النظام الاداري الكنسي
يدلنا الكتاب المقدس والتقليد بان الكنيسة ومنذ نشأتها كانت جماعة منظمة مرتبه يقودهم الرسل[1] وتشهد الاناجيل[2] والرسائل الرسولية عندما كتبت على دقة هذا التنظيم الكنسي وانها كانت موجهة لجماعات تحترم النظام[3] ونستقي من اعمال الرسل وما يليها خصوصاً رسائل القديس بولس ان الكنائس كانت تحتوي على تنظيم اداري بسيط يناسب حجم المسيحيين في ذلك الوقت كما يناسب ثقافتهم ووضعهم الاجتماعي والروحي، وتبدأ السلسلة الهرمية بالرسل يليهم التلاميذ السبعين يليهم باقي المؤمنين لكن لم تكن هذه السلسلة الهرمية تعني وجود طبقات من المؤمنين بل كانت تنظيماً واقعياً للحال الايماني للمسيحيين في تلك الفترة لذلك نرى صعود نجم بعض المؤمنين مثل بولس الرسول (شاول الطرسوسي) الذي لم يكن من الرسل ولا من التلاميذ المئة والعشرين الذين حل عليهم الروح القدس في العلية يوم الخمسين ومع ذلك فقد سمي بالرسول وكان تبشيره وعمله اعظم من كثير من الرسل. وما ان زاد عدد المسيحيين وانتشروا في الارض اخذ الرسل يدعون الكنائس لانتخاب شمامسة[4] وشيوخ واساقفة[5] ويضعون الايدي عليهم[6] فكان هذا التقسيم الاداري البسيط مناسباً لكنيسة ناشئة لكننا نرى لاحقاً وبسبب ازدياد اعداد المسيحيين بشكل كبير وانتشارهم الجغرافي الواسع اصبح هناك حاجة لنظام اداري كنسي (اكليروس) اعقد واوسع واكبر فكان هناك تطور في هذا النظام الاداري ويبدأ هذا التطور بنوعين من الخدام، الخادم المتجول والخادم المحلي وكان على رأس الخدام المتجولين: الرسل، فكان للرسول علاقة عامة مع كل الكنائس، ولم يشترط أن يكون واحداً من الأحد عشر بل قد يكون من التلاميذ السبعين او من كان ايمانه قوي جداً، فعلاوة على متياس كان هناك بولس رسول الامم وبرنابا وغيرهم، ومن اهم مهام الخدام المتجولين البشارة وتأسيس كنائس والاهتمام بها[7]، ويأتي بعد الرسل "الأنبياء" وسماهم الكتاب بالانبياء[8] ليس تشبهاً بأنبياء العهد القديم بل لان مهمتهم التنبؤ برسائل ضرورية ويبدو أنه كان "لنبي العهد الجديد" علاقات مع مختلف الكنائس[9]، ومن اهم مهامه الابلاغ بإعلانات[10] ولكن يبدو انه لم تكن لهم تلك الصلاحيات المؤثرة الا ان كتاب الدخدخية يهتم بهم ويرفعهم لمستوى رؤساء الكهنة رغم ان البعض منهم اساء استخدام هذه المواهب كما حدث بكنيسة كورنتوس، وبعد "انبياء العهد الجديد" يأتي المعلمون[11] وكانت خدمة المعلم بالكنيسة المحلية كواعظ ومرشد، وكان يجب أن يكون مقتدراً وصالحاً للتعليم، وبعد ذلك تأتي مواهب شفاء وأعوان[12] وتدابير وألسنة[13]، ويبدو ان خدمة "الأساقفة والشمامسة" كانت في الكنيسة المحلية ولم تكن لهم مهام تجوالية، ويبدو ان الفرق الاداري بينهما لم يكن كبيراً في بادئ الامر إذ يكتب الرسول بولس إلى الكنيسة في فيلبي: "إلى جميع القديسين في المسيح يسوع الذين في فيلبي مع أساقفة وشمامسة" [14] فالأسقف يسمى أيضاً شيخاً كما كان يسمى راعياً " وهو اعطى البعض ان يكونوا رسلاً، والبعض انبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين"[15] و " احترزوا اذا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه"[16] فصفاتهم ووظائفهم مشتركة[17] ولكن مع تطور الكنيسة ونموها اصبح هناك حاجة لتطوير النظام الاداري فيها فاصبح هناك تميز بين الاسقف و الكاهن (القس) و الشماس واصبح لكل منهم وظيفته ودرجته الاكلريكية[18]. ورغم ان هذا النظام الاداري الذي يطلق عليه كلمة (الاكليروس) تختلف النظرة عليه بين الكنائس التقليدية والكنائس البروتستنتية الا انه حقيقة واقعه، فالكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية ترى ان المسيح وضع كهنوتاً عاماً لكل المسيحيين وكهنوتاً خاصاً للمدعوين منهم للخدمة وهؤلاء هم الاساقفة والكهنة والقسوس والشمامسة والرهبان والراهبات ويسمون بالاكليروس ولديهم سلطة روحية بعمل ومنح الاسرار المقدسة او خدمة المؤمنين، اما البروتستنت فيرون ان جميع المؤمنين كهنة ولا يوجد كهنوت خاص ويقتصر دور القساوسة والشيوخ لديهم على التدبير الاداري دون أي سلطة روحية على المؤمنين خصوصاً انه لا وجود لاسرار يقدسونها في عقيدتهم، ولعل البعض القليل من الكنائس البروتستنتية هذه الايام ترى انه للقساوسة والشيوخ دور اكبر من الاعمال الادارية واقل من السلطة الروحية المطلقه او الواسعه، وان للقس مهمة تقديم ما يسمونه بالرمزين المقدسين العشاء الرباني والمعمودية[19]. ولقد كانت الكنيسة الاولى تتخذ قراراتها بالاجماع او بالاغلبية ويصبح القرار بذلك نهائياً فليست هناك جهة أخرى لاستئناف الحكم إليها ففي كنيسة كورنثوس ارتكب احد الأشخاص خطيئة معينة، فيكتب الرسول بولس اليهم بضرورة أن تتولى الكنيسة مجتمعة النظر في الأمر[20] هذا لان كنيسة كورنتوس كانت صغيرة نسبياً وحديثة النشأة، فالقرار يجب أن يصدر من الكنيسة مجتمعة وهذا النظام المجمعي اصبح عادة في الكنيسة درجت عليها ويكتب في الرسالة الثانية إلى نفس الكنيسة مشيراً إلى هذه القضية قائلاً: مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين[21] أي أن القرار بالقصاص صدر من الأغلبية. وايضاً على الكنيسة أن تنتخب المسؤولين فيها، فقد حدث هذا عند انتخاب السبعة في الكنيسة في أورشليم[22] كما في حالات أخرى[23] ويبدو لأول وهلة أن ما جاء في[24] يتعارض مع ما سبق ذكره، حيث نقرأ أن بولس وبرنابا انتخبا لهم قسوساً في كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كان قد آمنوا به[25] ولكن يكاد العلماء يجمعون على أن بولس وبرنابا أقاما القسوس (أي الشيوخ) الذين اختارتهم الكنائس أي أنهما صادقا على من انتخبهم أعضاء الكنائس المعنية. وبعد التوسع المسيحي اصبح هناك ما يسمى بالمجامع تتخذ القرارات فقد كانت كل كنيسة تتولى أمورها بنفسها بمجامع مكانية إقليمية، فيكتب الرسول بولس إلى الكنيسة في كورنثوس قائلاً "ليكن كل شيء بلياقة وحسب ترتيب"[26] فهو يوكل لكل كنيسة أمورها، كما هو واضح من الرسائل إلى الكنائس السبع (رؤ 2، 3) وعند الامور الكبيرة تكون هناك مجامع مسكونية وسأفصل لهذا الموضوع لاحقاً.
[1] من الكلمة اليونانية apostoloi
[2] من الكلمة اليونانية euangelion أي الخبر السار.
[3] ليكن كل شيء بلياقة وحسب ترتيب (1 كو 14: 40).
[4] كلمة يونانية بمعنى دياكونيا أي الشماسية وهي الخدمة التي ارتأها الرسل لبعض الاخوة فكانت رتبة ووظيفة مقدسة انتخب لها اول الامر سبعه من الشمامسة اشهرهم اول الشهداء اسطفانس ويبدو ان الكنائس لاحقاً بدأت بإنتخاب الشمامسة من الذكور والاناث الى ان قامت الكنيسة في مجمع نيقيه بحصر الرتبة الشماسية بالرجال فقط.
[5] درجات او الرتب الكهنوتية كانت في بداية المسيحية هي الشماسية والكهنوتية (القسوسية او الشيوخ) والاسقفية ثم ما لبثت الطوائف ان اوجدت بين هذه الدرجات او الرتب رتباً أخرى تختلف من كنيسة لاخرى لكن يمكن ان نقول ان بينها: بطريرك او رئيس اساقفة او مونسنيور او غيرها من الرتب.
[6] اعمال الرسل 6: 1-7 واعمال الرسل 13: 1-3
[7] (2 كو 11 :28)
[8] (1كو 12 :28، أف 4: 11 )
[9] (اع 13: 1) ( اع 11: 28، 21: 11) ( اع 2: 17) (1 كو 11: 5) وغيرها.
[10] (أف 3 :5)
[11] (أف 4 :11)
[12] لعل الأعوان تشير إلى خدمة الشمامسة.
[13] (1 كورنتوس 12: 28 )
[14] (فيلبي 1: 1)
[15] (أفسس 4 :11)
[16] (أعمال 20 :28)
[17] (انظر 1 تيموثاوس 3: 1- 13 وتيطس 1 :5 و 7- 9)
[18] يبدو تاريخياً ان هذا التميز بدأ مع القرن الثالث لكن لم يكن بسرعه بل بالتدريج ولم يأتي القرن الرابع الا وكان هناك تميز واضح في الدرجات الاكليروسية بين الاسقف والقس والشماس خصوصاً ان مجمع نيقيه ميز بينهم وجعل الاسقف الاعلى يليه القس او الكاهن يليه الشماس والمجمع نفسه سمح بزواج القسوس والشمامسة ومنع زواج الاساقفة. ويرى الامير الحسن بن طلال في كتابه المسيحية في العالم العربي صفحة 51 " ان الكنائس التي ترأسها الاساقفة الاوائل – وهي التي تأسست اصلا على يد بولس واصحابه في مختلف انحاء العالم الروماني – بقيت تحمل اسماء المدن التي تأسست فيها. وقد كانت الحياة في المدن، في الامبراطورية الرومانية اقل تطوراً وانتشاراً في الغرب (بلاد اوروبا الغربية وما يقابلها من بلاد افريقيه) منها في الشرق (بلاد شبه الجزيرة اليونانية واسيا الصغرى والشام ومصر والعراق). ولهذا السبب جاءت الكنائس الشرقية ( وهي التي اعتمدت اللغة اليونانية في طقوسها ) اكثر عدداً من الكنائس الغربية ( وهي التي اعتمدت اللغة اللاتينية بدلا من اليونانية)، غير ان كنيسة روما في الغرب تمتعت، ومنذ البدء، بتفوق بارز على غيرها من الكنائس، كونها كنيسة عاصمة الامبراطورية. وفيما كان الاساقفة في الكنائس الشرقية يمارسون السلطة على مناطق صغيرة نسبياً، كان زملاؤهم في الغرب يمارسون السلطة نفسها على مساحات اوسع معظمها متطابق مع التقسيمات الادارية الرومانية، حيث كانت تسمى كل وحدة إدارية diocesis (اليونانية diokesis أي تدبير المنزل) فأصبحت المنطقة التابعه للاسقف تسمى ايضاً diocesis (وبالعربية ابرشية ومن اليونانية paroikia بمعنى الجوار) وهذا المصطلح ما لبثت الكنائس الشرقية ان نقلته عن الغربية للدلالة على المنطقة التابعه كنسياً للاسقف. وفي الشرق كما في الغرب، قسمت كل ابرشية الى وحدات كنسية سميت كل واحدة منها paroikia، او باللاتينية paroicia (وبالعربية رعية حتى لا يكون هناك التباس بين الابرشية المعربة عن paroikia بمعنى ولاية الاسقف، واللفظة المعربة ذاتها بمعنى الجزء الواحد من هذه الولاية). واوكلت الرعاية الروحية لكل رعية الى قس يتولى شؤونها تحت اشراف اسقف الابرشية.
[19] ارى ان كلمة البعض الوارده في رسالة القديس بولس لاهل افسس 4 :11تميز بين كهنوت المؤمن العادي والمؤمن المكرس (الاكليروس) كما نرى في انجيل متى 18 :17 ان الرب يسوع المسيح اوكل إلى الكنيسة الحكم النهائي، والكنيسة وان كانت تعني جمع المؤمنين الا انه ليس من المنطق بعد زيادة عدد المؤمنين وانتشارهم جغرافياً واختلافهم في فكرهم الثقافي وتعليمهم ونموهم الروحي ان يتخذوا جميعهم القرارات الكنسية لذلك وبسبب هذا التوسع والانتشار انحصرت قرارات الكنيسة بالاكليروس رغم ما سببه هذا الامر من امور سلبية وقرارات واحكام خاطئة لاحقاً الا انه كان النظام الاداري المنطقي والوحيد.
[20] (1كورنثوس 5 :4-13)
[21] (2 كورنثوس 3 :6)
[22] (أعمال 6: 3 - 13)
[23] (أعمال 15 :22، 1 كورنثوس 16 :3، 2كورنثوس 18-3، في 2 :25)
[24] (أعمال 14 :23، تي 1 :5)
[25] (أعمال 14 :23)
[26] (1 كو 14: 40)