أكثر الجرائم بشاعة".. وفي موقف مؤثر سالت الدماء على لحيته البيضاء وبللت وجهه وهو يلعن سوء حظه وجهله القاتل يقول أوديب: "واحسرتاه.. واحسرتاه.. لقد بان كل شي.. أيها الضوء، لعلّي أراك الآن للمره الأخيره.. لقد كان محظورا أن أولد لمن ولدت له.. وأن أحيا مع من أحيا معه..وقد قتلت من لم يكن لي أن أقتله. . ويعيش أوديب بعدها طريدا من الأرض والسماء .

 

كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد تدرسان بشكل حثيث النموذج الذي يمكن من خلاله احداث اختراق اجتماعي لدى العدو يفضي الى ماصار يسمى  اليوم "الفوضى الخلاقة" ... فتم تقديم نماذج عديدة لاحداث اهتزاز اجتماعي وقيمي كبير كلها مبنية على علم النفس الاجتماعي.. الفكرة كانت أن تجنيد افراد ناقمين على مجتمعاتهم أو دولتهم لمشروع خارجي سيبقى غير ذي جدوى وبعدد محدود وسيوصم هؤلاء  بالخونة وعلاوة على ذلك فان هذا التجنيد يفيد النشاط التجسسي على الأغلب لكن ليس تدبير الانقلابات الاجتماعية الكبرى .. لذلك تبدو فكرة "أودبة" مجموعات كبيرة أو شرائح في المجتمع (زرع عقدة أوديب جماعية) هي الأكثر جاذبية وقابلية للتصديق والتي ستلاقي استحسانا لدى جهابذة رجال الاستخبارات..فهي طريقة تمكن الاستخبارات من تصنيع مجموعاتها بأعداد كبيرة واطلاقها في المجتمع لقتل الأب (السلطة أو الدولة) واغتصاب الأم (أو الأمّة) أي تفكيك العائلة الواحدة الوطنية  ذاتيا دون أن تعي ماتفعل .. بل بالعكس تعتقد هذه المجموعات أنها تسير في الطريق الصحيح والصراط المستقيم ...وهو بالطبع الطريق المفضي الى "الفوضى الخلاقة"..

 

في تطبيق عقدة أوديب الجماعية على الشعوب العربية ماتحتاجه أجهزة الاستخبارات ومعاهد الأبحاث السياسية هو دراسة المجتمعات العربية وأنموذج الحكم ونقاط الاحتكاك والمفاصل المتحركة غير الثابتة (النقاط الرخوة) بين مكونات المجتمع الدينية والعرقية والطبقية والمذهبية ..الخ ..وقد تبين لهذه المعاهد أن الثقافة العربية التقليدية تعاني بشدة من تناقض الاحتكاك مع الثقافة الغربية اضافة لما تعانيه المجتمعات العربية من تراجع مستوى التعليم والثقافة والقراءة ..كما أن الدول العربية دون استثناء دول حديثة العهد بمفهوم الدولة ولم تنشئ دولا بل هياكل دولة مليئة بالعيوب والثقوب ..ولكن ما من شك أن عملية اطلاق مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية العربية كانت تتم من خلال تطور طبيعي بطيء نتيجة الاحتكاك المؤلم مع الثقافة الغربية وقيمها وكان من المتوقع أن هذه المجتمعات ليس لها الا اتجاه واحد سيتكامل خلال عقدين أو ثلاثة وربما أربعة نحو مجتمعات أكثر حرية سياسية ..اما عبر ثورات طبيعية ذات طبيعة هادئة في الشارع وصاخبة في المؤسسات السياسية .. أو عن طريق النموذج الاسباني حيث انتهى حكم فرانكو الديكتاتوري عام 1975 بشكل هادئ وطوي دون دماء بعد أن سادت ثقافة الديمقراطية الأوروبية في اسبانيا...

 

"الأودبة" تتم عبر دراسة النقاط الرخوة في المجتمع وتجنيد وسائل اعلامية على مدى سنوات لاحداث عملية زرع وتفعيل العقدة الأوديبية ..وسائل الاعلام هي الحاملة الرئيسية للمشروع وباجراء مايشبه جلسات يومية للوعي العربي وباستمرار ويمكن استنتاج اضطلاع الجزيرة والعربية بعملية (فك البراغي والمسامير) في المجتمع وفي مفاصله الرئيسية عبر التركيز على البعد الديني والطائفي للنزاعات (أقباط ومسلمون مصريون وشيعة وسنة ومسيحيون ومسلمون شرقيون وأمازيغ وعرب ..وأكراد وعرب) فيما تولت مجموعات اعلامية أخرى "مندسة" (وسيصيب هذا المصطلح المعارضة السورية بالجنون) عبر مواقع الكترونية كثيرة عملية تنفير الشباب من مجتمعاتهم بالتركيز على الاحباطات والفوراق الطبقية وغياب العدالة الاجتماعية وانزلاقات القضاء فتمت عملية شيطنة الحكومات وجرت عملية معقدة لتحريض الناس على التمرد..والملاحظ أن هذه المواقع لم تكن على الاطلاق تقترح حلولا بل تراكم خزينا هائلا من الغضب والاحباط ليستعمل عند اطلاق "عقدة أوديب"..

 

نجحت عملية (أودبة المجتمع) في تشتيت الغضب العربي العارم على اذلالات اسرائيل وأميريكا حيث تمكن العمل على اطلاق عقدة أدويب باتجاه الداخل العربي من تمييع الاندفاع..فمن الغضب على وجود أميريكا بمئات الآلاف من الجنود والمرتزقة وقتل مئات الآلاف من العراقيين وحفلات الاغتصاب الجماعي في أبو غريب وجريمة عائلة عبير الجنابي تحول الغضب الشعبي بقدرة عجيبة الى غضب على الشيعة..وايران ..وتحول الغضب من اهانة الرسول (ص) (أعلى وأسمى رمز اسلامي) ورسمه على صورة خنزير في اسرائيل وارهابي تحشو دماغه القنابل ومن احتقار الدين الاسلامي في القوانين الأوروبية ورمي القرآن الكريم في مراحيض غوانتانامو الى غضب أكبر بسبب خلاف مع فئة مسلمة على قداسة صحابي هنا أو هناك أو حادثة خلافية محنطة عمرها 1500 سنة تبث فيها الحياة بعض المجموعات الغامضة .. وتحول الاعتزاز ببطولة حسن نصر الله الى غضب عارم عليه بسبب اقصاء ولد غر في السياسة مثل سعد الحريري عن رئاسة الحكومة..وتم تلخيص الرئيس بشار الأسد بكل فتوحاته السياسية مع تركيا ومشاريع المقاومة ثلاثية الرؤوس (عراقية ولبنانية وفلسطينية) وربط البحار الى مجرد راع لقريبه رامي مخلوف ..يمتص دم السوريين..

 

لاشك أن نمو العقدة الأوديبية واضح تماما وصارت الشخصية الأوديبية الناضجة في الطرقات مستعدة لقتل الأب (الرمزي) عبر التمرد على السلطة والدولة والشريك الاجتماعي ومستعدة لتدمير البلاد وهي غير دارية بما تفعل .فصار هناك نقمة على الشريك في المجتمع (لسبب مذهبي أو عرقي) أي ماسنسميه بتغيير العدو مع الحفاظ على نفس المستوى من العداء والنفور والكوابيس ..وبكلمة أخرى أن يتم تحويل حجم الكراهية للعدو الخارجي الى كراهية للدولة والنقيض الاجتماعي..وتم نقل خزين المودة الداخلية والاطمئنان الى حيز من كان عدوا بالأمس ..فظهر ثوار ليبيا وثوار سوريا الذين يرون في الناتو مخلصا .. ويبدون الاستعداد لرفع علمه لاسقاط الأب (الدولة الوطنية)..

 

يبدو أن عملية "أودبة" العقل العربي نجحت في بعض الدول العربية مع تصرف خطير بمجرى وأخلاقيات الأسطورة وبتحكم مطلق بدا في طريقة تناول وسائل الاعلام للقضايا الداخلية العربية التي يتضح منها أن الغاية هي اطلاق أوديب الجماعي الذي سيقتل أباه ويتزوج أمه..دون أن يكتشف ذلك في الوقت المناسب لاجراء مراجعة ..ولوحظ أن الثورات العربية كلها خضعت للتوجه بالريموت كونترول رغم أن كثيرا من المحتجين في البداية كانوا يعتقدون بحسن طويتهم أنهم ثوار ..ومايدل على أن (أوديب) تتحكم به أصابع خفية لابد من ملاحظة أن كل اسباب الثورة والتمرد كامنة في الخليج العربي والسعودية فهناك خزين هائل من التناقضات والفساد العائلي وهناك غياب للاستقلال الوطني عبر احتلال مباشر عائلي وعسكري غربي ..وهناك في السعودية وقطر حكم قروسطي غياب برلماني مطلق وحضور للفساد العلني ومع هذا ظل أوديب السعودي والقطري نائمين حتى اشعار آخر على الأقل لأن الجلسات النفسية الأوديبية فقط "للجمهوريات" التي تريد أميريكا اعادة خلط الأوراق فيها وتتويج قوى اسلامية تقضي على العلمانية الباقية لدى العرب .. وتفتح جحيم التناقضات الدينية والمذهبية وترفد الرثاثة الفكرية الدينية في الخليج وفتاوى ارضاع الكبير وبول النبي واطاعة أولي الأمر وغيرها  ..فقامت الثورة في مصر لتقصي المومياء مبارك وتأتي باسلاميين يقلدون النموذج التركي عضو الناتو وحبيب اسرائيل ..فيما بقي قانون الطوارئ فيها وبقيت غزة محاصرة وبقيت كامب ديفيد وظهر المرشحون لخلافة مبارك ..وكلهم يظهرون فروقا بسيطة عن مبارك سيقودون 30 عاما آخر من الخديعة..وفي ليبيا عاد أبناء قاعدة ويليس الى قاعدة آبائهم وعاد غراتزياني (برليسكوني)...الى أرض سيدي عمر..فهل سيقف الثوار يوما كما وقف أوديب وتفقؤون عيونهم وهم يقولون: ستظل عيوننا في الظلمة فلا ترى من كان يجب ألا تراه، ولاتعرف من لانريد أن نعرف بعد اليوم، حتى لاترى الشمس المقدسة إنسانا دنسا فعل أكثر الجرائم بشاعة"

 

2011-08-28

 

 الخلايا النائمة في سوريا


سمعنا كثيرا بمصطلح "الخلايا النائمة" الذي اجترحه فريق جورج بوش وكانوا يعنون به خلايا القاعدة والتي من أجل هذه الخلايا النائمةالتي لم تستيقظ - ولن تستيقظ أبدا- لأنها اختراع ووظيفة لاستخدامها للنظر الى كل المسلمين في الغرب على أنهم خلايا نائمة. والحقيقة أن الخلايا النائمة تبين أنها تلك التي زرعتها المخابرات الأمريكية في مجتمعاتنا فالخلايا النائمة تبين أنها كل أفكار الطائفية التي زرعت في كل الرؤوس في الشرق حتى بدأ هذا الشرق يغلي بمهاترات السباب والشتائم للشيعة والسنة والمسيحيين وصرنا مضطرين لسماع سخافات المدافعين عن أمهات المؤمنين والصحابة وآل البيت والأئمة وعن كل شاردة وواردة في تاريخ المسلمين الكثيف بالنزاعات من عيار داحس والغبراء...والجمل..

لكن أم الخلايا النائمة التي استيقظت وأطلقت خلاياها السامة كانت (محطة الجزيرة) التي خدرتنا عقدين من الزمن وهي تهدهدنا على نكهة الأفيون والمورفين الى أن نمنا في سريرها ومخدعها نتزوجها كل يوم وتتزوجنا كل يوم فغفلنا عنها فنهضت من نومها في فراشنا كدراكولا القاتلة لتغرس أنيابها في أعناقنا جميعا...من أجل هااااااااااذه اللحظة التاريخية ..

من أبناء هذه الخلية النائمة الابن البار عزمي بشارة الذي أعطانا المورفين بمذاق عربي لكن السم كان من تل ابيب ..وقد أغلقنا آذاننا عن كل الناصحين ومن بينهم الكاتب يحي أبو زكريا الذي نبهنا الى هذا الكاتب الأجوف المحشو بالموسادية والسادية.. ومن هذه الخلاياالنائمة هيثم المناع وبرهان غليون وهيثم المالح وعبد الباري عطوان وكل هؤلاء الذين سقطوا أمامنا عراة كما خلقهم ربهم، فهم يحرضون السوريين على الاقتتال ويبكون على ضحايا النظام ولايعنيهم على الاطلاق قتلى الجيش والعنف الذي أطلقه شبيحة حقوق الانسان والحرية ...ناشطون في حقوق الانسان ولايرون الا نصف الضحايا ...فتأملوا الناشطين العوران يارعاكم الله.. والآن الى السؤال المهم: ماذا تريد هذه الخلايا النائمة في سوريا؟

الجواب بسيط: الكل يعرف أن معظم مناطق سوريا لم تستجب لكل التحريض والترهيب وكان أقصى ما فعلته الخلايا النائمة المثقفة (العزامية والمناعية والغليونية والعطوانية... الخ) هو اطلاق تحركات احتجاجية بعدة آلاف في ستة مدن سورية لكنها كانت كافية لتصورها الجزيرة ( أمّ الخلايا النائمة) على أنها ثورة كل السوريين ...هكذا يريدون جرنا بملايين السوريين الى خيار مجموعة صغيرة في سوريا صادرت منا الشارع والحرية والقرار والحياة والمستقبل...والكل يعرف أن الدولة لو أرادت سحق هذه المجموعات لفعلت ..

ولذلك انطلقت المجموعة الثانية من الخلايا النائمة من القتلة والدمويين الذين رأيناهم والذين يستحي السيد مناع وغليون من التقاط صورة تذكارية معهم بالتأكيد أو حتى من الظهور علنا على الشاشات للدفاع عن تلك الأشكال التي تقول أنها لاتحتاج لدليل على حيوانيتها واجرامها وتحتاج الى مصحات نفسية وعلاجات والى سجون حصينة .. وهذه المجموعة أطلقها من أطلقها من رجال بندر والمستقبل فيما المناع والحقوقيون ينشدون لها أناشيد الحماس وذلك لاستدراج السلطة في سوريا لسحقها بعنف فهذه المجموعات حسب الأدلة المتاحة من شهودنا العيان تستفز كل رجال الأمن والجيش في محاولة للاشتباك الناري وعندما يفشل الاستدراج للعنف تستل الأسلحة وماكينات النار لتقتل العسكريين الذين يضطرون للاشتباك...وبالطبع المخططون في الخارج يعرفون تمام المعرفة بمن فيهم المنشدان والمطربان الحقوقيان المناع والمالح أن ميزان القوى مختل بشكل ساحق لصالح الجيش والسلطة وأن أية مواجهة ستنهي التمرد المسلح 100% لكنهم يريدون أن يقوم الجيش بقمع هذه العناصر بالقوة والعنف الدموي ليتورط بمجزرة يقوم مخرجو الجزيرة والهواتف النقالة ببيع دماء هذه المشاهد للعالم لكي يتم التشنيع بها على النظام كما ظلت حماة نقطة ارتكاز في التشنيع على الرئيس حافظ الأسد وبالطبع سيتم استثمار هذه الدماء التي سالت من هؤلاء القتلة لابتزاز السلطة السورية في قرارات عزل وحصارات ومحاكم جنائية .. اي ان المنشدين الحقوقيين يعرفون ان من يقاتل الآن ميت لامحالة وهم يقدمون هذه الضحايا كالقرابين الرخيصة التي ستساعد موقفهم التفاوضي مع السلطة لاقتسام الغنائم ..لكن ماسيحصل أن المفاوض الحقيقي هو فيلتمان وفريق الادارة الأمريكية الذين لن يكون لهم سوى طلب واحد هو: أمن اسرائيل والتوقف عن مساعدة المقاومين لاسرائيل.. الأغبياء في المسجد العمري يذبحون أنفسهم من أجل مفاوضات فيلتمان والسلطة ..السلطة بالتأكيد تستطيع بيع الكثير من الأوراق مثلما وافقت على الايعاز للسنة العراقيين للمشاركة في العملية السياسية والانتخابات النيابية مقابل تأجيل ملف الحريري الذي تمت مقايضته مع الأمريكين وبالتالي باع الأمريكيون دم الشهيد العظيم الحريري مقابل أصوات السنة العراقيين الذين أعطيت لهم الاشارة من سوريا بالمشاركة بالعملية السياسية العراقية كي يقدمها بوش لشعبه قبل انتخابات الكونغرس على أنها تقدم سياسي في العراق الذي تحرر.. يعني أيها الأغبياء أتباع الصياصنة سيتم بيعكم على طاولة مفاوضات في قصر الشعب...سيأتي فيلتمان بدمكم ويضعه على الطاولة ويقول لبشار الأسد كم تشتري يا سيادة الرئيس؟ تستطيع الدفع لنا في لبنان أو غزة او العراق...اي ان الصياصنة واتباعه سيكونون صيصانا للبيع في السوق فيما ينفخ فيهم المناع وهو من ابناء جلدتهم وهو يعرف تماما انهم ضحايا عملية سياسية ..اي ان المناع شريك في عملية البيع والشراء ولو كان حريصا على ثواره الميامين لقال لهم: لقد حصلنا على شيء فلنتابع المفاوضات لحماية بلدنا وحمايتكم ...لكنه يريد أن يصبح قائد ثورة بأي ثمن وهذا لن يكون..

وبعد هذه النهاية الحزينة لثوار الصياصنة سيأتي من قلب الحقوقيين من يفتي بأن الأسد كان عليه بالحسم لمصلحة البلاد كما أفتي الكاتب غسان الامام على أعمدة جريدة الشرق الأوسط "بأن حافظ الأسد فعل خيرا بالحسم في حماه ولو زعل الحمويون مني"..بالطبع غسان الامام الأن من منظري الثوار وبعد عقد سيخرج هو وغيره من الحقوقيين ليقولوا: لقد كان خيرا أن حسم بشار الأسد في درعا ولو زعل مني الدرعاويون!!.

لم تعد قلوبنا تستجدي الرحمة لأحد فاشخاص يبيعون أبناء بلدهم في حقوق الانسان رغم معرفة أن التمرد ميت لامحالة هم خونة لكل السوريين .. وأشخاص مثل الصياصنة الذي جلس للرئيس الأسد فأعطاه الرئيس كل ماطلب فخرج علينا على التلفزيون بوقاحة لاتحترم حتى مقام الرئاسة الرمزية فيتحدث عن الرئيس كأنه رجل في السوق ..ويكذب علينا بأنه طلب من الشباب عدم التظاهر لأن الرئيس أعطاهم ماأرادوه لكنه يعود لمسجده ناكثا عهده والأمان الذي أعطاه والميثاق والعهد الذي قطعه ليوزع المال والسلاح وفتاوى الموت...تبا لهذه الثورة التي باتت بلا أخلاق ولاترى الا ما يراه هذا الصياصنة..وهو بالطبع لايرى.

ولذلك ياشباب سنقول كلمتنا: هذه ليست ثورة درعا ولاالسوريين ..هذه ثورة فيلتمان وبندر والصياصنة .. والثورات التي تفتقد الشرف والنزاهة والاخلاص لابنائها تستحق البيع في سوق النخاسة..واذا كان الحل بالاستئصال فليكن.

تعقيب وملاحظة: سأوفر عليكم السباب .. أنا عميل للنظام المخابراتي ولاأرى مجازره وقليل الوطنية وسافل وكل ماتريدون ...لايهم ماستكتبون لأنني لي أمّا هي من تحزن عليّ وسأحزن عليها اسمها سوريا.. وأبا اسمه قاسيون.. وحبيبة اسمها دمشق ..وأختا كبرى اسمها حلب واخوات اسماؤهن طرطوس ولاذقية وحمص وادلب والرقة وديرالزور قنيطرة وحسكة وسويداء ولي عدد من الاخوة ..واحد اسمه حوران وواحد اسمه جبل العرب وواحد جبل العلويين وواحد اسمه جبل البشري ..ولي جد عظيم اسمه سلطان باشا الاطرش.. واعمام واخوال منهم صالح العلي وابراهيم هنانو وحسن الخراط ...ولاصلة لي بالشقفة والبيانوني ومناع وغليون وصياصنة فهؤلاء من أقارب آل فيلتمان.

بقلم الرائعنارام سرجون.

 

كوابيس فرانز كافكا وفضيلة الشيخ برهان غليون

 

 الأربعاء 9 / 11 / 2011 - 09:33 مساءً 

عندما أطل برهان غليون فجأة صبيحة العيد وعلى غير توقع وانتظار وثبت اليّ من اللاوعي والعقل الباطن رواية فرانز كافكا بعنوان (المسخ) ..التي عرّفتني على شخصية مطابقة لشخصية السيد برهان غليون، وأحسست أن أقدار هذا الرجل وأقدار بطل رواية "المسخ" لكافكا هي (فولة وانقسمت نصين).. من يقرأ قصص كافكا الشهيرة يصاب بالدهشة من حجم التطابق بين سيرة حياة برهان غليون الكابوسية وأبطال شخصيات كافكا الكابوسية..ويدرك الناقد أن كافكا كتب بالرمز عن أسئلة الوجود الكبرى عبر أشخاص في الحياة يعيشون بيننا بشكل يومي ..ولاأدل على ذلك من تطور والتواءات حياة برهان غليون..

وفرانز كافكا هو أحد أشهر كتاب القصة ورائد الكتابة "الكابوسية" السوداء.. وبالطبع لاأريد تحقير السيد غليون بتشبيهي له ببطل رواية "المسخ" فليس من الأخلاق تحقير الناس مهما اختلفنا معهم .. لكن سيرة وانعطافات غليون الغريبة في الحياة لاتجد لها شبيها الا قصص كافكا الثقيلة كالكوابيس السوداء .. فحياة غليون تكاد تكون مستنسخة تماما من أبطال روايات كافكا ..أتمنى من كل قلبي ألا تنتهي حياة غليون تلك النهايات المأساوية المؤلمة لأولئك الأبطال المأزومين المهزومين لكافكا

في رواية "المسخ" التي ذكرني بها غليون .. يستيقظ (غريغور سامسا) في أحد صباحات أيامه ليكتشف أنه قد تحول إلى حشرة ضخمة كريهة خلال نومه في الليل ..ويصعق غريغور عندما يكتشف أنه صار صرصارا ضخما.. ولأنه أصبح الآن حشرة كريهة مقيتة مقرفة فإن أهميته بالنسبة لعائلته قد تلاشت تماماً...ولذلك نراه خلال الرواية بكاملها وهو يحاول التواصل مع أبيه وأمه وأخته .. لكن بلا أمل تقريباً لأن الجميع كان قد تخلى عنه.

الرواية التي تجري أحداثها في غرفتين فقط تلقي أمام القارئ بتساؤلات حادة عن وجود الإنسان في هذه الحياة؛ الإنسان الذي وجد نفسه فجأة في عالم ليس من اختياره... تماماً مثل (برهان غليون الذي تحول إلى مخلوق كريه بشكل مفاجئ من دون أن يمنح فرصة اختيار قدره الخاص ..ولم يعد قادرا على التواصل مع السوريين الا من خلال غرفتين (الجزيرة والعربية) ..بل انه لايستطيع انجاز التواصل مع مجلسه الانتقالي الا من خلال غرفتين (الدوحة واستانبول) ... قدر اختاره له عزمي بشارة وحمد وأردوغان وساركوزي ..

غليون الذي أراد يوما أن يكون عالما تنويريا ضد التدين انتهى به المطاف لأن يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه فجأة زعيما للاخوان المسلمين ووصيفا في مملكة العرعور ..ومن لقب بروفيسور يتحول بالتدريج الى فضيلة الشيخ برهان غليون الذي يتحول بالتدريج الى مايشبه الرئيس الأفغاني السابق برهان الدين رباني .. ألا يشبه هذا التحول الكابوسي في حياة أي انسان الاستيقاظ صباحا ليجد نفسه ..حشرة كريهة ضخمة..

وبالرغم من تشابه غريب بين شخصية برهان غليون مع بطل قصة المحاكمة (جوزيف ك) وبطل قصة (القلعة) (مستر ك) لكافكا ايضا فانني لن أتطرق اليهما لنهايتيهما المفجعتين الكابوسيتين وسأترك لكم مهمة التمتع باكتشاف شخصية رئيس المجلس الوطني السوري الانتقالي عبر مقارنته بأبطال قصص كافكا الذي يتحدث وبشكل غريب وكأنه يتنبأ لنا بظهور شخصية برهان غليون ..وخاصة في كابوسية (القلعة) ..

مأساة برهان غليون أنه بدأ معارضته بسذاجة معتقدا ان السياسة تشبه الحكايات والروايات في أسطوريتها وأحلامها.. وأن الثوار يمكن أن يستحموا بآبار النفط .. وأن الأوطان تنسج خارج الحدود .. وأن مجلس الأمن جمعية خيرية ..وأن الجامعة العربية هي دار الندوة في قريش حيث مواثيق الشرف وحلف الفضول (أول برلمان عربي) .. وبدا أن من يحيط بغليون قد أكلوا بعقله حلاوة وخدعوه في البداية واستدرجوه الى لعبة خطرة وقذرة .. وأقنعوه أن التاريخ يريد أن يصافحه ..فاستيقظ ذات صباح ليجد نفسه تحت الأضواء يخلع عليه لقب الرئيس ..ويلقي خطاب العرش .. وخطبة العيد..

لكن برهان الذي بذل جهدا خارقا في ظهوره السينمائي "الرئاسي" صبيحة العيد كان جامد الوجه يقرأ خطابه بصوت فيه بحة خفية رغم جهده لاظهار تناغمات صوتية تم تدريبه عليها من ارتفاع الصوت الى انخفاضه لنقل تأثير الكلمة للمتلقي .. ولكن كان في خطاب غليون حزن خفي وخيبة أمل حاول أن يظهر أنهما وقار وجدية .. ومن يقرأ خطاب غليون ويتجول بين كلماته يعرف أن الرجل لم يعد الا رجلا منوما مغناطيسيا وأنه يعيش ضغطا نفسيا هائلا .. حتى أنه لم يستطع مواصلة تصوير خطابه دفعة واحدة بل ان الخطاب الذي استمر 8 دقائق فقط تم تقطيعه على الأقل عشر مرات .. مرة صورة قريبة ومرة صورة بعيدة لاتفسير لها في هذا النوع من الخطابات ذات الرسائل الثورية والوعظية الا بسبب اعادة التصوير في كل مرة يتوقف فيها برهان غليون عن القراءة بسبب تلعثمه وسوء أدائه الناجمين عن الضغط النفسي والقلق على مشروعه ..وأسرار بدأت تتكشف له ..ومساومات لم يسعفه عقله في الانتباه اليها الا متأخرا...وبدا في الخطاب أنه أعطي بعض المهدئات فقد قلل من حركات رأسه المألوفة ولم تتحرك يداه بشكل عفوي .. واذا لم يكن ذلك بسبب أدوية مهدئة فان لغة الجسد تشي لنا أنه مستسلم ويائس..وان كان الناصحون حوله قد أشاروا عليه بالرصانة الشديدة فان تلك الرصانة قد سيطرت على العفوية المطلوبة في خطاب للجماهير السلفية التي تنتظر قائدها الجديد

وبدا ذلك في تصريحاته اليائسة بالأمس لصحيفة الشرق الأوسط السعودية حيث قال بمرارة بأن الجامعة العربية بدت فاشلة وعاجزة ودعا الى وقف الاستثمارات الخليجية في سوريا كنوع من العقاب ..فيما طالب العرب متوسلا ان ينقل الملف لمجلس الأمن

مايلفت النظر أن غليون في خطابه "التاريخي" قد ارتكب هفوة وخطيئة لايجب أن تمر مرور الكرام .. فقد وضع الى يساره العلم السوري الرسمي وليس علم الثورة السورية بنجومه الثلاث وألوانه المختلفة.. وبدا أن هناك عدم تناغم وانسجام بينه وبين مجلسه الذي يفرش دائما علم الثورة (بنجومه الحمراء الثلاث) ويوزع أعلام الثورة على المظاهرات فيما غليون لايزال محتفظا بالعلم الرسمي دون تبنيه علم الثورة في كل مقابلاته تقريبا .. الثوار اذا لايستطيعون حتى الاتفاق على شكل العلم وصار لهم علمان ..علم اعتمده الشيخ غليون وعلم اعتمده شيوخ المجلس الوطني الانتقالي ..ربما لأن غليون يعبّر عما تحت شعوره في اللاوعي فهو يدرك أن علم الثورة ليس له أمل .. وأن العلم الحالي هو الباقي ..وربما أن قلة الخبرة الواضحة منه ومن فريقه الخاص لم تعر العلم الجديد اهتمامها.. أو أن فضيلته بالفعل لايعرف العلم القديم من الجديد كونه مواطنا فرنسيا ..ولايهمه ان كان علم سوريا قديما أم جديدا أم غترة القرضاوي أو عرعور..ونجماته الثلاث هي شنبات حمد وبشارة وأردوغان ..

العارفون باحباطات فضيلة الشيخ برهان غليون يعرفون أنه يعاني من الاكتئاب فقد تلقى توبيخا قاسيا وهجوما عنيفا من معارض غاضب آخر هو مأمون الحمصي الذي وصفه بالتقلب والانتهازية وعدم الثقة ..وعاب عليه عدم الطلب العلني والمباشر بالتدخل الدولي لحماية المدنيين.. رغم أن غليون لايستطيع مصارحة الحمصي أن حكاية التدخل الدولي ليست بيده وأن الناتو لاينتظر أوامره بل انه هو من ينتظر أوامر الناتو بالايعاز بطلب التدخل لأن الناتو ببساطة ليس جاهزا لذلك .. 

كما أن الاتهامات بالخيانة تنهال عليه من هيثم المناع وبعض أعضاء مجلسه .. وهناك تأنيب متواصل من معلمه عزمي بشارة الذي لايكف عن التذمر منه ومن قلة امكانياته ومزاجيته..عزمي الذي لن يغفر لغليون وصفه له في مجالسه الخاصة (بالنرجسي المتسلط والمنظّر الثرثار) ويكثر من الشكوى منه عبر وسطاء يبلغون رسائله المتلاحقة لأمير قطر ..وكانت احدى الرسائل الوسيطة عبر داود أوغلو ..الذي طلب من أمير قطر أن المطلوب في هذه المرحلة أن يسمع الثوار السوريون كلاما كثيرا من غليون والقرضاوي وكلاما قليلا جدا من عزمي

بشارة .. وعليه أن يمنح عزمي اجازة لبعض الوقت ..حتى تحين المرحلة المقبلة

وبالعودة الى كوابيس كافكا ألا تعتقدون ان الشعب السوري يعيش كوابيس كافكا بشكل مقلوب؟ فقد استيقظ السوريون فجأة ليجدوا أنفسهم محاطين بالحشرات الكريهة الضخمة .. ولاأدري ماذا يمكن أن يكون حمد الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟. وماذا يمكن أن يكون أردوغان الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟..وماذا يمكن أن يكون عزمي بشارة الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ ..وماذا يمكن أن يكون القرضاوي الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ ..وماذا يمكن أن يكون عبد الباري عطوان (الذي ساوى بين مقاتلي حماس وحزب الله وبين القتلة في حمص من الارهابيين ووصفهم ب"المقاومة" في حمص) الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ .. وماذا يمكن أن يكون عدنان العرعورالا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ .. وماذا يمكن أن يكون الشيخ برهان غليون الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ ..بل ماذا يمثل لنا مذيعو الجزيرة والعربية وأعضاء المجلس السوري الوطني الانتقالي سوى تجمع لكوابيس فرانز كافكا وأبطاله المسوخ المأزومين ...الذين استيقظنا فجأة لنراهم يتكاثرون ويصرون الصرير ..هل تعرفون ماهو الصرير؟؟

بل أليست أم الكوابيس أن تستيقظ عزيزي القارئ وتجد كل هؤلاء يحيطون بفراشك ويحدقون في عينيك مبتسمين وهم ويقرؤون الفاتحة التي كتبها لنا برنار هنري ليفي .. كابوس مرعب بحق تعجز مخيلة كافكا عن تصوره.

 

 

 

 

العمامات الثائرة تصالحني لله.. وتسقط الرؤوس النووية

 

    أنا لاأحب العمامات التي تقف على أعتاب الملوك والأمراء والتي تصنعها العلاقات وقرارات الكبار والمراسيم والارادات الملكية، لأن العمامات التي عاشت في كنف “الخلفاء” كانت تسبق السيوف الى الفتن، ولأنني عرفت في التاريخ “وعاظ السلاطين” وأعرف مافعلوه بنا وبعقولنا وأقدارنا كبشر .. وأنا لاأومن برجل دين يتدلى على صدور الملوك والأمراء والرؤساء كما تتدلى الأوسمة والنياشين والزينات.. ولاأومن برجل دين يستظل بظل أمير أو ملك أو رئيس ولا يستظل بظل الله يوم “لاظل الا ظله” ..كما يفعل القرضاوي المستظل بالجزيرة وظليل حمد ..وقاعدة العيديد..

 

    وأنا لاأحب أصحاب العمامات الرسمية لأنهم كانوا دوما نسخا عربية من سايكس-بيكو يمزقنا، فلا فرق بين السير مارك سايكس والمسيو جورج بيكو وبين أي صاحب فتوى لئيمة بالقتل والتكفير بين الناس في وطن واحد.. وكما رسم سايكس وبيكو الحدود على جسد واحد وقطعوه بالانتداب .. فان أصحاب العمامات الرسمية ومن عاش في كنف الخليفة رسموا نفس الخطوط على نفس الجسد الواحد وقطعوه بالفتاوى .. مثلث العمامات التي تلتف حول أعناقنا وحياتنا هذه الأيام والممتد من الدوحة الى الحرم المكي الى الأزهر الشريف هو مثلث العمامات التي تسيّج القصور وتحاصر العقول وتتلون بالدم الأحمر القرمزي .. وهي التي تتعطر بالنفط وتتمطى على وسائد الدولار.

 

عمامة مفتي الديار المصرية الذي رحل “سيد طنطاوي” مثلا كانت كالعصابة على عينيه وأذنيه فلم يسمع بحصار غزة ولم يسمع قصف “الرصاص المصبوب” على غزة ولم يسمع أنين المحتضرين على عتبة مصر ..بل وصافح شيمون بيريز بيديه الاثنتين ولم يعرفه كما قال ..فيما عمامة خليفته الطيب لاتجتهد الا من أجل دماء السوريين ..بل وتجشمت عمامته وعباءته عناء اصدار بيان من نار ..ضد القمع في سوريا وتعاطفا مع ضحية واحدة .. واعجبي من عمامتك ياسيدي الأزهري!! دماء عشرات آلاف الليبيين والفلسطينيين الساقطين بقذائف الناتو واسرائيل ألا تستدعي منك سوى التثاؤب؟؟!!..

 

أما عمامة القرضاوي فمنقوعة بالدم الذي يتقطر منها على كتفيه ..دم الليبيين ودم السوريين ودم كل المسلمين المغرر بهم..وسيغرق هذا القرضاوي بهذا الدم يوما..وسيتغرغر به ويستحم به ساخنا كما يتغرغر الآن ويستحم بفتاوى الموت الساخنة ..صباح مساء ..

 

و عمامة الشيخ العرعور تجعلني أتساءل عن ماتحت هذه العمامة الدينية من جحيم الجنون والتي لاتخفي تحتها سوى قلنسوة حاخام يهودي مترامية الأطراف تتدلى حتى الكتفين ..لأن من يدعو للفتنة في بلد مسلم لايلتقي الا مع الأحبار .. أحبار اليهود ..ولأن من يدعو للموت في سورية وطنه لافرق بينه وبين موشي دايان الذي صنع لبلد آمن أمين ..كارثة بحجم كارثة حزيران .. ولافرق بين تعليماته على “وصال” وبين تعليمات التلمود في أية مدرسة دينية يهودية في القدس المحتلة..

 

و عمامات السعودية هي العمامات التي تغطي رؤوسا كالقنابل الذرية لأن من يفتي بقتل ثلث السوريين لافرق بين رأسه وبين رأس نووي .. وهذه “الرؤوس النووية” التي تملكها السعودية هي التي جعلت رساما غربيا لا يرى في هذه الرؤوس الا نتاج نبينا (ص) .. ونبينا صاحب أعظم صيحة تسامح وغفران (اذهبوا فأنتم الطلقاء) في عليائه غاضب من فقهاء السعودية ووجهه محمر (كأنما فقئ فيه حب الرمّان) كما كان يقال عندما يغضب..

لكن ثلاث عمامات صالحتني مع الله الذي صادرته مني عمائم الدم في الدوحة وعمائم الرؤوس النووية في الرياض والعمائم المتثائبة في الأزهر الشريف ..نعم تصالحت مع الله .. ومع المحبة ..ومع الاسلام الذي صادره قرضاوي ولحيدان والطيب وطنطاوي وعرعور وكل أفاق زنيم ..هذه العمامات الثلاث هي عمامة الشيخ الشهيد أحمد ياسين .. وعمامة السيد حسن نصر الله .. وعمامة الشيخ أحمد بدر الدين حسون التي دخلت يقيني فجأة وانسابت في قلبي كما تنساب الخواطر عبر كلمته المؤثرة في تأبين ولده سارية ..

هذه عمائم متصلة بعمامة صلاح الدين وعمامة محي الدين بن عربي وعمامة عز الدين القسام عبر الزمن ..وعمامات ياسين ونصر الله وحسون كلها قدمت أغلى مافي الكون .. النفس أو الابن ..من أجل موقف ووطن ومبدأ ..

نعم، انتقل الشيخ أحمد بدر الدين حسون من مرتبة المفتي الرسمي للجمهورية الى مرتبة “مفتي القلوب الثائرة” ..ان كلمته في تأبين ولده الذي اغتالته كتائب “الثوار” دون وجه حق، جعلتني أتصالح مع العمائم الرسمية بعد أن كفرت بها ..فأنا لم أكن أمام مفت عادي .. ولم أكن أمام واعظ للسلطان .. ولم أجد عمامة من قماش بل عمامة منسوجة من صبر وقوة واسلام .. وكأنني كنت بالأمس أمام ثائر من الثوار الأوائل ..وأمام مؤمن ثائر .. وأمام رجل كأنه تحدر الينا من جيش خالد بن الوليد..الذي دخل الشام ولم يخرج منها .. والذي يريد جيش هرقل (الناتو) أن يعيده الى حضرموت.. ولكنه تحدى عملاء الناتو وأصر على يقطع صحراء الشام كما جيش خالد الظمآن دون توقف، وقد عبر المفتي صحراء الشام بصوته المتأثر بجرح قلبه .. وجرح الوطن ..وجرح الاسلام من ثوار اسلام الناتو..فوصل صوته الينا..

 

من منا لم يستمع مهزوما برجولته أمام رجولة الشيخ أحمد بدر الدين حسون .. المفتي المكلوم بفلذة كبده؟ .. ومن منا لم يستمع اليه مقطبا حاجبيه مرتعشا من تأثره؟ .. انني أستطيع اعادة كلمة المفتي عن ظهر قلب كلمة كلمة منذ أن سمعتها في المرة الأولى.. لأنها وصلت الى قلبي الذي ارتجف واهتز مع اهتزاز كلمات الرجل الحزين التي هدرت وهي تغادر حنجرته مبللة بالدمع على فراق حبيب ..وأنين وطن ..ومبللة بالشكوى الى الله

لم يفكر سوري واحد بمذهبه ومذهب أبيه وأمه وهو يستمع للشيخ حسون .. ولم يتذكر مسيحي واحد أنه يستمع لرجل دين مسلم ..بل كنا جميعا نستمع لصوت أب جريح .. وصوت مؤمن بقضاء الله ..وصوت وطن يزأر .. وكان في صداه صوت خفقان لراية كبيرة ملونة “بالأحمر والأبيض والأسود .. وفيها نجمتان” ..

الآن ينتمي الشيخ حسون الى قائمة الأبطال الذين يقدمون الأبناء ولايندمون .. وينتمي الى ثقافة أسماء بنت أبي بكر، وفارسها الذي لايترجل، والشاة المذبوحة التي لايهمها السلخ .. وحزنه على سارية أسمعني صوت جده الصحابي العظيم عمر بن الخطاب وهو يقول: ياسارية الجبل الجبل ..لأن شيخنا المفتي الكريم كأنه كان يقول في حزنه الغاضب وغضبه الحزين: ياسارية ..الوطن الوطن..

أيها المقاتل الكبير أحمد بدر الدين حسون ..تقبل احترامي وتعازي .. وتقبل 23 مليون دمعة ومعها …تعازي ودمعتي

    نارام بن آرام سرجون

 

 

غليونيات ثورية من “ايباك” عند انطلاق الهجوم السوري المعاكس

ديسمبر 7, 2011غليونيات :من مهارات السياسة هي أن يتم تحويل الأزمات الى طاقة تجديد واحياء.. وأن يتم تحويل كل سلاح عليك الى سلاح معك وبيدك.. السياسة السورية تثير الأعصاب أحيانا بغموضها والتزامها الصمت لكن هذا الصمت الذي استعمل ضدها كان سلاحا بيدها أيضا.. واستطيع بكل ثقة أن اقول أن كل الأسلحة والأوراق التي استخدمها محور العرب والناتو قد تم تعديل مساره ليتجه بالاتجاه المعاكس.. المسألة مسألة وقت فقط وقدرة على الصبر..

في دراسة الأزمة كان السياسي السوري ينظر الى الأزمة على أن فيها مركبا خارجيا مهما جدا وأن المعارضة هي مجرد روبوتات مبرمجة.. المركب الخارجي كان مكونا من ثلاثة مكونات:
1 –
المكون الغربي (وضمنه الاسرائيلي الخفي) وهو المحرك الأهم والبلدوزر وخزان الأزمات والأفكار والقرارات الكبرى.
2 –
المكون العربي الخليجي وهذا المكون قد تصدت قطر لتزعمه بالرغم من أن الدينمو الرئيسي هو السعودية التي نأت بنفسها عن الظهور في الصف الأول الذي قرر أن يلاقي النظام السوري في المعركة.. واختيار السعوديين للجلوس في الصف الثاني وترك الصف الأول لقطر ناجم عن أمرين الأول هو عدم يقينهم من نجاح المشروع وبالتالي ترك المجال مفتوحا أمام المصالحة مع النظام في المستقبل .. والثاني ادراكهم لنقطة ضعف المملكة في وجود أقليات لديها قد تنطلق ثورتها بسبب القمع والضغط لتحاكي الثورات المحيطة بفعل عامل تحريك خارجي (ايراني) ردا علي السعودية ان قادت عملية التغيير في سورية..
3 –
المكون الثالث: تركيا وهي أهم لاعب لأنها ستكون المحرك المعنوي والحاضن الفكري والعسكري للاسلاميين الجدد

 ..

الدولة السورية قامت بالتركيز في بدايات الأزمة على قاعدة عدم استفزاز الخصوم في المرحلة الاولى التي لم تتبين فيها التحالفات وتفاصيل المؤامرة والمعلومات الكاملة عن تكتيكاتها والعمل على امتصاص الصدمات .. والأهم العمل على عدم انجراف الشارع السوري وراء أوهام الحرية والديمقراطية الطالبانية والخدع السينمائية واستفزاز المشاهد المؤثرة التي لايعرف مصدرها .. لأن المؤامرة كانت تعتمد جدا على الأشهر الثلاثة الأولى لانجاز تغيير حاد في المزاج العام وانفراط في اجماع المجتمع على الثوابت الرئيسية وهي السلام الاجتماعي والتسامح وكرامة البلاد على المستوى الدولي، والمحافظة على انجازات الدولة السورية والمجتمع السوري في الساحة الاقليمية كحاضن للرفض وكمستودع للمقاومة والأهم كماصّ للصدمات الكبرى المتجلية في انهيارات اجتماعية خطيرة في المحيط مثل الانهيار العراقي والاهتزازات اللبنانية المتكررة ..

تم توصيف الوضع وخريطة التحالفات والوضع الوظيفي الحقيقي للقوى المشاركة في المؤامرة .. فكان ينظر الى قطر على أنها تشكل اعلام الثورجية الرئيسي فيما هي الى جانب السعودية كانتا الخزان الاقتصادي للمشروع الضخ للأموال الهائلة.. أما تركيا فكانت هي الأهم لأنها شكلت الأنموذج المعنوي والفكري للتجربة الاسلامية في الحكم وبالتالي الدافع النفسي والزخم ..كما أن تركيا شكلت الدجاجة التي تنام على البيض الاسلامي والأم الحنون باستضافتها للنشاط السياسي الاخواني ..الخطر في تركيا أنها قدمت الغطاء المفيد عالميا للاسلاميين فقد ظهروا انهم نسخة عصرية وبنكهة تركية بعيدة عن التطرف وكان هذا ضروريا للمكون الغربي الذي لايستطيع أمام جمهوره الوقوع في التناقض بحيث يدعم حركة اسلامية متطرفة فيما هو لايزال معنيا بمحاربة الاسلام في أوروبا والعالم ..وكانت الاشارة الى أن الحركة الاسلامية في المنطقة نسخة عن التجربة التركية الهادئة المهدئة ..ولعل أخطر مافي تركيا هو قربها الجغرافي وملاصقتها لسوريا مما شكل عاملا خطرا اضافيا لجعلها منصة عسكرية للتمرد كما بدا لاحقا ..ويمكن أن تكون منصة عسكرية مريحة جدا للناتو..

في حسابات السلطة في سوريا الوضع حساس وخطر والمشروع الخارجي لاسقاط الدولة والمجتمع السوري متكامل العناصر لضمان نجاحه اعلاميا وماليا وعسكريا ومن خريطة التحالفات .. والحل الذي تم تداوله في الهرم القيادي كما يبدو هو ترتيب الأولويات للتمهيد لاختراق المشروع كليا في المرحلة التالية..والأهم هو خلق مشروع آخر بسرعة يشكل الهجوم المعاكس ويكون متناقضا كليا مع مكونات المشروع الناتوي العربي التركي الناضج الذي تبين أنه تم اعداده بهدوء واتقان منذ معركة عام 2006 في لبنان .. ومنذ أن وصف الأسد كل من تآمر على المقاومة بأنصاف الرجال ..

في دراسة المشروع وترتيب الأولويات ظهر أن القيادة السورية قد صنفت العامل الخليجي والقطري على أنه ثانوي وأنه ذو تأثير محدود في غياب العامل التركي الذي تقرر تصنيفه على درجة عالية من الخطورة ..أي تم وضع العامل التركي على سلم الأولويات وتمت دراسته بدقة متناهية ..للوصول الى نقطة الاختراق الرئيسية …سقوط العامل التركي سيجعل بقية المكونات كعربة بلا عجلات ..محركات ضجيج وحرارة لكن مع شلل تام..

في دراسة العامل التركي تبين أن اختراق نقاط ضعف العامل التركي هي جغرافية واقتصادية وداخلية ..وكان من المهم استثمار هذه النقاط الضعيفة بسرعة وهذا لم يكن بالهين في الاطار الزمني المتاح والقصير جدا
..
امام تطورات الأزمة وتفاعلاتها المتلاحقة واستعجال أطرافها الخارجيين على استثمار كل لحظة ..

استفاد السوريون من القلق الروسي والايراني تجاه تركيا وعرض الروس والايرانيون كل الدعم العسكري في حال حدوث تحرك من الخطر الأكبر التركي الذي قد يكون ناتوي الغطاء فيما تعهد الروس بهدم أي مشروع أممي للتدخل باطلاق الفيتو لجعل فريق الأزمة السوري متفرغا للتعامل معها بعيدا عن الشعور بالضغط أو الضعف .. فالروس أدركوا متأخرين أن ليبيا قد تم ابتلاعها منذ الموافقة على حظر جوي تعامل معه الناتو على أنه تفويض بتدخل جوي..

خلال زيارة أوغلو الى دمشق كانت الغاية من استقباله هي عرض الرسالة الموحدة من الروس والايرانيين والتحدث معه بحزم وقسوة عن خيار وحيد يواجه تركيا اذا تورطت أكثر وذلك لدفع أوغلو الى حالة التردد الشديد في استمرار المشروع.. وأن عضويته في الناتو لاتعني أن تركيا بمنأى عن رد الفعل العنيف.. فدب التردد والقلق في نفس أوغلو من السيناريو الوحيد واليتيم في حال أقدمت تركيا على انجاز خطوة عسكرية واحدة قد تستفز السوريين.. وكان هذا التردد مفيدا وضروريا جدا في توقيته لانجاز حسم عسكري ضد القوى المسلحة الرئيسية وفي تحريك الجيش السوري بحرية في اللاذقية ودير الزور بعد حماة.. والانتقال من حالة التمردات الكبرى الى التمردات الصغرى..

والمرحلة التالية في اقصاء تركيا هي الانتقال عمليا الى الهجوم المعاكس بعد عملية تثبيت الهجوم التركي في مكانه وذلك بالهجوم اقتصاديا وداخليا .. وداخليا تعني توجيه الصواريخ نحوها وايصال الرسالة للداخل التركي الشعبي للضغط على الأردوغانيين والضغط نفسيا من محاولة التذكير ببشاعة الحرب وثمنها الباهظ مع دول “مصورخة” .. وكذلك اطلاق الاتصالات مع حزب العمال الكردستاني وتزويده بالسلاح .. وقد تذوقت تركيا بعض نكهة تلك التحركات ..

وهنا تبين أن تثبيت الهجوم قد نجح بدليل أن معسكر الشر الغربي-العربي-التركي انتقل الى مرحلة الحصارات الاقتصادية ..الحصارات الاقتصادية واللجوء للضغوط النفسية على الناس وايذائهم هي الدليل القاطع على تراجع امكانية الحسم العسكري .. والبدائل الآن هي خلق حالة تذمر بين الناس وارباك الحياة اليومية ليزداد الفقراء فقرا..ولكن هناك على مايبدو انطلاقة لهجوم معاكس آخر يلوح في الأفق يتم الاستعداد لاطلاقه ضد تركيا.. يمكن استنتاجه في تصريحات واثقة لأول مرة للرئيس الأسد من أن “تركيا تلعب دورا أكبر من حجمها وامكاناتها”.. وعلاوة على هذا يتم التداول في امكانية انطلاق محور كبير في الشرق في الأسابيع القليلة الأولى من العام القادم التي ستمتص تأثير العقوبات الاقتصادية ..وستكون بمثابة عمق واق للمستقبل ضد أي حصار كان ..

هنا مهما اختلفنا مع السياسي السوري الذي ادار الأزمة بتصريحات قليلة للغاية أفلتت أعصابنا، فلا بد أن ندرك أنه تصرف بحذق وبتأن وصبر وأنه أوصل الجميع الى ممر اجباري يقود الى نتيجة يتيمة وهي استحالة اسقاط النظام السوري فبعد هذه الأشهر الطويلة لم يعد هناك عاقل مقتنع أن سوريا ستسقط أو أن نظام الحكم فيها سينتهي.. وهذا بدا في اعترافات الكثيرين الذين كانوا يحضرون أنفسهم لالقاء خطب النصر في دمشق.. ولاأكشف سرا أن بعض المغفلين طلب منهم تحضير كلمات للاحتفالات التي ستقام في دمشق بعيد سقوط النظام.. وبلغ الغباء ببعضهم أنهم حضّروها ووضعوها في أدراجهم ينتظرون وبعضهم تداولها على ايميله الخاص.. ولولا أن أحدهم أخرجها من درجه غاضبا ليمزقها احتجاجا بسبب مناوشات كلامية واتهامات متبادلة لما عرفنا بقصة خطابات النصر المجهزة..

وأؤكد لكم وبيقين ومن خلال الحلقة الأولى المحيطة ببرهان غليون أنه نفسه قد وصل الى هذه النتيجة اليائسة في امكانية اسقاط النظام .. الرجل دخل بحالة اكتئاب وليس لدي شك أن برهان غليون هو أتعس شخص على هذا الكوكب هذه الأيام.. ولو “سقطت السماء على الأرض لرفعتها هموم برهان غليون” الذي تلقى توبيخا شديدا من بعض رؤسائه ومموليه على تلك العثرات الأخيرة التي عثر بها والتي كانت هدايا مجانية يقدمها للأسد ..

وطالما أننا وصلنا الى مثال برهان غليون فهو خير مثال على عصبية تعاطي المعارضة بانفعال وتهور مع الملفات وبلاهة في العمل الديبلوماسي اذا ما قارنا طريقة تعاطي الدولة السورية والنظام مع الأزمة المعقدة وتفكيكها البطيء الهادئ بصمت رزين الى قطع، وسنجد أن المعارضة ومعسكر المؤامرة ينقصه الصبر والمهارة السياسية ولاشك أنه يعتمد على تكتيكات العصابات النزقة واستعراضات اللغة الجوفاء التي لاتوصل الا الى الخواء .. ولم يعد هناك من يحتاج دليلا قاطعا على السذاجة السياسية لأبطال مجلس استانبول .. ولا أدل على تلك المراهقة السياسية والبلاهة في العمل الديبلوماسي من تصريحات برهان غليون الأخيرة بشأن اعدام المقاومات ضد اسرائيل في دمشق ..فلنقم بزيارة هذه التصريحات لدراستها كمثال على الفرق الشاسع بين عبقرية السياسي السوري ونتائج عمله الباهرة وتخبطات المعارضة ..

رغم أنني أعتقد أنه من الحصافة عدم تناول ماصرح به برهان غليون لأنه لم يقل شيئا جديدا أو خفيا على الاطلاق .. فانني لاأدري سبب الاستغراب من ادلائه بتصريحات تعهد فيها باحلال سلطة اسرائيلية في قصر الشعب في حال توليه السلطة .. فالرجل لم يكن يخاطبنا لأنه كان يخاطب “ايباك” كما يخاطبها المرشح الرئاسي الأمريكي ابان الحملات الانتخابية ..لأنه يعتقد أن ايباك هي من يقرر اسماء الرؤساء القادمين والسابقين ..وهو لايرى في الشعب السوري أي مصدر للشرعية ..وبرهان رأى صاحبه مصطفى عبد الجليل قد وصل الى الحكم عبر ممثل ايباك في فرنسا (برنار هنري ليفي)..ولكن لماذا صرّح غليون بما صرّح به عن قرار اعدام المقاومات العربية في سوريا؟ ..وقرار استعادة الجولان بالسلام الذي في أحسن الأحوال سيتم الحصول عليه على الورق مع اتفاقية تأجير لمدة 99 عاما قابلة للتجديد .. اذا بقيت سوريا موحدة في عهده الميمون ..

بعض التفسيرات المحرجة من قلب معسكر المعارضة التي لاتبدي رضى كبيرا عن أدائه تقول أن الرجل يشبه “ليخ فاليسّا” المعارض البولندي الذي كان مجرد “كهربجي” أرعن نفخه الاعلام الغربي حتى يقدمه زعيما مناهضا للشيوعية ورئيسا لحركة التضامن البولندية .. وعند سقوط الشيوعية وصل فاليسّا الى رئاسة الدولة لكن جوهره كشف للناس وانتبه البولنديون أنه شخص سطحي وليس لديه الفكر السياسي ولاالمهارة والفهلوية الديبلوماسية وهو مجرد انسان بسيط في عالم السياسيين الذين يجب أن يتعاملوا مع الأفاعي والثعابين السياسية أحيانا كالحواة ..وتكون لهم الموهبة والفطنة السياسية التي لاتحتاج لقب “بروفيسور في السوربون” ..ومثالها السياسي اللماح الفذ مؤسس الدولة المصرية الحديثة الألباني محمد علي باشا القولي الذي كان أميا لايقرأ ولايكتب (وليس أستاذا في السوربون) لكنه حاذق عبقري في السياسة .. ولذلك فقد سقط فالسيا بشكل مهين ومدوّ بعد 4 سنوات امام مرشح شيوعي عادي ..الكهربجي عاد الى عمله ..ونسيته السياسة..وسقط غليون قبل أن يصل..

برهان غليون لايشك مراقب وعارف بالشأن السياسي أنه لا علم له بالسياسة، وهو شخص بسيط جدا بادراكه السياسي حتى جارنا الحج أبو صلاح رفع حاجبيه متعجبا عندما سمع تصريحات غليون وقال محتجا: والله “الكهربجي” لايقول ذلك..!!
وحسب أحد أصدقاء غليون الذي أعرفه فان غليون ينتمي الى ذلك النوع من الناس القادمين من الشرق الأوسط ومعهم عقدة النقص من الغرب والذين يعتبرون وصولهم الى السوربون على أنه عمل خارق ويجعلهم في قرارة نفسهم يحسون بشكل مرضي بالتفوق على مواطنيهم وبالفارق المعنوي الكبير ويتصرفون ويفكرون على هذا الأساس لأن الله حباهم بما لايملكه الآخرون .. ولذلك فانه عندما تم لفت نظره الى انه مرشح رئاسي تضخمت العقدة المرضية لديه وأحس أنه لولا تفوقه وتميزه لما اختير لهذا الترشيح وأنه لذلك يستطيع ممارسة الحكم ورسم السياسات الكبرى كما يراها هو لأن كل من في الشرق أقل منه موهبة وعلما .. ولكن الرجل يتعاطى مع ملف أكبر منه بكثير ووضع في ثوب فضفاض جدا ومكان شديد الاتساع عليه .. وأداؤه السياسي أداء يدعو للشفقة حتى أن عبد الباري عطوان خصص مقالة اليوم في جريدته “أورشليم” لتوجيه نصائح ودودة لبرهان غليون كانت بمثابة محاضرة غاضبة “بين سطورها” على تلميذ في السياسة في كيفية الاجابة والالتفاف على أسئلة الصحفيين تماما كما يفعل عطوان نفسه الذي يكتب مقالات عن سوريا يمارس فيها كل الالتفاف والمناورات الكلامية مثل “القتلى ومعظمهم من المدنيين” أو أن “غليون تعرض لفخ الصحيفة” وكأن الصحيفة تتآمر على غليون أو أن “هناك أعمالا لتشويه الثورة ولاتؤذي مصداقيتها”..

يعني حسب نصيحة عطوان: ان على برهان التحلي بالدهاء السياسي واخفاء الأهداف الرئيسية لمجلسه المتمثلة بالارتماء الكارازائي (من كارازاي) والانبطاح (الاردوغاني) أمام اسرائيل .. كما يفعل بقية أعضاء المجلس وكل داعمي الثورة بمن فيهم الكذاب الطبال عطوان .. والملفت للنظر أن عطوان نفسه الذي يرغي ويزبد وهو يشتم نذالة الحكام العرب لخذلانهم فلسطين (عندما كان يكيل المدائح لمحور الممانعة) لم يتبرع بادانة لطيفة وتقريع لتصريحات غليون التي فاقت في فجاجتها ورعونتها ماقاله حسني مبارك وعمير بيريتس .. ولم يشهر عطوان سيفه ليقول ان الثورة لاتبيع القضايا الوطنية من أجل كرسي الحكم يابرهان ..بل لفت نظر غليون الى ضرورة التخفي والتحلي بالنفاق..والاستمرار بالثورة ..

وهناك آخرون يرون أن برهان غليون شخص مسكين وساذج الى حد كبير وقد استدرج أو دفع الى اعلان هذه المواقف تمهيدا للاجهاز عليه سياسيا والتخلص منه بحجة انه أحرج الثورة.. وهو بالطبع يبتلع الطعم ويزيد من ابتلاعه واذا حاول أحدهم انقاذه زجره وكرر البلع.. مما يثير السخرية والضحك أن رجلاً فرنسياً مثل برهان لايجرؤ على التفكير في الترشح لبلدية في فرنسا لكنه يفكر بالترشح لرئاسة بلد كبير محوري ولاعب ماهر في قلب العالم مثل سوريا.. في زمن ديمقراطية النفط والغاز والغربان.. وبرهان العلماني الذي يؤمن – كما باروخ سبينوزا – أن الدين يحتقر العقل وأن العقل يحتقر الدين صار اماماً وخليفة للمؤمنين.. من مقعده كأستاذ في السوربون الفرنسية..

المشكلة أن برهان غليون لم يكذب على الاطلاق وقال ماقاله بسذاجة (طمعا في تأييد ايباك) نقلا عن المنطلقات الحقيقية للمجلس الوطني الانتقالي وفعاليات الثورجية اليومية لأن قادة المجلس الانتقالي الآخرين وداعميهم قالوها بالفم الملآن: سنعمل على اخراج ايران من سوريا (أي من التحالف مع سوريا) ..قالها صراحة عبد الحليم خدام والبيانوني ومأمون الحمصي وقالها كثيرون منهم ..بل واستماتت “الثورة” في اطلاق عواء لاينتهي لشتم حزب الله وحسن نصر الله حتى غابت اسرائيل كليا عن المشهد السوري.. واستعاضت الثورة عن هذه الصروح المقاومة بدمى مثل العرعور والقرضاوي وبدت كمن اعتمدت بدلا من المقامات الحلبية الأصيلة على الطقطوقات..

ولم يعد من الصعب اثبات أن بعض المتظاهرين في حمص كانوا فعلا قد رفعوا أعلاما اسرائيلية جهد الثورجيون في انكار حادثتها لكنها كانت رسالة تطمين لاسرائيل وطلب العون منها ..وتصريح برهان تبنّ لهذه الرايات الاسرائيلية ..
عشرات مقاطع الفيديو المفبركة بسذاجة كانت تحضر الناس نفسيا لهذه التصريحات الغليونية وتدعي وجود عناصر من الحرس الثوري الايراني وحزب الله لقنص المتظاهرين وتبث اعترافات تحت التعذيب لأناس تبين أنهم لاعلاقة لهم لامن قريب ولا من بعيد بايران أو بحزب الله..فيما كان موقع كلنا شركاء لأيمن عبد النور يغمز من ممثل سوريا في الأمم المتحدة بأنه “زوج الايرانية” بل وصفه بالفارسي لأنه قال كلمة دفاع عن سوريا..بلده..فتخيلوا أن من يرفض قصف سوريا بالناتو صار فارسيا أما الوطنية فهي في رفع اعلام اسرائيل والتعهد بكسر البنادق..ولبس الحرير بدل ثياب الحرب..

تثبت الأيام أن موقفنا من المعارضة السورية لم يكن ناجما عن ولاء أعمى للنظام ولا عن انقياد لشخص الرئيس وأننا لم نقف في وجه الديمقراطية الغليونية لأننا نحمل أخلاق العبيد والشبيحة الذين يخشون الحرية من بعد طول العبودية ..بل الأيام تثبت أننا كنا على دراية عميقة بخواء هذه المعارضة ووضآلتها وضحالتها وانتمائها الايديولوجي اللاسوري .. وأننا نحن الأحرار والتواقون للحرية فيما “السادة الأحرار” في السوربون الفرنسي تصرفوا كالعبيد فأستاذ السوربون وأعضاء المجلس الانتقالي جميعا كانوا يتلقون الرشاوى والمال على كل كلمة وموقف .. وبلغني عن أحد الثوار الاستانبوليين أنه كان يقوم بمساومات رخيصة للغاية ويتصل بأحد المكاتب الاعلامية عدة مرات لأنه لم يتم تسديد قيمة كل المقابلات التي أدلى بها ..فكان مدير المحطة يجيبه أن المجلس الانتقالي الذي انتدبه للمقابلة أعطاهم معلومات أن ثمن المقابلات قد تم تسديده سلفا لصاحب العلاقة ولايجوز أن يتقاضى الشخص الأجور عن المقابلة مرتين .. ولكن صاحب العلاقة يبلغه أن ثلاثة أعضاء آخرين في المجلس تقاضوا المال بشكل مستقل من المحطة رغم تقاضيهم المال من المجلس ويقوم بتسميتهم ويطالب بالمعاملة بالمثل ..ولم ينته التقايض حتى تمت اهانته شخصيا من قبل رئيس المحطة..

ماقلناه عن الثورة منذ أيامها الأولى كان قراءة دقيقة وماتوقعناه من اخفاقات الثورجية كان ناجما عن معرفة عميقة لطرفي المعادلة.. السلطة والمعارضة.. والرئيس الأسد ومناوئيه العرب والغربيين.. ولأننا وقفنا نراجع تاريخ الجميع وارتباطات الجميع والبرامج السياسية للجميع.. عرفنا أن “لايباك” كلمة في المعارضة السورية.. فسقطت المعارضة مع اسقاطها للمقاومة وللكرامة الوطنية..

 

 

امتشاق السيوف لا يتعبها..والسوريون في غار ثور ..ان الله معهم



3 يونيو، 2012‏ في 09:40 صباحاً‏ ·‏:: ليس هناك اصعب على المرء من أن يناله الشك في قضيته التي يحارب من أجلها .. ومن أنه ربما يكون خطأ على سفينة القراصنة .. وبين القراصنة، يأكل معهم ويشرب معهم الأنخاب ويسكر معهم .. بل ويحشو لهم بنادقهم ومدافعهم وهو يصلي من أجلهم ومن أجل عيونهم المغطاة بقماشة سوداء الصلوات الخالصة .. وكم هو مرعب أن يشك أن مايسمعه في الظلام والضباب ليس صوت لقاء البحر والشاطئ بل صوت لقاء المحيط مع المحيط البعيد ..حيث لاشواطئ ولاموانئ ولايابسة ..بل أغاني القراصنة التي تقول: "خمسة عشر رجلا .. ماتوا من أجل صندوق"..
ماأصعب أن يحترق قلبك بالشك وأن لاتعرف ان كان من تحب يستحق الحب أو الرشق بالاحتقار والرجم بالأحجار .. وماأصعب أن تكتشف أنك تنتمي الى أمة تصنع لأعناقها السلاسل فيما هي تزيد في انتاج العبيد والاماء والأبناء الأغبياء والخرفان .. ماأصعب أن تكتشف أنك تقف بين العرب في جامعة العرب في هذا الزمن .. انه الوقوف بين العبيد والاماء على سفينة القراصنة ..في "جزيرة" ليست جزيرتك وعلى شاطئ لتصدير العبيد .. ما أجمل فراق العرب في ربيع العرب..
 

أيها الأصدقاء
كم يكون الشك محملا بالعذاب عندما لايعرف نعمة اليقين .. وكم يبدو لقاء اليقين أروع من لقاء الحياة نفسها .. فليس هناك أكثر طمأنينة للقلب وسكينة له من أن يدرك هذا القلب أنه يمسك باليقين وأنه يقف على نفس الصليب الذي وقف عليه الناصري وأنه يتذوق نفس المسامير في يديه وينزف دمه فوق نفس الأخشاب التي نزف عليها المسيح .. كم هو لذيذ أن يكتشف المرء أنه يرجم مع من رجم في الطائف قبل مئات السنين وشج رأسه .. وأنه الآن يدخل مهاجرا غار "ثور" مع اثنين من قادة الثائرين .. وأن كل قريش في جامعة العرب تجدّ في أثره .. وأنه يسمع في الغار صوتا يقول له: لاتحزن ..ان الله معنا..
كنت أخشى أن يتغير العرب وأن يهدوني موقفا نبيلا .. موقفا يخجلني من نفسي ويخجلني من احتقاري لثوراتهم .. كنت أخشى أن يحيط بيقيني زعماء الشك وزعماء في أعناقهم سلاسل العبيد .. وكنت أعيش قلقا وجوديا من أنني لست على صواب وأنني صرت قرصانا من القراصنة .. وأن قلبي لم يهتدي ..وأنه ضائع بين الهداية والغواية ..
 

ولكن ...
أن يخاف العرب من صوت الاعلام السوري فلهذا دلائل كثيرة جدا .. فهو يدل على أن مايقال في الاعلام السوري ليس تزويرا بل ان فيه مايخشاه العرب ومايخشاه القائمون على مشروع الربيع العربي .. وهذا يعيدنا بالضبط الى نصيحة هنري كيسنجر ابان الانتفاضة الفلسطينية الأولى عندما أحرجت اسرائيل بصور تحطيم عظام الفلسطينيين وخجل العالم من تلك الصور .. فبعث كيسنجر بنصيحة عاجلة للقيادة الاسرائيلية بأن "انسوا مايقال عن حرية الاعلام والرأي .. وأخرجوا الصحافة العالمية والكاميرات من الأراضي المحتلة ..وتابعوا تكسير العظام" ..
 

ربما ليس هنري كيسنجر من بعث بالرسالة العاجلة للعرب بل لاشك لدي أنه برنار هنري ليفي الذي يتنقل بين أنقرة وقبرص وتل أبيب والقاهرة.. ليفي الحائر في كيفية تحطيم الروح المعنوية للسوريين واسماعهم تغريد المغردين من عصافيره في الربيع العربي .. انه قلق على مصير ربيعه العربي وأصدقائه الاسلاميين .. وهذا الاصرار على أن نؤخذ كالبهائم الى مسرح بعينه لنسمع فقط الجزيرة والعربية يدل على أن الاعلام السوري صار مسموعا وصار مؤثرا .. وهذه نتيجة منطقية لعام كامل من الفشل لأن الاستعجال في دخول الشام على ظهر حمار الربيع العربي و"حميره" جعل اخراج المشاهد مستعجلا وطبخ الأخبار خاليا حتى من التقنيات السينمائية الضرورية ولأن اشتداد النفاق وفوضى الضمير في الاعلام العربي صار يثير شكوك المشاهدين العرب الذين يبحثون عن بدائل أكثر اقناعا ..فاللعبة بدأت تثير النظرات والارتياب .. ورائحة اللصوص لم تخفها العطور الثقيلة لجزيرة العرب ..
 

الربيع العربي في خطر ومزاج الثورات لم يعد مزاجا يمكن الوثوق به .. فهناك أصوات صارت تتعالى مستفيدة من صدى الاعلام السوري وصوت دمشق الساخر من هذا الربيع والمستهتر بقيمه .. هيبة الربيع والاحترام المقدس لأبقاره في خطر شديد .. فصوت دمشق يشجع من كان يخشى انتقاد الربيع على أن يعلو صوته .. والثوار السوريون الذين كانوا ضحايا ظهروا قتلة مجرمين لايعرفون من الفعل الثوري سوى العنف الأسود .. عنف الثوار المريض وهزلياتهم الثورية صارت محرجة للغاية ومصدر عار على كل الثوار .. حتى عزمي بشارة الذي أرخى عليهم الأغطية الكثيفة والستائر الفخمة الطويلة والشراشف المطرزة بمحنك الكلام طوال عام كامل لم يعد قادرا على الامساك بالاغطية التي تفشى من تحتها الدم ولم يعد ممكنا ابقاء الستائر التي نقعت بالصراخ .. حتى عزمي بشارة الذي لعق الدماء التي أهرقها الثوار بلسانه الطويل ومسحها بشاربه الكبير لم يعد قادرا أن ينكر قسوتهم .. واضطر للاعتراف على أنهم يمارسون العنف .. أي أنهم ثورجيون أقل من مستوى الثوار .. وأكثر من مستوى مجرمين عاديين .. وهو بالضبط توصيف لمجموعة من القتلة المحترفين والمرتزقة .. وان لم يقلها لسان عزمي بشارة "الطويل" الذي مسح الدم عن أظافر الثوار ومخالبهم وأسلحتهم وأحذيتهم ونظف أسنانهم من الخثرات ..
 

فالاعلام السوري صار اعلاما مسموعا وموجعا وألزم كل الدنيا على الاعتراف بالحقيقة وهي أن في سورية مجموعة من القتلة يحاربون الدولة .. الربيع العربي اذا يترنح وليس على مايرام وهو تحت ضربات السوريين .. ويبدو أن كلمات الخطيب الروماني الشهير شيشرون صحيحة عندما قال: ان الضربات المتواصلة ولو بأصغر فأس كفيلة بتحطيم أكبر اشجار الوجود ..
فالشجر الاعلامي العربي وغابات الكذب الكثيف تحترق ويتصاعد الدخان من بين خمائل "العربية والجزيرة وصفا ووصال .." حتى "السي ان ان" و "البي بي سي" والمحطات الساركوزية توجعت وظهرت على عيونها كدمات سوداء من لكمات هذا الاعلام السوري الذي أيقظه صراخ الجزيرة .. وعواء العربية .. ونباح كلاب العرب..
 

الفأس السورية على صغرها تهوي على جذع شجرتي الجزيرة والعربية كاليقين فتهتز الأشجار العملاقة مع كل ضربة تغوص وتنهش من جسد الشجرة .. ترتعد الأشجار من طقطقة الجذوع وهي تتمايل وتعاند السقوط ممسكة بما بقي لها على الأرض ..ويمسك فيصل القاسم بجذع الشجرة العملاقة يائسا عله يصمد ويستنجد بعمال السخرة من المثقفين للشد "بالاتجاه المعاكس" .. ولكن الشجرة تهوي في الاتجاه المعاكس للاتجاه المعاكس.. هيهات يافيصل أن تسند يداك الناعمتان شجرا هوت عليه ضربات الفؤوس التي لاتخاف ارتفاع الأشجار وغلظ جذوعها ..عندما تسقط الأشجار العملاقة يجب أن يبتعد من يقف تحتها وفي ظلها .. وأن يهرب في "الاتجاه المعاكس"..
الاعلام السوري الذي اعتقدنا أنه مع أهل الكهف نائم .. يتثاءب في الكهف ويوقظ النائمين ..فيرتعد دقلديانوس ..فلأول مرة يعود ناصر السعيد الى الحياة ليقود الحديث عن السعوديين .. ولأول مرة يتمطى خيال جهيمان العتيبي حول الكعبة وهو يطوف حولها وتحوم روحه حول قباب المدينة .. ولأول مرة يسمع آل خليفة أن اصوات المقاصل ليست حكرا على باريس القديمة .. بل ان المقاصل قد تزور الدوحة لتطيح بالخيانات والجرائم ..
ماذا يعني أن العرب صاروا يخافون من الاعلام السوري؟ .. فرغم كل ماقيل عن دبابات الجزيرة وقاذفاتها فانها تفجرت في حقول الألغام التي نصبها لها مواطن سوري اسمه رفيق لطف عمل ببساطة عماد مغنية في تفجير الميركافا .. وانشطرت هذه الدبابات وطارت أبراجها في "خفايا بابا عمرو" .. قرار العرب يعني ببساطة أن هناك خشية حقيقية من انقلاب مزاج الناس ضد الربيع العربي .. وأن عملية الضحك باللحى على اللحى لم تعد تروق للناس .. وأن التصويت باللحى لايمر بسهولة من شقوق صناديق الاقتراع ..الثورات العربية ليست على مايرام..تعاني الحمى والاسهال والهذيان الثوري..
وبعد .. ماذا نقول للعرب .. جامعة ..وشعوبا مغلوبة أو مغشوشة؟؟
أيها العرب .. سيخطئ من يعتقد أن امتشاق السيوف الدمشقية يتعبها .. مايتعب السيوف هو اغمادها ونومها الطويل في الغمد الوثير الدافئ .. السيوف لم تخلق للأغماد والاغماء الطويل .. فالأغماد اخترعها من لايحاربون لكنهم يحبون التزين بالرجولة .. ولايكره السيف مسكنا في الدنيا كما الغمد حيث الراحة والظلام .. انه للسيوف ظلام المقابر
 

وياأيها السوريون .. السيوف لاتحب أغمادا لها كما قلوب الأشرار وصدورهم .. فلا تبدلوا الأغماد بصدور الأشرار وأعناقهم .. وأكرموا سيوفكم بزيارة الصدور المنتفخة بالخيانة .. وأولموا لها من قلوب تضخ الصدأ والقيح..
وأما من تعب من امتشاق السيف فليكرم سيفه بأن يكسره ولايذله بالغمد أو بالتدلي والسجود .. فالسيوف أسهل عليها أن تنكسر من أعناق مقابضها من أن تتدلى وتنحني بها الذراع حتى تلامس بها التراب .. السيوف لاتحب طعم التراب ولايذلها مثل ان تنغرس رؤوسها في التراب.
ومن تعب من النظر الى السماء فليفقأ عينيه بيديه لأن العيون لم تخلق للنظر الى أديم الأرض بل الى السماء والنجوم والشموس ..بحثا عن الضوء .. وبحثا عن ظلال الله الذي يتمشى بين المجرات .. وأما من يطرق برأسه الى الأرض فلن يجد في الأرض سوى الشياطين واخوان الشياطين .. ومن يهبط نظره من السماء فلأنه آثم .. فلتبق عيوننا في السماء .. فلربما التقت عيوننا صدفة بعيني الله الطيب والرحمن والرحيم..
ولاتسألونا عن العنفوان أيها العرب .. العنفوان ياسادة شيء لايباع في السوق ولايعرفه أصحاب الذهب ولن تجدوه عند فلاسفة النفط ولافلاسفة هنتينغتون وفوكوياما.. العنفوان كلمة اخترعها شعب استلقى بين الحصار وبين الحصار .. وبين النار التي تأكل النار .. وتلوى بين الهزيمة والانتصار .. ومن أراد أن يبيع عنفوانه ..فعليه أن ينسى أنه سوري .. السوري لايبيع العنفوان بالذهب ومن أجل "صندوق" مات من أجله "خمسة عشر رجلا في الجامعة العربية" ..
نحن لا نبيع العنفوان ...بل نعلم الدنيا معنى العنفوان..

 

 

شاليطيات ... ثورة سوريا

11-08-07, 02:51 AM

شر البلية مايضحك ..يتخبط اعلام المعارضة السورية تخبطا يستحق أن نتفرج عليه ونتمتع .. وأن يدرس في كليات الاعلام العالمية كمثال على الاعلام الرديء الذي يقدم الخبر وكأنه يروي قصة للأطفال عن الجان والعفاريت..
بعد كل مارأيناه من قتل وذبح واعتداء على مؤسسات الدولة ومسلحين وطالبانيين وقندهاريين يحاول اعلام المعارضة سياسة فريدة من نوعها لكنها لاشك انتحارية .. فقد اعتمد الخبراء الاعلاميون الثوريون الجهابذة على 3 أركان أساسية:

1-
الاصرار على سلمية التحرك السوري وأن لاسلاح في الميدان الا سلاح الشبيحة..وتصوير المتظاهرين كضحايا لعنف الدولة.

2-
دحض افتراءات الاعلام السوري الرسمي وتصويره كاذبا محشوا بالأضاليل

3-
الدفاع المستميت عن سلوك الثوار ..وهذا مقتل الثورة

هذه السياسة أقل مايقال فيها أنها ليست اعلام ثورة بل اعلام عربي رسمي طالما ضحكنا عليه وأغاظنا وأهاننا واحتقرنا ..اعلام الثوار لايحترم حتى مؤيديه لأنه يستجيب لرغبات المتحمسين وعواطفهم على مبدأ (الجمهور عايز كده)..وكان الأجدى أن يكون اعلام الثوار نزيها صريحا يقول ماللثوار وماعليهم لأن للثورات أخطاءها ولأن الثوار ليسوا آلهة بل بشر..أما سياسة انصر أخاك ظالما أو مظلوما فهي التي يجب أن تفهم من خلال (منعه من ممارسة الظلم)..وسياسة الاعلاميين الثوريين أن (القيادة لاتخطئ وللقيادة مبرراتها) هي ماكنا نعيبه على الاعلام الرسمي العربي وبالذات اعلام وزارة الاعلام السورية في السابق..

وهنا دعونا نتذكر أهوال أبو غريب التي لم ينكرها الأمريكيون بل أبدوا (اعلاميا) الندم الشديد والأسف وقال جورج بوش بنفسه: ماحدث يلطخ سمعة شعبنا وقيمنا العظيمة وأما من نفذ الأعمال المشينة فهم قلة ويمثلون بضعة تفاحات عفنات في محصول جيشنا العظيم والأخلاقي..

وكان كلما قتل جندي أمريكي عائلة عراقية كاملة على أحد الحواجز تعترف القيادة الأمريكية بذلك و"تأسف" في بيانها وتبشرنا أنها تحقق بالأمر وأن الجندي كان متوترا أو أن سيارة العائلة لم تتوقف وتستجب للأوامر مما أدى للحادث المؤسف...الخ من هذه التخرصات والخزعبلات

الكل يعرف كم أكره جورج بوش وجيشه ومعتقداته الدموية لكنه تصرف بمسؤولية أمام شعبه ولم ينكر الفظائع عندما ظهرت فظائع أبو غريب لكنه حاول التخفيف من العار الذي لحق به وبشعبه .. وعمدت وزارة الدفاع الى تحقيق مطول ومسرحيات محاكمات انتهت بادانة بضعة أفراد فيما نجا الكبار الذين أعطوا توجيهات التعذيب...في النهاية هذه سياسة اعلامية مسؤولة أعادت بعض الثقة للشعب الأمريكي أن قيادته تتعامل مع الأحداث بواقعية ومسؤولية رغم زيف هذا الشعور..

الاعلام السوري على ضعفه أقر بوجود أخطاء أمنية بل ان الرئيس الأسد قال ان أجهزة الأمن لم تكن مهيأة للتعامل مع المظاهرات والاحتجاجات ولم تتلق تدريبا على ذلك ..وهو اعتراف ضمني بخطأ ارتكبته هذه الأجهزة في الأيام الأولى للاحتجاجات ومسؤوليتها عن بعض العنف..وطلب الرئيس اعطاء فرصة لجهاز الأمن لتطبيق اصلاحات جذرية تتماشى مع التوجه الجديد للدولة لتحييده عن خطه القديم ولبناء علاقة جديدة مع المواطن المتظاهر...

أما اعلام الثوار السوريين وكتابهم فهم مبجلون لانجازات الثوار ويقدسون كل عمل يرتكبه الثوار ويرفضون مطلقا الاعتراف بأخطائهم كي لايبرروها وعندما يحاصرون بالحقائق الدامغة يلجؤون الى الكذب الغشيم الساذج

فمشهد سفاحي حماة الذين ذبحوا رجال الأمن وألقوا بهم في نهر العاصي كان مشهدا مخزيا مجللا بالعار ومشينا لأي ثائر وحر ولايمكن تبرير وحشيته ولابربريته ..لكن اعلام الثوار قال أن القتلة هم شبيحة النظام والضحايا مدنيون ..أي تخلى الاعلام الثوري عن رجاله عندما أخطأوا وتركهم لمصيرهم واحتقر مريديه وهز ثقتهم بالثورة لأن مريديه أيضا لهم عيون وعقل ولايحبون هذه المشاهد المشينة لثورتهم ..ولاشك أنهم كانوا سيحسون بالراحة ان اعترف اعلامهم بالحقيقة وحاول تبرير انفعال القتلة وجنونهم واعتذر عما حدث وتعهد بمحاسبة الفاعلين وعدم تكرار ذلك بمسؤولية ولو بشكل تمثيلي ومسرحي..

حتى في مجزرة جسر الشغور رأينا المقاتلين يتباهون بالقتل ويركلون الضحايا بتلذذ وسادية تعكس خللا أخلاقيا وعقليا فظيعا لديهم ولكن اعلام الثورة كان يقول ان ان الجنود القتلى هم جنود قتلهم النظام لعدم تنفيذهم الأوامر ...كيف يصدق المتعاطفون مع الثورة ذلك مهما كانوا ميالين لتصديق كل شيء يقوله الثوار..؟؟ ألم يكن من الأجدى ان يحاول اعلام الثورة القول ان من ظهر على الشريط بضعة مقاتلين مختلين نفسيا (على طريقة اسرائيل وكل مجرميها من مايكل دينيس روهن الذي أحرق المسجد الأقصى الى باروخ غولدشتاين جزار الحرم الابراهيمي) ..وأن الثوار الأبطال سيحاسبونهم على هذا التصرف المهين لاسم وكرامة الثورة والشعب السوري..

بالطبع حاول اعلام الثورة أن يجرنا من آذاننا الى كذبة كبيرة عن استعانة النظام بمقاتلي حزب الله والحرس الثوري الايراني لكن الكذبة كانت أكبر من بلعوم الجمهور السوري ولم يزدردها ..وبدت ضعيفة فبدأ تراجعها من قواميس الثوار بعد أن دفع بها كسلاح فتاك فاذا بها (لاتخرط المشط كما نقول) فبدأ الثوار بتهميشها واستردادها من الأسواق كالبضاعة الفاسدة التي لم تعجب الحمهور (الا جمهورطالبان)

ولكن ترويج البضاعة الفاسدة لم يتوقف فمنذ أيام أيضا فاجأنا اعلام الثوار بخبر ما ان قرأته حتى قلت (لاحول ولاقوة الا بالله.. المساكين صاروا يستعينون بجلعاد شاليط) ..ولمن نسي شاليط فهو جندي اسرائيلي أسرته حماس منذ سنوات وتفاوض على اطلاقه بمقايضته بألف أسير فلسطيني..الثورة السورية اجتهدت ونقلت عن (مصدر موثوق) أن السوريين وتحديدا رامي مخلوف عرض على الاسرائيليين اطلاق شاليط مقابل تخفيف الضغط على النظام...

لن أدخل في تفاصيل الخبر الغبي لأن المفاجأة هنا أنه مقلوب 180 درجة ..وقبل بيان الحقائق سأقول ان هناك محاولة لتخوين الحكم في سوريا واسقاط وطنيته وهناك محاولة بالزج باسم مخلوف للاشارة أنه من صناع القرار (وهو ينظر اليه على أنه فاسد وبالتالي يبيع الوطن السوري) ..مخلوف لايهمني ولايعمل أحد من عائلتي أو جيراني في مؤسساته لكن استخدام اسمه في تدمير وطني هو مايهمني .. والغاية من الخبر تصوير ارتباك النظام وضعفه وكأنه صار يحاول بيع كل مايملك من رصيد وطني مقابل ابقائه في الحكم.

والحقيقة الصادمة من التسريبات الأولية هي أن اسرائيل هي من أرسل وسيطا للقيادة السورية (وليس لمخلوف) يعرض بالضبط استعادة شاليط مقابل الطلب من أصدقاء اسرائيل غض الطرف عن الجيش السوري لدى اقتحامه حماة و(ليفعل بالحمويين مايريد) .. تخيلوا يبيعون رؤوس آلاف من مواطنينا مقابل رأس شاليط !!

وكان رد الحكومة السورية هو اللامبالاة بالعرض ونصيحة حامل الرسالة أن يفاوض حماس على شاليط لأنه جاء الى المكان الخاطئ ..وقيل لذلك الوسيط (العربي) ان الجيش السوري أحرص على حماة من دمشق .. بل حماة هي الطفلة المختطفة ولن يكون الجيش الا أباها الحريص على سلامتها وعدم خدشها ... وقيل للوسيط: لو اجتمع الكون كله على اطلاق شاليط عن غير طريق حماس وبمقابل أسرى فلسطينيين فلن يطلق سراحه (وفي هذا تذكير مقصود بكلمة حسن نصرالله عند أسر الجنديين الاسرائيليين عام 2006 "لو اجتمع الكون كله على اطلاق الاسيرين فلن يطلقا الا بالتفاوض غير المباشر وبتبادل الأسرى" ..والغاية من استعمال عبارته هي أن سوريا تقف بقوة الى جانب المفاوض الفلسطيني من حماس كما وقفت بقوة الى جانب موقف حزب الله..

وكان رد الغرب على الرسالة السورية الموجعة تهييج حماة وتحريض قندهارييها بل وارسال السفير الأمريكي اليهم للدعم العلني نكاية بالقيادة السورية .. كله من أجل عيون شاليط..باعت أمريكا الحمويين بالمزاد وستبيع كل الثورة مقابل تمديد الأسد ونجاد لبقائها في العراق..

أكاد أجزم أن المسؤولين الاعلامين في الثورة كانوا مسؤولين سابقين في وزارات الاعلام العربية بل وربما تأثروا بوزراء الاعلام السوريين السابقين، وتشبه شطحات الثوار الاعلامية شطحات أبو فهمي.. وأبو عنتر عندما تباريا في الكذب الغبي..

فمشاهد حرق المؤسسات والمباني الحكومية والمسلحين في الطرقات والحواجز والموت الذي يتجول معهم ينسب للشبيحة وبالأمس رسم موقع كلنا شركاء رسما كاريكاتيرا يتحول فيه الشبيح الى اسلامي ملتح ..أي أن الملتحين والمكبرين الذين يقتلون ويذبحون هم شبيحة متنكرون ..الله أكبر..

ان هناك سوريين صاروا بسبب هذا المنطق الاعلامي الثوري لايستطيعون الاستمرار في تأييد الثورة لأن الثورة التي تكذب في ولادتها لن تمارس الا الكذب في حياتها .. ولان الثورة التي لاتحارب بالأخلاق مثيرة للرعب والقلق ..ولأن الثورة التي اندلعت لاسترداد كرامة ولاعادة هوية لاتسحق كرامات الأسرى والموتى ولاتستخف بأرواحهم وهي التي تمنح السوري الشعور بالفخر والاطمئنان..

ولأن حقد الثورة على عهد ما لايولد الا ثوارا يأكلون الثورة ويأكلون بعضهم كما أكل الثوارالليبيون بعضهم وكما أكل الثوار الفرنسيون بعضهم وأعتذر هنا من ثورة فرنسا وثوار فرنسا الأحرار ومن مقاصلهم المجنونة التي لايصح مقارنة حرافيش ثورتنا المثقلين بالدم والجهل وفتاوى اللحيدان بثورة الفرنسيين المثقلة أيضا بالدم ولكن بالفكر والفلسفة والنور أيضا ...فهم كان لديهم جان جاك روسو ونحن لدينا جان عدنان العرعور ..وهم كان لديهم فولتير وديدرو ونحن لدينا برهان غليون ..هم كان لديهم دانتون ومونتسكيو ونحد لدينا الهيثمان المالح والمناع.. هم علموا أوروبا وأميريكا مبادئ الثورة والحرية والعدل والمساواة ونحن جاء العالم كله ليعلم ثورتنا البلطجة ويشجعها على الجنون، من السفير الأمريكي الى حمد وموزة والظواهري وجعجع وعطوان وبشارة وسعدو الحريري ... وهم قطعوا رأس عالم الفيزياء الكبير لافوازييه في دقيقة لكنهم اعترفوا خجلين أن فرنسا تحتاج مئة عام لانتاج رأس آخر مثل رأسه .. أما ثورتنا فتنتج رؤوسا حاقدة نحتاج مئة عام لنتخلص من تأثير أفكار كل واحد منها ..انها أفكار اشعاعات يورانيوم الطائفية.

------------------------------------------------------------------------------------------------------


بقعة ضوء رمضانية: مهداة الى قادة الثورة

 


عندما فاز الزعيم السوري الوطني المعروف (فخري البارودي) بالانتخابات بعد الاستقلال حاول أحد مريديه القاء قصيدة مديح واحتفال بفوز الزعيم، وكان مطلع القصيدة يقول:

دمشق، فاز الزعيم فخري ....

ولكن المعارضين للزعيم البارودي أثاروا الضحك من هذه القصيدة عندما قالوا ان حرف الفاء في اسم فخري في هذا الشطر هو فاء الاستئناف والباقي فعل أمر ويصبح البيت الشعري كما يلي: دمشق فاز الزعيم فـــاخري (واللبيب سيفهمها)

وهذا البيت يليق بالثورة السورية: دمشق هذي هي الثورات .. فـــــاخري ...ولاتنسوا الفاء للاستئناف والباقي فعل أمر (واللبيب يفهمها)

بقعة ضوء رمضانية 2: مهداة الى عماد الدين حجاج (ثائر العرض والطلب)
عماد حجاج رسم كاريكاتيرا ثوريا اليوم عندما رسم ضمن هلال كبير (يرمز لتركيا التي سلمها حجاج العالم العربي على الأغلب) نجمة رمضان الخماسية وقد صنعتها اشارات نصر الشعوب التالية : المصري - التونسي - اليمني - الليبي - والسوري .. والحقيقة ان النجمة التي رسمها حجاج غير مكتملة بل ناقصة لأن الأيدي السابقة تريد صنع نجمة داود السداسية لكن اليد السادسة أسقطها حجاج كعادته (رسوم تحت الطلب) وهي قد تكون يد الشعب الأردني (الأردن بلاه ..بلاه الأردن.. على رأي عزمي بشارة أستاذ حجاج) ...وبالطبع ليست يد الشعب البحريني لأن شعب البحرين الذي ثار في نظر حجاج لايستحق الذكر وليس ثوريا ولايد له فأسقطها المناضل حجاج من الرسم .. وهذه حقيقة فالثورة البحرينية لاتخدم أمريكا واسرائيل كما كل الثورات السابقة التي سيتبين أنها لم تغير شيئا في واقعنا العربي-الاسرائيلي الذي لم يتغير فيه شيء ..

يعني ياعماد والله عيب ...بس شوي انسجم مع نفسك بما أنك ابن شعب ثائر لايبيع ويتاجر بالثورات .. حسينا بعد هذه الرسمة الحقيرة الناقصة الجناح السادس لنجمة داود ياعماد أن (أبو محجوب) سيخلع حذاءه ويضربك على قفاك ويقول ولك مابتعرف تعد بعد الخمسة ياولد ....وبتكذب برمضان كمان .. هلا عمي

عماد الدين حجاج هو الرسام الذي يطلق النار على الشعب السوري الذي ..لاينسى الاساءات  ويعرف متى يردها

 

 

الرذائل الاخوانية .. والنقر على رأس الأفعى

 

ان لم أكن مخطئا فان الرسائل التي وصلت في تفجيرات الأيام الأخيرة على قدر كبير من الأهمية … وربما كانت هي الرسائل التي أعطت اتجاه رحلة “الثورة” السورية بعد أن وصلت الى مفترق طرق حائر حيّر الثوار قبل غيرهم ..

 

فقبل أن نستكشف اتجاه رحلة الثورة السورية فلنلق نظرة على كل تفاصيل المشهد التي تمازجت الوانه حتى بات لايعرف حدود اللون الأبيض فيه من الأسود ..
هناك مأزق حقيقي تعيشه “الثورة” فهناك قيادات جديدة بدأت تعبر بمرارة ونزق وانفعال في سباقها مع الزمن عن عدم رضاها من أداء القيادة الحالية حتى الآن الذي اتسم بالاخفاق الذريع .. وقد وصل الى مسامعي منذ فترة حديث من أحد المحايدين الذين يتصلون مع قيادات الصف الثاني للمعارضة وقال ان الصف الثاني ساخط وقد شكل قيادته ولن ينتظر .. بل هناك حديث حقيقي عن أن القيادات المعارضة الحالية قد انتهت عمليا وسيتم وضعها في مستودعات الخردة السياسية قريبا .. ومن المرجح أن الدول المشرفة على “الثورة” السورية تريد ان تحتفظ بما بقي من الجمهور على الأرض بعد سلسلة احباطات متلاحقة ..ويتم التفكير في دفع الصف الثاني المعروف بخياراته المتهورة الى الأمام للابقاء على أمل المعارضة في تغييرالنظام في سورية لكن ذلك يؤجل بطلب من “احدى الدول الراعية” بحجة أن توقيت الخطوة غير ملائم وقد يشكل طعنة أكثر عمقا للمعنويات مما يتوقع..لأنها ستكون الثورة الأولى في الربيع العربي التي تغير قيادتها .. وسيقرأ ذلك على أنه انكسار ..واعتراف بالانكسار ..

 

فمن الواضح أن الدفعة الأولى للربيع العربي التي قامت بدعمها مؤسسات الغرب السياسية والعسكرية بسرعة فائقة لن يمكن اتمامها في سورية ولم يحالفها الحظ .. فحصل نوع من التراجع في الاندفاعة الغربية لتحل الخطة البديلة بالاجهاز على الدولة الوطنية بمفهومها الاجتماعي وقد أوكل الى القوى الاقليمية في تركيا والسعودية بهذه المهمة لأن استمرار التدخل الغربي العلني قد يسبب حساسية وحرجا لدى المعارضين العرب وهذا صار ملموسا من تردد البعض في قبول مبررات المعارضة السورية بالتعاون مع الناتو … فيما يبدو التدخل الاقليمي ومن باب المظلة الاسلامية “السنية” في الحالة السورية أكثر اقناعا ودغدغة للمشاعر .. ولذلك فقد تلاشى مفهوم التدخل العسكري وتراجعت حماسة الغرب له وليتراجع الدور القطري قليلا ليفسح في المجال للدور السعودي الذي تقدم الى الصف الأول مباشرة بعد أن كان شبه صامت يومئ برأسه موافقا فقط على معادلات بن جبر الاقليمية ..
لكن التلكؤ ليس في صالح الدولتين السعودية والتركية على الاطلاق لأن المحور الآخر (سورية وحلفاؤها) قد اكتشف كل المستور وكل النوايا المبيتة واكتشف أن هدنة اليوم هي استعداد لجولة أخرى لامحالة .. ولن يكون من المستبعد أن هذا المحور سيدفع بحركة معاكسة مفاجئة قريبا جدا بعد هدوء المرحلة .. ولذلك هناك محاولة مستميتة من قبل الجوار السوري وبالذات تركيا والسعودية على تفجير الوضع السوري من الداخل عبر استراتيجيتين هما:

1- اسقاط الشعور العام بوجود الدولة المدنية ومؤسساتها :
سيتم اللجوء الى هذا التكتيك عبر اطلاق مجموعات مبعثرة من القتلة والجهاديين القاعديين من أجل خلق نوع من الاعتياد على أخبار الموت وثقافة القتل العلني والتفجير في شوارع المدن الكبرى السورية لتشكل مشروعا بديلا عن النسف من الخارج فيحدث بذلك النسف من الداخل بتحطيم الحالة المدنية لنموذج العيش والحياة الآمنة للسكان التي كانت في اطار مؤسسات دولة وليحل محلها شعور عام بالاحباط من اخفاق الدولة الحالية وخاصة الاحباط الأمني .. ومايراد به للناس هو أن تسقط نظرية الدولة بالتدريج وتآكلها مع تآكل دور رجل الشرطة والمخفر والأمن والقانون وحتى تآكل نظرية اصلاح فساد المؤسسات .. ليحل محلها رويدا رويدا برلمان الجوامع والمشايخ وتشريعات الأمير ورجاله في الحي ولوردات الحرب وقانون الشارع والاستسلام لصوت الخوف من المعصية …معصية الأمير والجامع والمسلحين..
والتصعيد في الداخل السوري في توقيت وجود المراقبين الدوليين قرأه الكثيرون على أنه اصرار على ترجمة نبوءة أصدقاء سورية و”خوارزمي الخليج العربي” حمد بن خليفة بأن نجاح مهمتهم لايتجاوز 3% .. وأستطيع أن أقول بأن التصعيد لم يفاجئ أحدا لأن المعلومات المستقاة من عدة مصادر قالت بأن تحرك المحور التركي السعودي أراد اطلاق قطعان القتلة لاستفزاز الجيش السوري لارغامه على الرد بقسوة أمام المراقبين اما لتتم ادانته أو أنه في حال عدم رده فان الرأي العام السوري سينقلب على الدولة السورية التي ستبدو غير قادرة على الالتزام بتعهدها بقمع العنف بقسوة وحماية المواطنين .. ولذلك أطلقت المجموعات العنفية فعاليات وعمليات بشعة عنيفة مصورة ونشرتها لاحراج الدولة السورية وارغام الجمهور لممارسة الضغط النفسي عليها وحتى تشجيعه على التمرد عليها اما غضبا منها أو خوفا من المسلحين ..
ويرى مسربون من أوساط المعارضة أن الغاية من تفعيل العنف أمام المراقبين ليس لاستجلاب العطف باظهار الدولة السورية تقتل الناس أو بأن الثوار يقتلون القوات الحكومية بل لسبب آخر تماما تم تبنيه وفق نصيحة فرنسية لاستثمار مهمة المراقبين (التي يبدو أنها ثمرة جهد ديبلوماسي روسي) لاستعمالها بعكس نية الخطة الروسية .. أي للقول بأن الوضع في سورية يحتاج الى تدخل فعال أممي “ليس عسكريا بالضرورة ” بل بارسال وسطاء وقوات مراقبة دولية على الأقل للفصل بين المتحاربين ومراقبة وقف اطلاق النار .. وبالتالي التعامل مع المعارضة على أنها صارت ندا للنظام ليتم التفاوض معها وكأن وجودها على الأرض مهما صغر حجمه يبرر اعتبارها ندا بحجم النظام ..

وفي هذه المرحلة سيقوم الاعلام المتواطئ بتضخيم حجم التمرد اعلاميا ليبدو المتمردون يسيطرون ولو مؤقتا على مساحات واسعة حدودية (دير الزور أو الأرياف الدمشقية أو حدود لبنان وادلب) وأن أعدادهم بالآلاف حتى وان كان مايسيطرون عليه أحياء صغيرة وجيوب صغيرة لاقيمة عسكرية لها ..
وعند حدوث ذلك سيتم تقديم المعارضة السورية للعالم على أنها أحد الممثلين الشرعيين للشعب السوري الذين يجب أخذهم بعين الاعتبار بشهادة المراقبين الدوليين بل ويمكن الاعتراف بهم مثل حركة استقلال السودان ستبتز من خلالها السلطة السورية لفترة طويلة .. لكن من سيفاوض النظام في هذه الحالة ليست المعارضة بل من يقف خلف المعارضة أي مجموعة الدول صاحبة مشروع الوصاية على الشعب السوري ..كما حدث في سيناريو السودان الذي أشرفت عليه دول دعمت المعارضة السودانية التي لم تكن تفاوض الا بناء على توجيهات غربية .. فتشقق السودان شمالا وجنوبا..

2- اعلان الحرب صراحة على الجيش السوري نفسه
الهدف من ذلك هو لتحطيم أهم مؤسسة وطنية سورية على الاطلاق والتي يعود الفضل لها في الامساك بالجغرافيا السورية وانتزاع سورية من أسنان الانشطار والتمزيق والفتنة .. وهي المؤسسة التي تماسكت واتكأ عليها المستقبل السوري كله ومستقبل خريطة الشرق الأوسط برمته .. وهي التي تقف حتى الآن كالعظمة في الحلقوم التركي السعودي… ومن يستمع الى السيد زهير سالم الناطق باسم تنظيم الاخوان المسلمين السوريين في لندن يعرف قلب الحقيقة .. ففي سياق دفاعه بقوة عن تسليح الثورة السورية وعما سمّاه حق الشعب في الدفاع عن نفسه ضد الجيش السوري كانت رسالة “أصدقاء سورية” عبر التنظيم الاخواني واضحة لمن يقرأ .. وهي أنه يجب “اسقاط” الجيش السوري كرمز معنوي نال احترام الشعب السوري كله ولم يجرؤ معارض واحد على المس بوطنيته رغم أنه العقبة القاسية جدا التي حالت دون وصول التنظيم الى السلطة وحالت دون افتراس الدولة الوطنية السورية

حيث يقول زهير سالم: ان الجيش السوري يدخل الى البيوت فيقتل الأب والأطفال ويغتصب النساء ..وهو لم يعد جيشا للسوريين بل جيشا أسديا !! .. وهنا اعتراف في منتهى الأهمية وزلة لسان لاتغتفر للمعارضة السورية .. فهذا الكلام يدل على حقيقة جلية وهو أن من أوقف مشروع المعارضة الاخوانية هو الجيش السوري كله وليست “الفرقة الرابعة والعميد ماهر الأسد” .. وليس الحرس الثوري الايراني ولا مقاتلو حزب الله الذين دأبت المعارضة واعلام العربية على الادعاء على مشاركتهم بالآلاف في قتل السوريين .. وكان تصريح زهير سالم لا لبس فيه ..وهو اتهام الجيش السوري كله دون استثناء لفرقة أو كتيبة بأنه جيش أسدي دون تخصيص الفرقة الرابعة مثلا .. وهذا يدل على غياب أي أثر لقوات ايرانية أو لحزب الله التي طالما روج لها الاعلام الأسود ..بل يدل أيضا على غياب انشقاقات مهمة (قدرتها المبالغات الثورجية الشديدة بأنها وصلت الى 70 ألف مقاتل أي 20% من تعداد الجيش السوري تقريبا) وتدل مرارة اعترافات سالم على أن جسم الجيش السوري لايزال متماسكا جدا ولايزال يعمل في اطار دولة وطنية ومؤسسات وطنية .. وأن كل ماقيل عن الفرقة الرابعة وغيرها أو انشقاقات ذات شأن محض افتراء .. والا لكان سالم قد وجه اتهامه بشكل عفوي وتلقائي الى الفرقة الرابعة مثلا وليس الى الجيش السوري البطل الذي يفترض أن سالم سيدعوه ليوقف ماتقوم به الفرقة الرابعة مثلا…
ويفهم من كلام زهير سالم الناقم على الجيش السوري كله (أي على نصف مليون من أبناء السوريين وهم تعداد الجيش السوري) أن هؤلاء جميعا تحولوا الى قتلة ومغتصبين .. وأنهم بلا ضمير وأنهم وروبوتات بلا قلب تعمل لصالح الرئيس الأسد كشخص وفرد … ومعنى كلام السيد سالم أنه يشرّع قتل جميع العسكريين السوريين دون مواربة .. والمعنى البشع المخجل لكلامه أنه لايمانع فيما لو تمكن الناتو من قصف هذا الجيش وتذويبه باليورانيوم المنضب كما فعل بالجيش العراقي .. حقد مريض مجنون على نصف مليون عسكري سوري لأنهم لم يؤيدوا الثورة .. وديمقراطية اخوانية لاتضاهي .. وترحيب بالرأي الآخر في الوطن لايبارى ..ورسالة مرت مصادفة بالقرب من ضريح يوسف العظمة رمز الوطنية السورية الأعلى..فانكسر قلبه من ورع زهير سالم وتقاه !!..

ومن يسمع كلام السيد سالم يعرف أنه أنه أمام عقلية لاتصلح لقيادة دولة ومجتمع ناهيك عن قيادة دولة مواجهة مثل سورية تواجه خطرا بمستوى العقل الصهيوني … لأن سالم اما أنه ساذج أو أن قيادته ساذجة .. أو أنها لايهمها الا السلطة ولاتريد وجع رأس في صراعات الجيوش مع الجيوش في الصراع العربي الاسرائيلي لانها لاتفهم هذا النوع المعقد من الصراعات الا على أنه حرب أدعية وصلوات وركعات وكتابة الأحجبة والتعاويذ واللعب بحبات المسبحة.. وأرجو ممن سيرى زهير سالم هذه الأيام أن يشرح له هذه المبادئ الصلبة في عقائد الجيوش ..ففي لغة الجيوش يتم تدريب الجيش عادة على عقيدة قتالية صلبة .. وهي لايمكن أن تكون عقيدة قائمة على أن يقتحم الجندي البيوت ويغتصب النساء .. لأن هذا يعني أن هذا الجيش المبني على هذه العقيدة سيمارسها في أيام الحرب والسلام أيضا .. لكن لم يسمع أحد طوال عقود عن أن الجيش السوري كان بهذه الوحشية واللاأخلاق .. لأن الجيوش لاتغير عقائدها القتالية خلال 3-4 أشهر أثناء أزمة نزاع على السلطة .. بل العقيدة القتالية هي نهج طويل من التدريب لعقود لايستأصل ولايستبدل خلال أيام .. ولايمكن أن يكون الجندي السوري الا ابنا لعائلته الوطنية وللحيّ الذي يعيش فيه وللقيم التي يتبادلها مع الناس .. ولايمكن أن تكون هذه قيم نصف مليون مقاتل سوري جاؤوا من نصف مليون عائلة سورية من كل أطياف الشعب السوري ..

ولأن العقيدة القتالية -التي لايفقه فيها زهير سالم شيئا ولايفهمها تنظيمه الا على أنها قراءة الحجابات والأدعية والتعاويذ في السيارات المفخخة -هي مايخشاه العدو دوما فقد قام “بول بريمر” مثلا بتسريح الجيش العراقي فورا بعد اجتياح العراق (مدعوما من معارضة عراقية) لاستئصال العقيدة القتالية للجيش العراقي التي كان يقال انها للدفاع عن البوابة الشرقية وضد اسرائيل والغرب ..وبدأ بريمر في الحال آنذاك ببناء جيش جديد بعقيدة جديدة نصفها من عقائد الطوائف ونصفها الآخر من عقائد الميليشيات .. الا اذا كان السيد زهير سالم يقول جهارا وعلنا ان الجيش العراقي الوطني الذي كان في أناشيد مجلس التعاون الخليجي “يحمي البوابة الشرقية” كان أيضا جيشا عقيدته القتالية هي قتل الأسر العراقية واغتصاب النساء ليل نهار..ونهار وليل..
وليفهم زهير سالم نورد له من الأمثلة على أهمية تدمير العقيدة القتالية للعدو لجوء الأمريكيين لحل الجيوش الوطنية المهزومة لاستئصال عقيدتها القتالية من العسكريين والشعب .. فقاموا بحل الجيش الألماني بعد الحرب العالمية الثانية ومنعوا اليابان من تكوين جيش له عقيدة قتالية .. انه فن استئصال الجيوش واستئصال العقائد القتالية ..
السيد زهير سالم ومجموعات المعارضين يقولون بما معناه ان الجيش العربي السوري كله ليست له عقيدة قتالية سوى الاغتصاب والقتل .. ويوصلنا الغوص عميقا في أنفاس زهير سالم الكريهة الى أن الرسالة التي يريد قولها رضوان الله عليه هي التالية: أن على السوريين قتل واستئصال جيشهم لاستئصال عقيدته القتالية المتمثلة في (قتل الناس في بيوتها واغتصاب النساء) ولذلك يتم الهجوم على الجيش السوري وتنفيذ عمليات تفجير بقوافله ومقراته .. وفي النقطة الأعمق لأنفاس سالم الكريهة رسالة أوضح وهي: لامانع أن يكون مصير الجيش السوري الانحلال مثل مصير الجيش العراقي .. لأن المجاهدين هم من لديه عقيدة قتالية مع كل حبة “مسبحة” .. وأن على نصف مليون أسرة سورية القبول بتذويب أبنائها في معارك مع حلف الناتو من أجل عيون الاخوان المسلمين وزهير سالم لأنه أفتى أن الجيش الذي أوقف اندفاعتهم ليس الجيش العربي السوري بل .. الجيش الأسدي ..

وبعد كل هذا الكم من الكراهية المرضية والعمى الوطني تريد المعارضة اقناعنا أن تفجيرات ادلب وغيرها هي من عمل النظام في “ألاعيبه القذرة”… فهل بعد هذا الكلام من رذائل؟ ألا يشبه كلام المومسات؟ وهل بعد هذا الكلام سيضيف المحافظون الجدد أي كلام؟ وهل هناك فرق بين أي معارضة عربية وأخرى؟ بل ماذا يريد بنيامين نتنياهو أكثر من مثل هذه الخدمات الجليلة؟؟ !! …فأمامه سوريون يريدون قتل جيش بلدهم معنويا وأخلاقيا وعمليا دون أن تطلق اسرائيل على هذا الجيش طلقة واحدة ..فعلا انه كلام الرذيلة ورائحة سريرها وعرقها..
اين تقف تركيا والسعودية الآن في هذه اللحظة؟؟
تقف السعودية حيث تقف تركيا ولاتجرؤ السعودية على البقاء منفردة في أي قرار ولذلك كان اللقاء مع أردوغان لتنسيق المواقف .. وقد صار معروفا لدى كل من يقرأ الحدث بعين الباحث الفاحص وعقل السياسي ان تركيا قررت وبشكل نهائي ألا تدخل الحرب مباشرة لأنها بصراحة تخشى الحرب (وأردوغان يكذب ان أنكر ذلك فلا تصدقوه) .. فتركيا تخشى أن كوارث الحرب ستتسبب في دفع قسم كبير من الناس وخاصة القوى العلمانية في تركيا للتساؤل أكثر عن الحكمة من اشراك البلاد في حروب الآخرين (أي حروب المعارضة السورية) ويبدو واضحا أن الحد الذي يسمح به المزاج العام في تركيا هو التعاطف والدعم للاسلاميين العرب وليس القتال الى جانبهم مباشرة .. وتقول تسريبات وثيقة ان أردوغان وأوغلو تلقيا اقتراحا من جهة استخباراتية “عربية” أن يتم تفجير بعض أو أحد مرافق استانبول بالقنابل التي سيقال انها رسائل سورية غاضبة ليبرر أردوغان للجمهور التركي دخوله في حرب ضد السوريين .. وبذلك يمكن اخراس المعترضين والمنتقدين لأن الاعتراض سيكون خيانة للكرامة التركية .. وبالتالي سيسهل تبرير طلب تفعيل الاتفاق الدفاعي مع الناتو .. لكن مايمنعه من هذه الأمنية هو الكابوس الثقيل الذي وضعته أمامه لجنة خاصة مقربة جدا من العسكر الأتراك الذين اعترضوا على الفكرة لأن اللجنة قالت ان تبرير الحرب سيكون سهلا لكن تبرير ثمنها الباهظ جدا سيكون مستحيلا الى جانب نيلها من سمعة الاستقرار التركي والاقتصاد السياحي وكل