الــــمـــقــــدمــــة

 

المقدمة

المسيحية سميت بهذا الاسم لاول مرة في مدينة انطاكية[1] وقبل ذلك كان عدد اتباع المسيح قليلا جداً حتى ان علية في منزل كانت تكفي لاستيعابهم وعند صعود المسيح للسماء بلغ عدد اتباعه مئة وعشرين شخصاً، وخلال خمسين عاماً بلغ عدد المسيحيين ما يقارب النصف مليون، بعبارة أخرى استطاع المئة والعشرين شخصاً الذين كانوا من مؤسسي الكنيسة والذين حل عليهم الروح القدس في اليوم الخمسين لصعود الرب استطاعوا ان يضاعفوا عددهم الى ما يزيد على أربعة آلاف ضعف خلال خمسين عاماً.

وقد ظهر المسيح له المجد في زمن التناقضات، فالتناقض الاكبر كان باليهود الواقعين تحت الاحتلال الروماني فقد كانوا بعيدين عن الله متمسكين بناموس لا يمت للشريعة الموسوية بشيء[2] وأما التناقض الآخر فقد اختصرته الأمم الاخرى بأنها كانت تعبد الاوثان. في هذا الوقت بدأ التلاميذ بتنفيذ وصية الرب وهي " نلت كل سلطان في السماء والارض. اذهبوا الى العالم كله، واعلنوا البشارة الى الناس اجمعين وعمدوهم بسم الاب والابن والروح القدس، وعلموهم ان يعملوا بكل ما اوصيتكم به، والذين يؤمنون تساندهم هذه الايات: يطردون الشياطين بإسمي، ويتكلمون بلغات جديدة، ويمسكون بأيديهم الحيات، وان شربوا السم لا يصيبهم أذى، ويضعون أيديهم على المرضى فيشفونهم، كل من يؤمن ويعتمد يخلص، ومن لا يؤمن يهلك وها انا معكم طول الايام، الى انقضاء الدهر"[3] في الواقع لم يكن لدى معظم التلاميذ اية ثروة او مركز اجتماعي او أي منصب يضفي عليهم هيبة ومعظمهم لم يكونوا متعلمين تعليماً عالياً، كما لم يتلق هؤلاء التلاميذ دعماً من الرومان او رضى من رؤساء الكهنة اليهود. بل تعرضوا للعذاب والاضطهاد والرفض والنفي والمحاكمات غير العادلة والقتل. لكن هؤلاء الاوائل حصلوا على عون من الله في اليوم الخمسين وبهذا العون الالهي استطاعوا ان يواجهوا عالماً معادياً لهم محاربين قوى الشر والضلال ليس بجهاد حربي والقتل بل بالايمان والرجاء والمحبة، بذلك نعلم ان هناك عوامل اساسية وثانوية اثرت على نمو المسيحية وتطورها اما العوامل الاساسية فهي الكتاب المقدس، الحضارة والفلسفة اليونانية واللاتينية، والسياسة الرومانية- البيزنطية. اما العوامل الثانوية فهي كثيرة واهمها الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والافكار التحررية للشعوب كالاقباط والسريان والارمن وغيرهم والديانات القريبة كاليهودية والاسلام والحضارة الفارسية والعادات والتقاليد... الى ما هناك من عوامل، وهذه جميعها جعلت من المسيحية ديانة مرنة قابله للمزج والامتزاج مع كل هذه العوامل، والديانة الوحيدة في العالم التي انتجت عقائد وعقائد مضادة بنمو مضطرد وبدون توقف فأصبحت المسيحية تضم اكثر العقائد فلسفةً وعمقاً واحياناً تعقيداً وتناقضاً.

واليوم نرى ان المسيحيين هم الاكثر عدداً في العالم وكثيراً من دساتير الدول تدين بالمسيحية، كما نجد ان كثير من الدول العلمانية معظم او غالبية سكانها من المسيحيين وبعض المسيحيين المنتشريين في ارجاء العالم هم من كبار الاغنياء، ومن ناحية أخرى هناك الان ميئات الالاف من الكنائس المنتشرة في العالم وملايين من القساوسه والشمامسة والاهوتيين والكهنة والرهبان والراهبات والاساقفة ويساندهم ملايين من المكرسين العلمانيين الذين نذروا حياتهم للرب، وهناك ايضاً مليارات من الكتب المسيحية المنتشرة في العالم بشكل كبير وبمختلف اللغات ولا ننسى ان الكتاب المقدس نفسه منتشر بمعظم اللغات ومعظمه يوزع مجاناً وهو مصنف عالمياً بالكتاب الاكثر انتشاراً. وهناك ايضاً بعض الدول المعادية للمسيحية فتمنع تداول الكتاب المقدس والكتب المسيحية وتمنع بناء الكنائس وممارسة الشعائر والطقوس المسيحية ووضع الرموز المسيحية او رفعها او ذكرها علانية او تضع حدوداً لهذا الامر او تخضعها للرقابة.

اما حال المسيحية اليوم فاننا نجد ان المسيحية قد انقسمت الى طوائف والطوائف نفسها انقسمت الى طوائف أخرى لتشكل طوائف مستقلة او طوائف تابعة. وهذه الطوائف تهتم بتأسيس معاهد لاهوتية جديدة ومنظمات دينية والتبشير من جديد حتى بين المسيحيين انفسهم[4] والبعض يهتم ببناء الكنائس وشراء اجهزة موسيقية جديدة وببناء مزارات وعمل التحف بعضها اشياء جميله وبعضها اشياء لا اساس كتابي لها تباعد وتزيد من الانقسام بين الطوائف المسيحية المختلفة " ان محبة المال أصل كل الشرور، الذي إذ أبتغاه قوم ضلوا عن الايمان"[5].

بعد هذه النظرة المختصره لحال المسيحية امس واليوم فانه لا بد ان نوضح ان المسيحية كحياة ودين تبحث عن الكيف وعن الكم معاً. فالكيف لا يعني " نوعية الانسان" بل النوعية التي يصبح عليها الانسان بعد ايمانه، فالمسيحية " الولادة الثانية" بمعنى آخر لا تهتم بشكل الانسان او مركزه الاجتماعي والثقافي والسياسي بل نجدها تركز اهتمامها على الفقراء والمعدمين والمحرومين والمظلومين والمشردين ليس كرهاً بالاغنياء بل لان الفقراء لا حول ولا قوة لهم لذلك نجد ان يسوع المسيح ركز في اقواله وصادق في وجوده الارضي الفقراء والخطأة والغرباء والمنبوذين كيف لا وهو نفسه أتى فقيراً وولد في حظيرة حيوانات وقمطته امه العذراء المباركة ووضعته في مذود وقد كان مسؤولا عنه نجار فقير هو القديس يوسف فكان بحق إلهاً محباً للبشر نصير الفقراء والمظلومين. اما الكم فالمسيحية تهتم ايضاً بعدد الناس الذين يخلصون، فالمسيحية تريد ان يخلص الناس اجمعين " اذهبوا الى العالم كله، واعلنوا البشارة الى الناس اجمعين وعمدوهم بسم الاب والابن والروح القدس"[6] ولذلك فالمسيحية هي الطريق الوحيد للخلاص ولا طريق غيرها يوصل الى الله "من ليس معي فهو علي، ومن لا يجمع معي فهو يفرق"[7] " انا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة"[8]، ان المسيحية حياة ودين قائمة على القبول، أي ان يؤمن الانسان بمحض إرادته والرغبه الخالصة بدون اجبار او اكراه. والمسيحية كدين تقوم على ثلاثة ركائز هي: اولاً العقائد، واهم عقيدة تميز المسيحية عن غيرها انها تؤمن بالمسيح انساناً والهاً ومخلصاً شخص واحد اقنوم واحد مع الآب والروح القدس وبالتالي من لا يؤمن بهذه العقيدة لا يمكن ان يكون مسيحياً، ثانياً: العمليات، مثل العبادات والطقوس والممارسات وهي تختلف بين الطوائف والاختلاف فيها لا يلغي الايمان، ثالثاً: الاخلاقيات: وتشمل الممنوعات والمسموحات والسلوكيات، وهذه ان فقدت في مسيحي يكون بالاسم مسيحي.

 

 


[1] اعمال الرسل 11: 26.

[2] انجيل مرقس 7: 1-13 انجيل متى 22: 23-40

[3] (راجع: متى 18: 16-20 مرقس 16: 15-18 لوقا 24: 36-49 أعمال 1: 6-8)

[4] انني معروف برفضي الشديد للتبشير بين المسيحيين (الاستلال Proselytism أي الخطف من الكنائس) بحيث ينتقل المسيحي من طائفته لطائفة أخرى وانني من مؤيدي فكرة ان الاصلاح يبدأ من الداخل ومن الاشتراك وليس من الانفصال.

[5] ( 1 تيموثاوس 6: 10أ).

[6] (متى 28 : 19)

[7] (متى 12: 30 ولوقا 11: 23)

[8] ( يوحنا 8: 12 وانظر ايضاً يوحنا 6: 25 – 59)

 

Back