الفصل الاول: مدخل عام

 

الباب الاول: مدخل في الفكر المسيحي

 

عند الحديث عن الفكر المسيحي (Dogmas) لا بد لنا من تعريف هذا الفكر فهو العقيدة الكاملة او المبدأ الشامل القائم على قبول واستجابة وايمان الانسان بالمسيح الهاً وانساناً، فيتخلص من حياته الماضية بما فيها من افعال واقوال وافكار خاطئه، ويولد الانسان من جديد[1] ولادة ينتقل فيها الانسان من الظلمات الى النور ومن الموت الذي يشبه موت المسيح على الصليب الى الحياة التي تشبه قيامة المسيح من القبر، ولا يكتمل ايمان الانسان الا اذا اعتمد ايضاً من شخص مسيحي مؤهل " باسم الآب والابن والروح القدس" وسار الانسان بحسب تعاليم الرب[2].

أما القبول والاستجابه فلعل ما قاله القديس أوغسطينوس (Augustine)[3] " طلبت الرب لانه هو وجدني أولاً " خير مثال على ما يعنيه، بمعنى ان الايمان بيسوع المسيح ليس عملية وراثية ولا إستدعاء يقدمه الانسان لله يطلب فيه الانتساب للمسيحية وينتظر جواباً عليه بالقبول او الرفض. ان الرسول يوحنا الحبيب كان واضحاً حينما قال "نحبه لانه هو أحبنا اولاً "[4] بالتالي فان هذا الفكر المسيحي يقوم على ان الله هو المبادر ونحن من نستجيب وهي دعوة عامه مفتوحه للجميع ويبقى للانسان ان يختار بين القبول وبين الرفض.

الايمان المسيحي يرافقه بعض المتطلبات وهي اعتراف الانسان بخطيئته والتوبه عنها والاعتراف يجب ان يكون باللسان والقلب والاعتماد بالماء باسم الآب والابن والروح القدس والاعتماد الثاني بالروح القدس، وقد يختلف المسيحيون بترتيب اولوية الايمان والمعمودية[5] الا ان كلتهما ضروري ليصبح الانسان مسيحياً مكتمل المسيحية كما قد يختلف المسيحيون بين تعريف وترتيب حدوث معمودتي الماء والروح الا ان الجميع يتفق انهما اساسيان ليكون الانسان مسيحياً مكتمل الايمان. اما الاعتراف فكلمة تعني يونانياً "  homologin" أي يقول نفس ما، وهي إقرار الانسان بما يعرفه الله اصلاً عنا من افعال واقوال وافكار خاطئه وان يندم الانسان عليها، ويرافق هذا المفهوم مفهوم آخر ملتصق معه ولا يمكن نزعهما عن بعضهما البعض وهو التوبه. والتوبه تعني الرجوع الى الله " ليترك الشرير طريقه ورجل الاثم أفكاره وليتب الى الرب فيرحمه، والى الهنا لانه يكثر الغفران "[6] وتتضمن التوبه شيئين هامان هما الندم و" صنع ثمار تليق بالتوبه "[7] ومؤكد تعني عدم العودة للطريق السابق علماً ان الانسان بطبيعته خاطئ ولذلك فالخطيئه المقصوده بسابق معرفه تعتبر خطيئه عظيمة اما الخطيئة الغير مقصوده فهي خطيئه تغتفر بدون ان يحمل الانسان وزراً كبيراً. ان هناك تأكيداً ان الانسان مهما بلغ من درجة القداسة والتقرب من الله يبقى هذا الانسان ضعيفاً وقد يخطئ بخطايا غير مقصوده وهفوات كثيرة لكن الكتاب المقدس يقدم لنا الله كإله رحيم غفور وهو محبة و" محب للبشر". ان الايمان المسيحي يعلم بان الشيطان يجرب المؤمن ويحاول ان يحيده عن الايمان القويم، ولهذه الخطايا اعتراف وندامة اقرب ما تكون لممارسة او عادة او تقليد ضمن الحياة المسيحية وهي عند الكثير من الكنائس المسيحية ضرورة يجب ممارستها عند كل صلاة وخصوصاً قبل تناول العشاء الرباني، ومهما اختلف المنظور الطائفي لهذه المفاهيم او اختلف اسلوب ممارستها فيبقى ان جميعها ضرورية ليكون الانسان مسيحياً. هذه كلها تعريفات  تدخل في مصطلحين مترابطين لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض الا وهما الكريستولوجي (Christologie) وعلم اللاهوت( Theology)، والكريستولوجي هو التعاليم الخاصة بشخص المسيح سواء كانت التعاليم القويمة ام البدع[8] فمجال دراسة الكريستولوجيا هي ضمن الثيولوجيا المسيحية المهتمة بدراسة طبيعة يسوع المسيح، وخاصة كيفية ارتباط الالوهية بالانسانية في شخص يسوع. اما علم اللاهوت فهو علم دراسة الالهيات او هو ذلك العلم الذي يبحث عن الله وصفاته وشرائعه وأعمال عنايته، والتعاليم التي يجب أن نعتقدها، والأعمال التي يجب أن نقوم بها أي علم دراسة الالهيات. ويختلف علم اللاهوت عن الكريستولوجي بان الاول علم اشمل يبحث بالاضافة للثالوث الاقدس وانسانية يسوع والوهيته قضايا ايمانية كثيرة، بينما الكريستولوجي تبحث بشخصية يسوع المسيح والعقائد التي وجدت حوله سواء كانت عقائد الكنيسة القويمة او العقائد المهرطقه او عقائد ديانات أخرى كاليهودية التي ترى يسوع الناصري على انه انسان عادي يدعي انه المسيح، او الاسلام التي ترى المسيح عيسى بن مريم كنبي.

ينقسم علم اللاهوت الى:

1- لاهوت وحيي ويطلق عليه البعض لقب "اللاهوت  النظامي Systematic Theology": وهو الذي يبحث في الوحي أي الحقائق الكتابية الموحى بها وفوائدها التعليمية. وبدوره ينقسم الى:

§   العقائدي او التفسيري Dogmatic Theology: ومجاله العقيدة المستنبطة من الكتاب المقدس وتفسيرها تفسيراً صائباً.

§   الادبي او التعليمي Moral Theology : ومجاله ترتيب الحقائق المتصلة باللاهوت التفسيري وتنظيمها ويطلق عليه احياناً اسم اللاهوت الاخلاقي.

§   التاريخي Historical Theology: ومجاله بيان تقدم وتطور التعاليم والعقائد اللاهوتية في مراحل الكنيسة المختلفة الى ان بلغت حالتها الحاضرة مع تأثيراتها الثقافية والاجتماعية.

§   الفلسفي أي الجدلي والدفاعي Philosphical Theology (Polemics): ومجاله مناهضة الهرطقات والبدع والعقائد الخاطئة والدفاع عن الحق.

2- لاهوت طبيعي Natural Theology: وهو الذي يبحث عن الامور الطبيعية أي في المخلوقات كافة سواء كانت مادية او عقلية لاستخرج تعليمها في الله وعلاقتنا به.

يعالج علم اللاهوت المواضيع التالية:

1-  الثيولوجيا Theology : ويبحث عن الله وصفاته ويشمل كل ما يعلمه الكتاب في وجود الله وصفاته والتثليث وعلاقة الله بالعالم اي اللاهوت.

2-  الانثروبولوجيا Anthropology: ويبحث في الانسان، ويشمل كل ما يعلمه الكتاب عن اصل الانسان وطبيعته وحالته قبل واثناء وبعد السقوط وماهية الخطيئة وما احدثته في آدم ونسله.

3-  السوتيريولوجيا Alsotiriologia: ويبحث في الخلاص. ويشمل كل ما يعلمه الكتاب عن خلاص الانسان، ويبدأ منذ تجسد الرب وحول كونه اله كامل وانسان كامل معاً وعمله وعمل الروح القدس في تخصيص الفداء للمؤمنين وما يتعلق بالتبرير ةالتقديس ووسائط النعمه.

4-  الاسخاتولوجيا Alaschatologgio: ويبحث في الآخرة، ويشمل كل ما يعلمه الكتاب عن حالة النفس بعد الموت، وفي القيامة ومجيء المسيح الثاني للدينونة، ونهاية العالم، والسماء وجهنم.

5-  الاكليزيولوجيا Alacheziologia: ويبحث في الكنيسة، ويشمل كل ما يعلمه الكتاب في ماهية الكنيسة وصفاتها وحقوقها ونظامها[9].

ولعلم اللاهوت حسب معظم اللاهوتيين نظامان رئيسان تامان الا انهما متناقضان، وهناك انظمة فرعية متوافقة مع احدهما. اما النظامان الرئيسان فأولهما النظام الأغسطيني ويتبع له من الانظمة الفرعية مثلاً لاهوت توما الاكويني ونوعاً ما اللاهوت الكلفيني. وثانيهما النظام البيلاجي ويتبع له من الانظمة الفرعية لاهوت مارتن لوثر واللاهوت السوسيني. ونشأ نظام ثالث متوسط بين النظامان اللاهوتيان الرئيسيان الا وهو النظام الوسطي او النظام الكاسيانوسي ( لقبه بعض اللاهوتيين بالشبيه بالبيلاجي) ومن الانظمة الفرعية المتوافقة مع هذا النظام اللاهوت الأرميني واللاهوت الوسلي[10].

واللاهوت بشكل عام تطور مع مرور الزمن ففي القرون المسيحية الاولى كان اللاهوتيين وهم الاباء الاوائل مهتمين اكثر الامر في الدفاع عن الحقائق المسيحية ضد اليهود والوثنيين والهرطقات المسيحية لذلك كان اهتمامهم منصب في حل القضايا التي دار حولها الجدل وهي اثباتات الوهية المسيح وانسانيته، والثالوث الاقدس بينما قل حديثهم عن اصل خطيئة الانسان ونتائجها، والنعمة الالهية وعملها ثم اخذ اللاهوتيين يوسعون اهتمامهم بقضايا لاهوتية اكثر تفصيلية نتيجة لتطور الجدل حول المسيحية، ولذلك نرى مثلاً ان لاهوت المسيح ومساواته للآب في الجوهر حدد بمجمع نيقيه (Nicaea – Isnik  المنعقد سنة 325م) واقنومية الروح القدس ولاهوته حدد في مجمع القسطنطينية الاول ( Constantinople – Istanbul المنعقد سنة 451م) ودرست المجامع الثلاثة التي تليها افسس الاول ( Ephesus المنعقد سنة431م) وافسس الثاني ( المنعقد سنة 449م المرفوض من الكنائس الخليقدونية) والخليقدوني ( Chalcedon المنعقد سنة 451م المرفوض من الكنائس المونوفيزتية) طبيعة المسيح الالهية والبشرية واكد المجمع السادس للخلقدونيين في القسطنطينية ( المنعقد سنة 860م) ان للمسيح مشيئتين الهية وبشرية وقد تبنت الكنيسة في فترة ما آراء المعلم الاسكندري الشهير أوريجانوس ( Origenes)[11] ثم مع تطور اللاهوت قررت الكنيسة جمعاء عدم صحة لاهوت اوريجانوس واخذت بلاهوت اغسطينوس واراء لاهوتيين آخرين وما زال علم اللاهوت يتطور، وهذا لا يعني ان العقائد نفسها تتطور ويضاف اليها ويلغى منها، بل ان الفكر اللاهوتي ينمو ويكبر. واذا قبلت الكنيسة جمعاء قوانين مجامع نيقيه والقسطنطينية الاول وأفسس الاول فان الكنائس اليونانية والرومانية واللوثرية والمصلحة وافقت بنسبية على قرارات مجمعي خليقدونية والقسطنطي السادس بينما رفضتهما الكنائس القبطية والارمنية والسريانية.

اما الكريستولوجي فقد بدأت منذ القرن العشرين وبعد المصالحات وبيانات الايمان المشتركة بين الكنائس الخليقدونية والكنائس اللاخليقدونية تأخذ حيزاً مهماً في حركة الفكر اللاهوتي، فبعد ان كان الفكر اللاهوتي القديم ينطلق من كون يسوع هو المسيح، الكلمة، ابن الله، ويسمي علماء الكريستولوجي ذلك بالمفهوم اللاهوتي التنازلي لانه ينتقل من التجسد حيث " في البدء كان الكلمة والكلمة هو الله..." (يو 1:1) والايمان الذي ينطلق من فوق نزولاً حيث ان يسوع الناصري هو من جوهر الله الآب ويصل في نهاية مطافه الى انه من جوهر الانسان أي انه بشر مثلنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. انطلق هذا الفكر الى مفهوم جديد والمسمى بالمفهوم اللاهوتي التصاعدي الذي ينطلق من الانسان يسوع المحدود زمنياً ومكانياً الى نقطة الوصول حيث انه ليس انساناً فقط انما هو الله. هذا الانتقال في الفكر المسيحي احدث انقلاباً مهماً بالنسبة للكريستولوجيا المعاصرة حيث لم يعد التجسد وحده هو المحور الذي يشدد على طبيعة المسيح الالهية – الانسانية. واذا كان العبور من الانسانية الى الالوهية في شخص يسوع امر ممكن، فأيضاً العبور من الالوهية الى الانسانية ممكناً لان واحدهما يفترض قيام الآخر، فيسوع هو إله تجسد وليس انساناً اصبح الهاً، وبيسوع لم يتخذ الله ابناً له، بل اعطانا ابنه الوحيد. ولكي لا يظن القارئ ان التغيير في الفكر الكريستولوجي هو تغيير في الايمان المسيحي فإن المفهومين او الحركتين سمهما ما شئت حركتين متكاملتين غير متناقضتين لان الكتاب المقدس يقدم لنا يسوع الواحد. فالفكر التنازلي يركز على علم التفسير الكتابي بينما الفكر الثاني التصاعدي يركز على علم اللاهوت العقائدي المليئ بالتنظير اللاهوتي. والفكر الحديث يقوم اصلاً على تبني آراء الآباء الاوائل وافكارهم حول الكريستولوجي وليس فكراً يحل محلها.

وهذ كله منبعه الكتاب المقدس أي اننا نستقي العقائد من الكتاب المقدس، والشخص الذي يقوم بذلك يسمى باللاهوتي او عالم اللاهوت ومهمته ان يجمع العقائد وينظمها ويبيّن علاقة بعضها ببعض وما بينها من الاتفاق، ولا يخفى ما في هذا من الصعوبة والأهمية جعلت اللاهوتيين يختلفون في بعض العقائد وهو ما اسس لاحقاً طوائف مختلفة العقيدة. ويعتبر الكتاب المقدس هو كتاب علم اللاهوت ومصدره وأساسه، أي أن علم اللاهوت مأخوذ منه ومبنيٌّ عليه، وهناك مصادر أخرى للعقائد وهي التقليد[12] لدى بعض الكنائس والتي تسمى بالطوائف التقليدية لانها تأخذ بالتقليد المنقول من الآباء الاوليين كمصدر ثاني للاهوت بينما الكنائس البروتستنتية لا تأخذ بمصدر آخر غير الكتاب المقدس. ولقد ادت الدراسات اللاهوتية بان وقع بعض اللاهوتيين في المحظور فكانت الضلالات والعقائد الفاسدة والتعاليم المهرطقة والبدع التي شاعت على مر العصور في تاريخ الكنيسة ولكن ورغم ما احدثته هذه الضلالات من شق للوحدة المسيحية الا انه كلما ظهر تعليم خاطئ كانت ردة الفعل بزيادة البحث ونمو النقاشات فتظهر العقائد القويمة المستنبطه من الكتاب المقدس[13].

 

 

الباب الثاني: نظرة تاريخية جغرافية سياسية

 

ولد المسيح له المجد في عهد الامبراطورية الرومانية (Roman Empire)، وهذه الامبراطورية تأسست على ما يعتقد على يد يوليوس قيصر ( Julius Caesar) سنة 44 قبل الميلاد وكانت تسيطر على معظم العالم القديم أي من الجزر البريطانية وشواطئ اوروبا الاطلسية غرباً الى بلاد ما بين النهرين وسواحل بحر قازوين شرقاً ومن وسط اوروبا وشمال جبال الالب شمالاً الى الصحراء الكبرى في افريقيا والبحر الاحمر جنوباً وبذلك كانت مثالاً على مفهوم الدولة الجامعه ذات الطابع الاستعماري واصبح العنصر اللاتيني يسيطر على شعوب كل من القرطاجيين (الفينيقيين الافارقة) والسرياني والفينيقي الاسيوي واليوناني والقبطي (الفرعوني) واليهودي وغيرها من الشعوب، واسس الرومان في هذه المناطق مقاطعات رومانية يحكمها قائد عسكري روماني وعواصم هذه المقاطعات هي اصلاً العواصم السابقة للشعوب التي احتلتها الامبراطورية الرومانية او المدن الكبرى للشعوب الخاضعة، فكانت قرطاجنة ( Cartagena) مثلاً عاصمة القرطاجيين، والاسكندرية Alexandria) عاصمة الاقباط  واهميتها تفوق قرطاجنة لذلك كانت عاصمة افريقيا جمعاء، والقدس (Jerusalem) عاصمة اليهود، وانطاكيا (Antioch) عاصمة الشعوب السريانية، واثينا ( Athenas) عاصمة اليونان ( Greese)، وكانت روما ( Rome) هي عاصمة العواصم ومركز الامبراطور، وفيها مركز الثقافة اللاتينية ( Latin) اللغة الرسمية للامبراطورية الرومانية اما اثينا فكانت مركز للثقافة واللغة اليونانية وهي رغم محاربتها من قبل الثقافة واللغة اللاتينية الا انها بقيت قوية بوجه اللاتينية، بينما نرى ان السريانية والقبطية والارامية ولغات وثقافات اخرى ضعفت لصالح اللغتين اليونانية واللاتينية. منذ عام 235م بدأت الامبراطور الرومانية بالانحطاط فقد بدأت القبائل الجرمانية بمهاجمة الامبراطورية كما قامت الامبراطورية الفارسية بمهاجمة الشرق فإنتزعت ارمينيا من الرومان وسيطرت على اراضي ما بين النهرين واجتاحت الجيوش الفارسية سوريا الى ان جاء الامبراطور ديوكلتيانوس (Diocletian ( حيث صد الهجوم الفارسي وعهد بالحكم الى اربعة اشخاص يتقاسمون السلطة وهو ما سمي بالنظام الرباعي والذي بدأ سنة 286م والذي استمر حتى عام 305م ثم تبع ذلك صراع على السلطة استمر من سنة 306م حتى 313م الى ان جاء الى العرش الامبراطور قسطنطين الذي وحد الامبراطورية عام 324م. ويعتبر حكم قسطنطين والذي يلقب بالكبير نقطة تحول في الامبراطورية الرومانية ففي عهده انتقلت العاصمة الى القسطنطينية ( روما الجديدة) وثم قسم امبراطوريته الى شرقية عاصمتها القسطنطينية والتي اصبح اسمها لاحقاً بإسم الامبراطورية البيزنطية (The Byzantine Empire)، والى غربية عاصمتها روما والتي اصبح اسمها الامبراطورية الرومانية الغربية (Western Roman Empire ( والتي سقطت سنة 476م بيد البرابرة الاريوسيين (Barbarians).

 

 

  

الباب الثالث: التنظيم والادارة في الكنيسة الاولى

 

درسنا في الباب الاول مصطلحي علم اللاهوت وعلم الكرستولوجي، ويرافق هذين المصطلحين من حيث الاهمية مصطلحين " كنيسة Church" و" الكراسي الرسولية  The Holy Chair of Saints فالكنيسة كمصطلح كلمة سريانية معناها مجمع أو اجتماع، وكلمة "كنيسة" في العهد الجديد مترجمة عن الكلمة اليونانية "إكليسيا" ومعناها "جماعة مدعوة لغرض ما" فهي تشير إلى جماعة من المؤمنين في مكانٍ ما، مثل كنيسة أورشليم وكنيسة أنطاكية وغيرها[14] كما تشير إلى جماعة صغيرة من المؤمنين تجتمع في أي مكان للعبادة سواء في كنيسة أو منزل أو أي مكان آخر[15] كما تشير إلى جماعة المؤمنين عموماً، وتُعرف بالكنيسة العامة[16] وهي جسد المسيح، وهي تشير إلى جماعة المؤمنين بالمسيح[17] وكذلك قد تعني المكان الذي يجتمع فيه المؤمنون للعبادة[18] ولم تعني الكنيسة كلمة طائفة الا بعد القرن السادس او السابع الميلادي، اما كلمة الكراسي الرسولية[19] فهو مصطلح يحتاج لتفسير دقيق فلا بد لنا ان نعود للوراء لمعرفة اساسه، فعندما قام الرسل وتلاميذ الرب وبشروا وخاطبوا الكنائس في المدن والقرى بشكلها المستقل وحسب الوحدات الادارية فكتب بولس[20] بوحي من الروح رسائل لكنائس غلاطية وروما وتسالونيكي وغيرها وخاطب الوحي في رؤيا يوحنا الكنائس السبعه[21] وكذلك فعل الرسل والتلاميذ الاخرين فكرس هذا الخطاب الشكل الاداري للكنائس في عهد الاباء الرسوليين (Les Peres Apostoliques)[22] فأصبحت كل كنيسة في مدينة او قرية مستقله ادارياً بشيوخها وشمامستها واساقفتها ولكنها جميعا كانت كنيسة واحدة متحدة معا برباط الايمان بدليل خضوعها جميعا للرسل واخذت بعض المدن تدين بإيمانها لرسول او تلميذ ما تفاخراً وهذا حدث حتى اثناء حياة الرسل انفسهم فنلاحظ ان القديس بولس انتقد بشدة النزاع بين المؤمنين حول الانتساب لرسول ما " ولكنني اطلب اليكم ايها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تقولوا جميعكم قولا واحداً ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد لاني أخبرت عنكم يا اخوتي من اهل خلوي ان بينكم خصومات فانا اعني هذا: ان كل واحد منكم يقول انا لبوس وانا لابلوس وانا لبطرس وانا للمسيح. هل انقسم المسيح؟ العل بولس صلب لاجلكم ام باسم بولس اعتمدتم"[23]، ومع مرور الوقت وازدياد اعداد المؤمنين وانتشارهم بشكل كبير اصبحت الكنائس في المدن الكبيرة أي العواصم[24] مسؤولة إدارياً ومالياً عن الكنائس في المدن والقرى وبالتالي اصبح شيوخ[25] وكهنة وشمامسة[26] الكنائس الصغيرة خاضعه للكنائس الكبيرة واصبح هناك اسقف[27] واحد فقط مسؤول عن عدة كنائس يقطن في العاصمة او المدينة الكبيرة ويتبعه كهنة وشمامسة في كنائس متعددة مترامية الاطراف[28] وجمع الاساقفة هؤلاء يتبعون الى اسقف اعلى منهم مرتبة هو اسقف الكرسي الرسولي[29] والتي اصبحت تطلق على العواصم او المدن الكبرى التي بشر فيها الرسل او احد التلاميذ السبعين ورغم ان الرسل والتلاميذ بشروا في مدن كثير وقرى عديده الا ان اساقفة بعض المدن نالوا درجة اعلى من غيرهم ثم لقبوا في مجمع خليقدوني بالبطاركة واصبح اتباع كل كنيسة ينسبون ايمانهم لرسول او تلميذ معين ويلقبون الاسقف في هذه المدينة بخليفة الرسول واصبح هذا الاسقف يجلس على كرسي اوعرش الرسول فأطلق عليه لقب كرسي القديس فلان. وترى الكنائس الرسولية بأنها كنائس تمتد في تقليدها وتعاليمها الى ما استلمته من الرسل انفسهم وذلك نظراً لظهور تعاليم غريبة عن تعاليم الرب التي سلمها للرسل والذين سلموها بدورهم للمؤمنين، وتقول هذه الكنائس ان الرسل سلموا التعليم والوعظ وقيادة الكنائس لاشخاص ينوبون عنهم أي الشيوخ والاساقفة حتى لا يتركوا الكنيسة تحت رحمة التعاليم الغير صحيحة " احترزوا اذا لانفسكم ولجيع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها اساقفة، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه. لاني اعلم هذا: انه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية. ومنكم انتم سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم"[30] وهذا المبدأ الذي سار عليه الرسل في المدن اسس لما يسمى بالآباء الرسولين أي الآباء الذين عاصروا الرسل واخذوا عنهم ومنهم التعليم والوعظ والتبشير والقيادة الكنسية وهم بالنسبة للمسيحيين الخلفاء الامناء والشرعيين فقط للرسل فيقول التقليد ان بطرس الرسول سلم الاسقفية في روما الى ليتس وان مرقس سلم انيانوس الاسقفية في الاسكندرية وان بولس سلم اسقفية انطاكيا لاغناطيوس وهكذا ويعترض البروتستنت على التسمية والمبدأ معاً معللين رفضهم بأن لا آية كتابية تؤيد الكراسي الرسولية تسمية او مبدأ[31]. اما هذه الكراسي الرسولية فقد قسمت الى اربعه كراسي منذ القرن الثالث الميلادي[32] وهي كرسي القديس مرقس في الاسكندرية، وكرسي القديس بطرس الاول في انطاكية، وكرسي القديس يعقوب اخو الرب في اورشليم، وكرسي القديس بطرس الثاني في روما، وتجدر الاشارة الى ان البطريركية الاورشليمية وان اعتبرت ام الكنائس لأن مؤسسها السيد المسيح ذاته ومنها انطلقت البشارة للعالم، لكنها فقدت اهميتها وضعفت جداً بعد ان دمر الرومان مدينة اوروشليم سنة 70 للمسيح عندئذ الحقت بالكنيسة الإنطاكية اداريا وطقسيا[33]، وفي سنة 451م في المجمع المسكوني الخليقدوني ايد المجمع استقلالية البطريركية الاورشيلمية اداريا عن انطاكيا واصبحت من جديد كرسياً قائما بذاته[34]، ومع ذلك ظلت مرتبطة طقسياً بالكرسي الانطاكي ثم لاحقاً ارتبطت اداريا وطقسياً ومالياً بكنيستي القسطنطينية اليونانية والروسية[35]، وكذلك حدث لكرسي القديس يوحنا بأفسس والذي فقد اهميته بسبب ضعف المدينة، اما كرسي انطاكيا الرسولي فقد خسر الكثير بعد الفتح العربي، وانتقل من المدينة دون ان يفقد اللقب، وقبل ذلك وقع بشقاقات عديدة ادى ان يكون هناك عدة اساقفة لكل جماعه يحملون لقب بطريرك انطاكيا[36] وخضع الملكيين منهم لبطريرك القسطنطينية واتبعوا بشكل تدريجي الطقس والعادات التي حددتها كنيسة القسطنطينية اليونانية[37] ثم تبعوا كنيسة روما اللاتينية دون ان يتخلوا عن طقوسهم اليونانية واما السريان الارثوذكس والملقبين باليعاقبه نسبة الى يعقوب البرادعي ( Jacob Baradaeus)[38] وهم من رفضوا المجمع الخليقدوني فكانوا من المؤمنين بالطبيعه الواحدة وبقيوا محافظين على عاداتهم السريانية ومستقلين عن الكنائس الاخرى، اما الموارنة نسبة الى القديس مارون (Saint Maroun) وهم سريان ملكيين تابعين لكرسي انطاكيا فهم لم يكتفوا فقط بعدم رضاهم عن سيطرة البيزنطيين على كرسي انطاكيا بل رسموا لهم بطريرك اعلن خضوعه لبابا روما واعلنوا موافقتهم على المجمع الخليقدوني وحافظوا على طقسهم السرياني الى ان جرى تعريبه لاحقاً كما ان المجمع المذكور رفع اسقف مدينة القسطنطينية[39] الى رتبة بطريرك[40] كونها عاصمة الامبراطورية ولقبها روما الجديدة[41] واصبح يطلق عليه لقب كرسي القديس اندراوس[42] وقد رتب المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381م  الكراسي الرسولية فكانت روما اولا تبعتها القسطنطينية ثم الاسكندرية فأنطاكيا فالقدس[43] وبالنسبة لمناطق نفوذ الكراسي الرسولية فقد كانت كنيسة الاسكندرية مسؤولة عن مصر وليبيا وامتد نفوذها جنوباً لاحقاً لتصل الحبشة ويبدو ان هناك بعض تابعيها في مناطق شمال افريقيا رغم ان كنيسة شمال افريقيا ومركز اسقفيتها قرطاجنة كانت تابعيتها لكنيسة روما اقوى الى ان سيطر العرب على شمال افريقيا حيث انتهت المسيحية هناك بشكل متسارع، اما كرسي القدس فكانت تتبعه فلسطين وشرقي الاردن ونظرا لدمار القدس وانتقال المسيحين هربا الى بيلا شرق نهر الاردن فقد ضعف هذا الكرسي وانتقلت السيطرة الى كرسي انطاكيا الذي سيطر على سوريا وفلسطين وقبرص واسيا الصغرى وما بين النهرين (الرها والعراق وفارس) وارمينيا والعربية[44] ونظراً لان كنائس مدن اسيا الصغرى[45] كثر فيها الانتساب الى الرسل فقد فقدت جميعها قوتها لصالح كرسي انطاكيا لكن بصعود كرسي القسطنطينية الرسولي تقلص نفوذ كرسي انطاكيا على اسيا الصغرى واستقلت كنيسة المشرق عن كرسي انطاكيا واعتبرت نفسها وريثة كنيسة الرها كذلك استقلت كنيسة قبرص عن كنيسة انطاكيا[46] وانسلخت ابرشية العرب عن انطاكيا وتمذهبت بمذهب المنوفيزيتيين اما كنيسة القسطنطينية فتوسعت ليكون مناطق نفذها في اليونان واوروبا الشرقية وحتى جنوب ايطاليا بينما ضعف كرسي كورونتوس اليوناني. أما كرسي روما فسيطر على وسط ايطاليا وشمالها وتوسع لاحقا الى وسط اوروبا وغربها[47]، وما ان دخل القرن الثامن الميلادي حتى كانت كنائس انطاكيا واورشليم والاسكندرية ضعيفه بينما ازدادت قوة كل من كنيستي روما والقسطنطينية ولا يخفى على احد ان عوامل كثيرة سببت ضعف كراسي القدس والاسكندرية وانطاكيا وكنيسة المشرق وكنيسة الارمن اهمها الخلافات الكنسية[48] وخضوعها للعرب ذوي الدين المختلف وانحسار اعداد مؤمنيها او تحولهم للدين الاخر او هروبهم بسبب الاضطهاد، اما بالنسبة لكنيستي روما والقسطنطينية واللتين ورغم انهما تعرضتا لهزات كثيرة الا انهما حافظتا على وضعهما نسبياً.

هذه الكراسي الرسولية وان بقيت مستقله اداريا عن بعضها البعض وتتبع اساقفتها الا انها كانت متحدة في ايمانها وفي عقيدتها متميزة طقسياً وإدارياً ويطلق عليها جميعا الكنيسة الجامعه " الكنيسة الكاثوليكية Katholika " وايمانها يسمى بالايمان القويم " الايمان الارثوذكسي Orthodoxa " وأول من استعمل لفظ كاثوليك للدعوة لتأييد الكنيسة مقابل حركات الخروج على عقائدها أسقف أنطاكية القديس الشهيد أغناطيوس النوراني ( Ignatius of Antioch)[49] في القرن الثاني الميلادي، اما كلمة ارثوذكسي فأول استخدامها كان منذ بداية المسيحية واطلق على الذين كانوا يؤمنون بيسوع المسيح على انه إله وانسان وذلك لتميزهم عن المهرطقين الذين اختلفت نظرتهم للمسيح، فتارة ينظرون له كإله فقط او نصف إله وتاره ينظرون له كانسان فقط او يعتبره بعضهم خيال انسان. ولم يكن بين المسيحيين الارثوذكس اختلافات تذكر في اول عهدهم سوى اختلافات في بعض الرموز والطقسيات[50] ومع مرور الوقت وتعدد الانشقاقات فقد اصبحت هذه الكراسي الرسولية طوائف واصبحت مستقله عقائدياً عن الكنائس الاخرى فاطلق على الكنائس الشرقية كنائس ارثوذكسية لانهم كانوا يعتقدون بانهم الاصح في حفظهم للعقيدة ومحافظتهم على قرارات المجامع المسكونية التي يختلفون على عددها وقانونيتها، بينما اطلق على الكنيسة الغربية والتي تسمى ايضاً بالكنيسة اللاتينية لقب الكنيسة الكاثوليكية كونها تجمع تحت سلطتها المنفصلين من الطوائف الشرقية الارثوذكسية.

 

 

الباب الرابع: الطوائف المسيحية

 

الكنائس المسيحية اليوم تقسم حالياً الى كنائس شرقية أي الكنائس التي نشأت في الامبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) والكنيسة الغربية أي الكنيسة التي نشأت في الامبراطورية الرومانية الغربية وهذه انقسمت الى الطوائف (Christian Denomination) التالية:-

1-الطوائف الارثوذكسية: وهي الكنائس الشرقية والتي اخذت هذه التسمية بعد سلسلة الانشقاقات الكاثوليكية الارثوذكسية لتميز نفسها عن الكنيسة الكاثوليكية الغربية، وقسمت الى كنائس تؤمن بالطبيعتين وتسمى بالخليقيدونية[51] وكنائس تؤمن بالطبيعه الواحدة وتسمى باللاخلقيدونييّن (الموتوفيزيقية او الاوطاخية او السويرين او اليعقوبية) علماً ان هذه الكنائس تمتنع عن تسمية انفسها بالالقاب الواردة بين قوسين واحياناً ترفضها وتلقب نفسها فقط بالارثوذكسية وهي:

§كنيسة انطاكيا وقد نالها عدة انشقاقات فكنيسة انطاكيا للموارنة يرأسها بطريرك وخضعت لكرسي روما وكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك ويرأسها بطريرك وخضعت لكنيسة روما وكنيسة الروم الملكيين الارثوذكس بطريركها مستقل وجميعهم كنائس خليقدونية وكنيسة السريان والتي تسمى في الكتب التاريخية بالكنيسة اليعقوبية وهي لاخليقيدونية ولها بطريرك ارثوذكسي مستقل وهذه الكنيسة بدورها انشقت لاحقاً وخرجت منها طائفة اعلنت خضوعها لبابا روما.

§كنيسة الاسكندرية[52] وهي كنيسة تؤمن بالطبيعه الواحدة لاخليقيدونية وتسمى ايضا بالكنيسة القبطية وقد انشق منها البعض وخضعوا لكنيسة روما.

§كنيسة القسطنطينية وهي كنيسة خليقدونية ويرأسها البطريرك المسكوني.

§كنائس أخرى مثل كنيسة الارمن وهي كنيسة لاخليقدونية رغم ان الارمن لم يشاركوا بمجمع خليقدونية بسبب الحرب البيزنطية – الفارسية انذاك الا ان مجمع الكنيسة الارمينية رفض لاحقاً الاعتراف بمجمع خليقدونية والكنائس الارمنية حالياً كنائس كاثوليكية وكنائس ارثوذكسية، واما كنيسة بلغاريا فقد تقلبت منذ تأسيسها في تبعيتها كلا من كنيستي روما والقسطنطينية لاسباب سياسية ثم استقلت وهي كنيسة اورثوذكسية خليقيدونية، اما كنيسة روسيا فقد كانت تابعه لكنيسة القسطنطينية ثم استقلت عنها لاسباب سياسية واعتبرت نفسها وريثة للارثوذكسية الحقه بعد ان عين السلطان العثماني بطريرك للقسطنطينية بعد احتلاله لها وهذه الكنيسة خليقيدونية تعرضت للاضطهاد الشديد من الشيوعيين وشكلت رئاسة لها خارج روسيا الى ان انهارت الشيوعية. وهناك كنيسة التوحيد الاثيوبية الارثوذكسية وهي كنيسة لاخليقيدونية كانت تابعه لكنيسة الاسكندرية الى ان استقلت عنها وكنائس أخرى كانت تتبع للكنائس الرسولية ولكنها استقلت لاحقاً.

بناء على انتساب بعض الطوائف الشرقية للكنيسة الكاثوليكية اصبحت هناك كنائس شرقية ارثوذكسية وكنائس شرقية كاثوليكية.

2- الطوائف الكاثوليكية او كنيسة روما او الكنيسة اللاتينية وهي الكنيسة الام بالنسبة للطوائف الشرقية التابعه لها، وبالرغم من ما اصابها من بلاء بسبب بعض بابواتها الغير الشرعيين والسمعة السيئة من بعض بابواتها الشرعيين[53] او العداوة من بعض الملوك والامراء والعسكر لكنها كانت تخرج من ذلك كله بأقل الخسائر واحيانا بنصر كبير، وكانت اشد الاهتزازات التي اصابتها انشقاق كنيسة انجلترا، والانشقاق الكاثوليكي الكبير، وانشقاق البروتستنت عنها، والعلمانية الاوروبية، ورغم ذلك تعتبر هذه الكنيسة ذات دور كبير سياسياً ودينياً في العالم ويتبع لها اكثر من مليار مؤمن لتشكل اكبر الطوائف المسيحية عدداً، والكنيسة الكاثوليكية كنيسة خليقيدونية.

3- الطائفة النسطورية (Nestorianism ( وتسميتها الرسمية هي كنيسة المشرق القديمة ومقر بطريركها بغداد وهي تختلف عن كنيسة المشرق الاشورية الرسولية الجاثلقية المقدسة والملقبه بعدد من المراجع بكنيسة ساليق وقطيسفون، كنيسة الشهداء، كنيسة كوخي، كنيسة بلاد فارس ومقر بطريركها حالياً شيكاغو. وتتتبع هاتين الكنيستين المنشقتين عن الايمان مجمع افسس تعليم نسطوريوس ( وديودورس وثيودوروس)، وانشقتا عن كنيستها الام الانطاكية واصبح لها جاثليق، وفي سنة 1552م انشقت عن الكنيسة القديمة جماعه واعلن المنشقين خضوعهم لبابا روما وسماهم البابا بالكلدان تميزاً عن النساطرة ثم انشق الكلدان الى قسمين الاول خرج عن سلطة بابا روما بقيادة البطريرك مار شمعون الثالث عشر دنحا سنة 1662م ونقل مقره من ديار بكر الى قرية قوشانيس في جبال هكاري في تركيا وقسم بقي موالي للكنيسة الكاثوليكية ورسم لهم البابا بيوس الثامن بطريركاً هو يوحنا الثامن هرمز عام 1830م والذي يلقب ببطريرك بابل للكلدان. ورغم اعتبار الكنائس الاشورية عند باقي الكنائس كنيستين مهرطقتين الا انهما تؤمنان بالثالوث الاقدس وبعقيدة الفداء والميلاد العذراوي، علماً ان هذه الطائفة منتشرة للآن في العراق وايران وصولاً للهند كما انهم انتشروا غرباً بعد الاجتياح الامريكي للعراق.

4- الطوائف البروتستنتية (Protestant)[54] خرجت هذه الجماعة من رحم الدعوات الاصلاحية لعدد من المنشقين من الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر اهمهم مارتن لوثر ( Martin Luther) ثم ما لبثت ان تحولت دعوات الاصلاح الى انشقاق عن كنيسة روما ونظم اصحابها انفسهم ومن تبعهم على شكل كنائس فزاد عدد اتباعها بتسارع مضطرد. ونظراً لانفلات تفسير الكتاب المقدس لدى هؤلاء تعددت عقائدهم ولم يتفقوا على عقائد كبرى وصغرى فنالهم انشقاقات وانشقاقات وتداخلت عندهم العقائد الصحيحة بالعقائد الفاسدة والبدع ونظراً لتشتت كنائسهم وكثرتها فان لا مجال لحصرها هنا لكن يمكن تقسيم الطوائف البروتستنتية الى:-

§        اللوثريين وهم الذين يتبعون في نظامهم اللاهوتي آراء لوثر وبعض المصلحين الآخرين.

§        المصلحين وهم الذين يتبعون في نظامهم اللاهوتي آراء كلفن (Jean Calvin).

§   الارمينيين او الوسليين وهم الذين يتبعون في نظامهم اللاهوتي كل من ارمينوس (Jacob Armenus) وجون وسلي (John Wesley).

§        آخرون وهم لهم انظمة لاهوتية خاصة بهم كالسبتيين وشهود يهوى والمورمون وغيرهم.

بالمختصر فان ما يميز الكنائس البروتستنية الصحيحة الايمان عن الكنائس البروتستنية المهرطقة هو اعترافها بالثالوث الاقدس، الميلاد العذراوي، ان المسيح يسوع هو المسيا الذي تنبئ به انبياء العهد القديم، وهو ابن داوود وهو المخلص، وابن الله بالطبيعة والحق، وانه مات على الصليب لاجل البشر وقام باليوم الثالث، وان لا انبياء او مخلصين بعد يسوع المسيح، وان الروح القدس هو اقنوم الهي بالحق، وتؤمن بمعمودية واحدة، وقيامة الموتى، وبكل ما جاء بقوانين الايمان التي وضعتها الكنيسة الجامعة[55].

 

 

 

الباب الخامس: النظام الاداري الكنسي (الاكليروس)

 

يدلنا الكتاب المقدس والتقليد بان الكنيسة ومنذ نشأتها كانت جماعة منظمة مرتبه يقودها الرسل[56] وتشهد الاناجيل[57] والرسائل الرسولية عندما كتبت على دقة هذا التنظيم الكنسي وانها كانت موجهة لجماعات تحترم النظام[58] ونستقي من اعمال الرسل وما يليها خصوصاً رسائل القديس بولس ان الكنائس كانت تحتوي على تنظيم اداري بسيط يناسب حجم المسيحيين في ذلك الوقت كما يناسب ثقافتهم ووضعهم الاجتماعي والروحي، وتبدأ السلسلة الهرمية بالرسل يليهم التلاميذ السبعين يليهم باقي المؤمنين لكن لم تكن هذه السلسلة الهرمية تعني وجود طبقات من المؤمنين بل كانت تنظيماً واقعياً للحال الايماني للمسيحيين في تلك الفترة لذلك نرى صعود نجم بعض المؤمنين مثل بولس الرسول (شاول الطرسوسي) الذي لم يكن من الرسل ولا من التلاميذ الذين حل عليهم الروح القدس في العلية يوم الخمسين ومع ذلك فقد سمي بالرسول وكان تبشيره وعمله اعظم من عمل كثير من الرسل. وما ان زاد عدد المسيحيين وانتشروا في الارض اخذ الرسل يدعون الكنائس لانتخاب شمامسة[59] وشيوخ واساقفة[60] ويضعون الايدي عليهم[61] فكان هذا التقسيم الاداري البسيط مناسباً لكنيسة ناشئة لكننا نرى لاحقاً وبسبب ازدياد اعداد المسيحيين بشكل كبير وانتشارهم الجغرافي الواسع اصبح هناك حاجة لنظام اداري كنسي (اكليروس Clergy)[62] اعقد واوسع واكبر فكان هناك تطور تدريجي في هذا النظام الاداري ويبدأ هذا التطور بنوعين من الخدام، الخادم المتجول والخادم المحلي وكان على رأس الخدام المتجولين: الرسل، فكان للرسول علاقة عامة مع كل الكنائس، ولم يشترط أن يكون واحداً من الأحد عشر بل قد يكون من التلاميذ السبعين او من كان ايمانه قوي جداً، فعلاوة على متياس كان هناك بولس رسول الامم وبرنابا وغيرهم، ومن اهم مهام الخدام المتجولين البشارة وتأسيس كنائس والاهتمام بها[63]، ويأتي بعد الرسل "الأنبياء" وسماهم الكتاب بالانبياء[64] ليس تشبهاً بأنبياء العهد القديم بل لان مهمتهم التنبؤ برسائل ضرورية، ويبدو أنه كان "لنبي العهد الجديد" علاقات مع مختلف الكنائس[65]، ومن اهم مهامه الابلاغ بإعلانات[66] ولكن يبدو انه لم تكن لهم تلك الصلاحيات المؤثرة الا ان كتاب الدخدخية يهتم بهم ويرفعهم لمستوى رؤساء الكهنة رغم ان البعض منهم اساء استخدام هذه المواهب كما حدث بكنيسة كورنتوس، وبعد "انبياء العهد الجديد" يأتي المعلمون[67] وكانت خدمة المعلم بالكنيسة المحلية كواعظ ومرشد، وكان يجب أن يكون مقتدراً روحياً وصالحاً للتعليم، وبعد ذلك تأتي مواهب شفاء وأعوان[68] وتدابير وألسنة[69]، ويبدو ان خدمة "الأساقفة والشمامسة" كانت في الكنيسة المحلية ولم تكن لهم مهام تجوالية، ويبدو ان الفرق الاداري بينهما لم يكن كبيراً في بادئ الامر إذ يكتب الرسول بولس إلى الكنيسة في فيلبي: "إلى جميع القديسين في المسيح يسوع الذين في فيلبي مع أساقفة وشمامسة" [70] فالأسقف يسمى أيضاً شيخاً كما كان يسمى راعياً " وهو اعطى البعض ان يكونوا رسلاً، والبعض انبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين"[71] و " احترزوا اذا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه"[72] فصفاتهم ووظائفهم مشتركة[73] ولكن مع تطور الكنيسة ونموها اصبح هناك حاجة لتطوير النظام الاداري فيها فاصبح هناك تميز بين الاسقف والكاهن (القس) والشماس واصبح لكل منهم وظيفته ودرجته الاكلريكية[74]. ورغم ان هذا النظام الاداري الذي يطلق عليه كلمة (الاكليروس) تختلف النظرة عليه بين الكنائس التقليدية والكنائس البروتستنتية الا انه حقيقة واقعه، فالكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية ترى ان المسيح وضع كهنوتاً عاماً لكل المسيحيين وكهنوتاً خاصاً للمدعوين منهم للخدمة وهؤلاء هم الاساقفة والكهنة والقسوس والشمامسة والرهبان والراهبات ويسمون بالاكليروس ولديهم سلطة روحية بعمل ومنح الاسرار المقدسة او خدمة المؤمنين، اما البروتستنت فيرون ان جميع المؤمنين كهنة ولا يوجد كهنوت خاص ويقتصر دور القساوسة والشيوخ لديهم على التدبير الاداري دون أي سلطة روحية خصوصاً انه لا وجود لاسرار يقدسونها في عقيدتهم، ولعل البعض القليل من الكنائس البروتستنتية هذه الايام ترى انه للقساوسة والشيوخ دور اكبر من الاعمال الادارية واقل من السلطة الروحية المطلقه او الواسعه، وان للقس مهمة تقديم ما يسمونه بالرمزين المقدسين كسر الخبز والمعمودية[75]. ولقد كانت الكنيسة الاولى تتخذ قراراتها بالاجماع او بالاغلبية ويصبح القرار بذلك نهائياً فليست هناك جهة أخرى لاستئناف الحكم إليها ففي كنيسة كورنثوس ارتكب احد الأشخاص خطيئة معينة، فيكتب الرسول بولس اليهم بضرورة أن تتولى الكنيسة مجتمعة النظر في الأمر[76] هذا لان كنيسة كورنتوس كانت صغيرة نسبياً وحديثة النشأة، فالقرار يجب أن يصدر من الكنيسة مجتمعة وهذا النظام المجمعي اصبح عادة في الكنيسة درجت عليها ويكتب في الرسالة الثانية إلى نفس الكنيسة مشيراً إلى هذه القضية قائلاً: مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين[77] أي أن القرار بالقصاص صدر من الأغلبية. وايضاً على الكنيسة أن تنتخب المسؤولين فيها، فقد حدث هذا عند انتخاب السبعة في الكنيسة في أورشليم[78] كما في حالات أخرى[79] ويبدو لأول وهلة أن ما جاء في اعمال الرسل والرسالة الى تيطس[80] يتعارض مع ما سبق ذكره، حيث نقرأ أن بولس وبرنابا انتخبا لهم قسوساً في كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كان قد آمنوا به ولكن يكاد العلماء يجمعون على أن بولس وبرنابا أقاما القسوس (أي الشيوخ) الذين اختارتهم الكنائس أي أنهما صادقا على من انتخبهم أعضاء الكنائس المعنية. وبعد التوسع المسيحي اصبح هناك ما يسمى بالمجامع تتخذ القرارات فقد كانت كل كنيسة تتولى أمورها بنفسها بمجامع مكانية إقليمية، فيكتب الرسول بولس إلى الكنيسة في كورنثوس قائلاً "ليكن كل شيء بلياقة وحسب ترتيب"[81] فهو يوكل لكل كنيسة أمورها، كما هو واضح من الرسائل إلى الكنائس السبع (رؤ 2، 3) وعند الامور الكبيرة تكون هناك مجامع مسكونية وسأفصل لهذا الموضوع لاحقاً.

 

 

 

الباب السادس: الايمان المشترك للطوائف المسيحية

 

نظمت الكنيسة الجامعة في مجامعها المسكونية (Oikoumenikos)[82] خصوصاً المجامع الأولى قوانين الإيمان (Symblon) التي اصبحت ميراثاً مشتركاً تؤمن به الكنائس المسيحية. ففي مجمع نيقيه (325م ) تحدد لاهوت المسيح ومساواته للآب في الجوهر، وفي مجمع القسطنطينية (381م ) تحدد اقنومية الروح القدس ولاهوته، وفي مجمع افسس (431م ) حدد الكريستولوجي أي التعاليم الخاصة في المسيح وهذه المجامع الثلاثة تلقب بالمسكونية لان تعاليمها تلقى قبولاً لدى كافة المسيحيين.

وهناك قوانين إيمان خاصة ببعض الطوائف ألفها أفراد أو جماعات، مثل القانون الأوكسبرجي[83]، والقانون الهالفيتي الثاني[84]، والتعليم المسيحي الهيدليرجي[85]، والقانون الأسكتلندي[86]، وعقائد كنيسة إنجلترا التسع والثلاثين، وقانون سنودس دورت (Dort)[87]، وقانون وستمنستر (Westminster)[88] ولا مجال لذكرها هنا خصوصاً انها ليست بذات الاهمية الا انها مقبولة لدى الكنائس البروتستنتية. اما اهم القوانين الايمانية التي تعترف بها الكنائس المسيحية فهي كالتالي:

1-   قانون الرسل[89]: وقد نشأ بالتدريج من جمع العبارات التي تم استعمالها وقت ممارسة المعمودية في القرون الثلاثة الاولى[90] ويقول: «أومن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد ربنا، الذي حُبل به من الروح القدس، ووُلد من مريم العذراء، وتألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلب ومات ودُفن ونزل إلى الجحيم، وقام أيضاً في اليوم الثالث من بين الأموات، وصعد إلى السماء، وهو جالسٌ عن يمين الله الآب الضابط الكل، وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات. وأؤمن بالروح القدس، وبالكنيسة المقدسة الجامعة، وبشركة القديسين، وبمغفرة الخطايا، وبقيامة الجسد، وبالحياة الأبدية. آمين».

2- القانون النيقوي[91]: نسبة الى مجمع نيقيه وفيه حدد رسمياً اعلان الكنيسة الايمان بيسوع المسيح كإله كامل وعلاقته مع الآب وذلك في وجه اريوس وعقيدته وبدع اخرى منها التبنوية (Adoptianisme) التي تؤمن بان الله تبنى يسوع فأصبح يحمل صفاتاً الهية، وهو مؤلّف من عبارات معلومة مشابهة للتي نشأ منها قانون الرسل. وللقانون النيقوي ثلاث صور:

§   الصورة الأولى التي نظمها وحكم بإثباتها مجمع نيقية المسكوني سنة 325م وهي: «نؤمن بإلهٍ واحد آب ضابط الكل، خالق السماء والارض ما يُرى ما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر ( ذو جوهر واحد مع الآب)، الذي به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض، هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس وصلب على عهد بيلاطس البنطي تألم وقبر، وقام من الاموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين ابيه. وايضاً سيأتي من هناك في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء ونؤمن بالروح القدس. وأما الذين يقولون إنه كان زمان لم يوجد فيه (ابن الله)، وإنه لم يكن له وجود قبل أن وُلد، وإنه خُلق من العدم، أو إنه من مادة أخرى أو جوهر آخر، أو إن ابن الله مخلوق، أو إنه قابل للتغيير، أو متغير، فهم ملعونون من الكنيسة الجامعة الرسولية».

§   الصورة الثانية، وهي قانون الإيمان النيقوي القسطنطيني وفي هذا المجمع ظهر الايمان بالثالوث الاقدس كعقيدة رسمية[92]: وهي مؤلفة من صورة القانون النيقوي السابق ذكرها، مع تغيير جزئي في الجملة الأولى، وإضافة بعض العبارات في شأن أقنوم الروح القدس وعمله، وترك اللعنة الختامية. وقد شاعت نسبة هذه الصورة الجديدة لقانون الإيمان إلى مجمع القسطنطينية الذي التأم بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس سنة 381م ضد المكيدونيين الذين أنكروا لاهوت الروح القدس وأن مجمع خلقدونية صدَّقه سنة 451م. وتقبل الكنائس اليونانية والروسية والبلغارية الآن القانون النيقوي على هذه الصورة:«نؤمن بإلهٍ واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض. كل ما يُرى وما لا يُرى. وبرب واحد، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. نورٌ من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر. الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس. وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقُبر. وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. وأيضاً يأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه. وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة. جامعة. مقدسة. رسولية. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. ونترجى قيامة الموتى، والحياة في الدهر العتيد. آمين».

§   الصورة الثالثة (اللاتينية) وهي المقبولة الآن في الكنيسة الكاثوليكية وبعض الكنائس الإنجيلية وهي تختلف عن الثانية في: (1) في إعادة العبارة «إله من إله» التي كانت في القانون النيقوي الأصلي وحُذفت من الصورة النيقوية القسطنطينية اليونانية (2) لفظة «والابن» والتي أُضيفت إلى العبارة الدالة على انبثاق الروح من الآب، بواسطة مجمع توليدو (طليطله Toledo - Toletum) في أسبانيا سنة 589م الا أن الكنائس الأرثوذكسية اعتبرتها تحريف للقانون النيقاوي فكانت القطيعه بين كنيسة روما والكنائس الاخرى. وتلك الصورة هي:«أومن بإلهٍ واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، وكل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر. الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وتأنس وأيضاً صُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي. وتألم وقُبر وقام أيضاً في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء. وهو جالس عن يمين الآب، وسيأتي أيضاً بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات. الذي ليس لملكه انقضاء. وأومن بالروح القدس الرب والمحيي، المنبثق من الآب والابن[93]. المسجود له والممجد مع الآب والابن معاً، الناطق بالانبياء. وأومن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنتظر قيامة الموتى، وحياة الدهر العتيد. أمين».

3- قانون الإيمان المسمّى بالأثناسي ويُنسب إلى أثناسيوس (Athanasius) الذي كان أسقف الإسكندرية من نحو سنة 328-373م والذي ناهض عقيدة الراهب أريوس[94] (Arianism) في المجمع النيقاوي[95]. وهذا القانون مقبول في الكنائس الرسولية وخصوصاً كنيسة الاسكندرية، غير أن الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية والكنيسة الأسقفية حذفتاه من كتاب الصلوات لما فيه من اللعنات، وهو من أفضل الصور المقررة لإيمان كل المسيحيين، وإنما اعتُرض على ما فيه من اللعنات. وأما صورته فهي:«(1) كل منْ ابتغى الخلاص وجب عليه قبل كل شيء أن يتمسك بالإيمان الكاثوليكي (كلمة كاثوليكي هنا تعني الكنيسة الجامعه ولا تعني كنيسة روما). (2) وكل من لا يحفظ هذا الإيمان دون إفساد يهلك بدون شك هلاكاً أبدياً. (3) والإيمان الكاثوليكي هو أن نعبد إلهاً واحداً في تثليث، وثالوثاً في توحيد. (4) لا نمزج الأقانيم ولا نفصل الجوهر. (5) للآب أقنوم على حدة، وللابن أقنوم آخر، وللروح القدس أقنوم آخر. (6) ولكن للآب والابن والروح القدس لاهوت واحد ومجد متساوٍ وجلال أبدي معاً. (7) كما هو الآب كذلك الابن وكذلك الروح القدس. (8) الآب غير مخلوق، والابن غير مخلوق، والروح القدس غير مخلوق. (9) الآب غير محدود، والابن غير محدود، والروح القدس غير محدود. (10) الآب سرمدٌي، والابن سرمدي، والروح القدس سرمدي. (11) ولكن ليسوا ثلاثة سرمديين بل سرمدي واحد. (12) وكذلك ليسوا ثلاثة غير مخلوقين، ولا ثلاثة غير محدودين، بل واحد غير مخلوق وواحد غير محدود. (13) وكذلك الآب ضابط الكل، والابن ضابط الكل، والروح القدس ضابط الكل. (14) ولكن ليسوا ثلاثة ضابطي الكل، بل واحد ضابط الكل. (15) وهكذا الآب إله، والابن إله، والروح القدس إله. (16) ولكن ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد. (17) وهكذا الآب رب، والابن رب، والروح القدس رب. (18) ولكن ليسوا ثلاثة أرباب بل رب واحدٌ. (19) وكما أن الحق المسيحي يكلفنا أن نعترف بأن كلاً من هذه الأقانيم بذاته إله ورب. (20) كذلك الدين الكاثوليكي ينهانا عن أن نقول بوجود ثلاثة آلهة أو ثلاثة أرباب. (21) فالآب غير مصنوع من أحد، ولا مخلوق، ولا مولود. (22) والابن من الآب وحده غير مصنوع ولا مخلوق، بل مولود. (23) والروح القدس من الآب والابن، ليس بمصنوع ولا مخلوق ولا مولود، بل منبثق. (24) فإذاً آب واحد لا ثلاثة آباء، وابنٌ واحد لا ثلاثة أبناء، وروح قدس واحد لا ثلاثة أرواح قدس. (25) وليس في هذا الثالوث مَنْ هو قبل غيره أو بعده، ولا مَنْ هو أكبر منه أو أصغر منه. (26) ولكن جميع الأقانيم الثلاثة سرمديون معاً ومتساوون. (27) ولذلك في جميع الأمور كما ذُكر يجب أن تُعبد الوحدانية في ثالوث والثالوث في وحدانية. (28) إذاً من شاء أن يخلُص فعليه أن يعتقد هكذا في الثالوث. (29) وأيضاً يلزم له للخلاص الأبدي أن يؤمن بتجسد ربنا يسوع المسيح. (30) لأن الإيمان المستقيم هو أن نؤمن ونقرَّ بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله هو إله وإنسان. (31) هو إله من جوهر الآب، مولود قبل الدهور. وإنسان من جوهر أمه، مولود في هذا الدهر. (32) إلهٌ تام وإنسان تام، كائنٌ بنفس ناطقة وجسدٌ بشري. (33) مساوٍ للآب بحسب لاهوته، ودون الآب بحسب ناسوته. (34) وهو وإن يكن إلهاً وإنساناً، إنما هو مسيح واحد لا اثنان. (35) ولكن واحد، ليس باستحالة لاهوته إلى جسدٍ، بل باتخاذ الناسوت إلى اللاهوت. (36) واحد في الجملة، ليس باختلاط الجوهر، بل بوحدانية الأقنوم. (37) لأنه كما أن النفس الناطقة والجسد إنسان واحد، كذلك الإله والإنسان مسيح واحد. (38) هو الذي تألم لأجل خلاصنا ونزل إلى الجحيم (الهاوية أو عالم الأرواح). وقام أيضاً في اليوم الثالث من بين الأموات، (39) وصعد إلى السماء، وهو جالس عن يمين الله الآب الضابط الكل. (40) ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات. (41) الذي عند مجيئه يقوم أيضاً جميع البشر بأجسادهم، (42) ويؤدّون حساباً عن أعمالهم الخاصة. (43) فالذين فعلوا الصالحات يدخلون إلى الحياة الأبدية، والذين عملوا السيئات يدخلون إلى النار الأبدية. (44) هذا هو الإيمان الكاثوليكي الذي لا يقدر الإنسان أن يخلُص بدون أن يؤمن به بأمانة ويقيناً».

(4) القانون الافسسي الخلقيدوني: في مجمع افسس الذي انعقد سنة 431 م كانت نقله نوعية في مفهوم الكريستولوجي حيث اعلن المجمع الايمان بألوهية وانسانية شخص يسوع المسيح. وتبنى هذا المجمع الفكر الكريستولوجي التنازلي فينطلق من الوهية المسيح التي اقرها مجمع نيقيه الى بشرية يسوع واضيف النص التالي لقانون الايمان (نعظمك يا ام النور الحقيقي ونمجدك ايتها العذراء القديسة والدة الاله لانك ولدت لنا مخلص العالم الذي أتى وخلص نفوسنا، المجد لك يا سيدنا وملكنا المسيح، فخر الرسل، اكليل الشهداء، تهليل الصديقين، ثبات الكنائس، غافر الخطايا، نكرز ونبشر بالثالوث المقدس لاهوت واحد نسجد له ونمجده، يا رب ارحم ، يا رب ارحم، يا رب بارك آمين)[96] ونظرأ لان المجمع لم يحدد كم طبيعة في يسوع المسيح الا انه اعلن صراحة اعترافه بأن الكلمة صار واحداً مع الجسد واذا اتحد به اتحاداً شخصياً مشدداً على عبادة الشخص الواحد، الابن، والرب يسوع المسيح وعدم تفرقته بين الله والانسان وعدم الفصل بينهما. المجامع الثلاثة الاولى هي محل اجماع مسكوني مسيحي، ثم انعقد المجمع المسكوني في خلقدونية سنة 451م وحرم اوطيخا الذي اعلن ان الطبيعة الالهية للمسيح امتصت الطبيعة البشرية فلاشتها وزالت الانسانية في الالوهية. ورغم ان هذا المجمع والمجمع الذي سبقه ( افسس 449م والمسمى مجمع اللصوص) خلق صراع حول مفهوم الكريستولوجي بسبب اختلاف مفاهيم ومصطلحات الجوهر (Ousia) والطبيعة (Phusis) والقناع (Persona) بين المدارس اللاهوتية المختلفة الا ان المجمع اعلن صراحة الجزء الأهم من تحديد الإيمان وهو ( فلهذا ونحن تابعون للآباء القديسين، كلنا بصوت واحد نعلّم البشر أن يعترفوا بالابن الوحيد، ربنا يسوع المسيح، الكامل في اللاهوت والكامل أيضاً في الناسوت. إله حق وإنسان حق، ذو نفس ناطقة، وجسد جوهر واحد مع الآب بحسب لاهوته، وجوهر واحد معنا بحسب ناسوته، في كل شيء مثلنا ما عدا الخطية. مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وفي هذه الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء والدة الإله بحسب ناسوته. هو مسيح واحد وابن واحد ورب واحد والمولود الوحيد، كائن بطبيعتين غير ممتزجتين ولا متغيرتين ولا منقسمتين ولا منفصلتين، والفرق بين الطبيعتين لم يتلاشَ باتحادهما، بل خواص كل منهما الخاصة باقية ومجتمعة في شخص واحد وكائن واحد غير منفصل ولا منقسم إلى شخصين، بل الابن الوحيد والمولود الوحيد الله الكلمة الرب يسوع المسيح كما أنبأت عنه الأنبياء منذ البدء، وكما علَّمنا الرب يسوع نفسه، وكما سلَّمنا قانون إيمان الآباء القديسين).

وبخصوص القانون الخليقيدوني فإن الكنائس المونوفوزتية (Monophysitism)[97] رفضت واعتراضت على المجمع الخلقيدوني بخصوص الطبيعتين تماماً كما ترفض الكنائس الخليقدونية ايمان مجمع افسس (449م) والذي يركز على الطبيعة الواحدة في يسوع المسيح. الا ان الحوار المسيحي المسيحي قاد مؤخراً الى تفاهم غير مكتمل بين هذه الكنائس والكنائس الخلقيدونية علماً ان الاختلاف في عقيدة الطبيعتين يعود اساساً الى سوء تفاهم لغوي ثقافي وصراع على التقدم والمركز الاول بين اساقفة الكراسي الرسولية وليس صراع عقائدي حقيقي لان الكل يؤمن بان المسيح انسان حق واله حق واحد لا اثنان، الا ان الاختلافات بين القوانين المذكورة كان كافياً لاشعال حرب الاخوة وانفصال الكنائس وانشقاقها وتحريم بعضها البعض في فترات متعددة من تاريخ الكنيسة ورغم انفتاح الحوار المسيحي المسيحي في العقود الاخيرة ادى الى "تفهم الاوضاع" التي ادت للانشقاق و"الاسف" لحدوثه الا انه لم يصل بعد الى القبول الكامل للآخر، بعضه مرده للاسباب تعود للخوف من العودة للماضي وبعضه خوفاً على السلطة والمزايا وبعضه حباً بالميراث والارث والتقاليد اكثر من حبه للمصالحة والوحدة[98].

والمطلع على هذه الدساتير الايمانية يلاحظ انها كتبت من نص واحد او انها نسخة تكاد تكون متطابقة وهذا هو الايمان بين المسيحيين فتجد الاختلاف بينهم قليل الا اذا ارادوا هم او اعدائهم التركيز على نقاط الخلاف[99].

وأشير ان المتابع لاتجاه بعض الكنائس اليوم يراها تعيد قراءة الماضي بشكل اكثر علمياً وانفتاحاً وفهماً للاوضاع التي نشأت فيها الظروف المسيحية في تلك المراحل، فهي تعيد دراسة عقائد وتعاليم قديمة وخصوصاً التعاليم التي وسمت بالهرطقة والتحريم وقد ساعد في ذلك الاكتشافات الاثرية الحديثة والتي اخرجت لنا مخطوطات قيمة وقديمة جداً لمؤلفات وكتب وتفسيرات وعظات كنا نظن انها فقدت للابد، وقد ساعدت الدراسات العلمية واللاهوتية لهذه المخطوطات المكتشفة ومخطوطات أخرى كانت مخزنة بمتاحف الفاتيكان ودول أخرى في تغيير بعض المواقف من بعض المعلمين وتعاليمهم. فهل هذه المراجعه العلمية للتاريخ المسيحي سيفتح المجال لتصحيح الاخطاء القديمة وتصويب الحقائق وإعادة النظر بالاحكام الصادرة بحق بعض المعلمين الذين اتهموا بالهرطقة او تأكيد هذه الاحكام؟ ام ان هذه الكنائس ستبقي على قرارت المجامع والمجامع المضادة وستتعامل معها على انها حقيقة واقعه وأمراً الهياً لا يتم العبث به؟[100] والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سيكون هناك دور للعلمانيين الآن وهم مؤمنين تابعين لكنائس عريقه، هل سيكون لابحاثهم ودراساتهم وإكتشافاتهم دور في مراجعة الاحداث كلها بما فيها من أخطاء؟ ام سيقتصر هذا الدور على الاهوتيين والاكليروس؟ وهل سيكون هناك يوماً ما مجمعاً مسكونياً لدراسة تلك الملفات القديمة واعادة ترتيب البيت المسيحي من جديد يشارك فيه العلمانيون الى جانب الاكليروس؟ ام ان فتح هذه الملفات تعتبر كمحاولة للعبث بعش الدبابير لما ما قد يثيره هذا الموضوع من فتح شهية اعداء المسيحية لتأكيد ادعاتهم حول التزوير والتحريف او ما قد يثيره هذا الموضوع من حدة بسبب المتطرفين من هذه الطائفة او تلك؟ اسئلة تحتاج الى اجوبه.

 

 

 

الباب السابع: نظرة تاريخية في المسيحية

 

تقسم المسيحية تاريخياً لثلاثة مراحل:-

المرحلة الاولى الاحداث السابقة للخلاص وتقوم على الوعد الالهي لادم وحواء بالخلاص وما تبعه من تبليغ بالوحي الذي اوصله الله للعالم بواسطة انبياء، كان لكل منهم دور في التبليغ والتذكير بالوعد الالهي والذي على اساسه وجدت اسفار موسى الخمسة ثم كتب الانبياء والتي جمعت كلها في كتاب واحد سمي بالعهد القديم والتي اعتبرت كتباً قانونية من قبل الكنيسة لانها تحمل البشارة بيسوع المسيح الذي هو اساس الوعد الالهي لانه سيكون رجاء الامم، والكنيسة إذ تقبل بهذه الكتب وتعتبرها جزءاً من الكتاب المقدس الا انها تعتبرها غير كاملها الا اذا جمعت مع العهد الجديد والذي هو محور الخلاص نفسه[101]. ونستطيع ان نسمي هذه النقطة الاولى بنقطة الوحي السابق للمسيح والتي يصنفها القديس توما الاكويني الى مرحلتين هما:

أ‌-     الوحي قبل الناموس مع ابراهيم.

ب‌-الناموس مع موسى.

المرحلة الثانية الاحداث التاريخية المتعلقة بالخلاص الالهي وهي تلك الثلاثة سنين من البشارة بواسطة الرب نفسه وسنوات لا تتعدى السبعين عاماً بعد صعوده للسماء، وتشمل بشارة الرسل والتلاميذ الذين رافقوه، والتي سجلت في الاناجيل الاربعة واعمال الرسل والرسائل الرسولية ورؤيا يوحنا والتي نسميها مجتمعه بالعهد الجديد ويصنفها الاكويني بالمرحلة الثالثة.

             ج- تحت نعمة المسيح مع الرسل.

المرحلة الثالثة الاحداث التاريخية المتعلقه بنشر الخلاص وهي تلك الاحداث التي تأتي بعد موت الرسل والتلاميذ الاولين والتي تبدأ فيها الكنيسة بالانتشار والتوسع وهي فعلياً امتداد للمرحلة الثانية " تحت النعمه وغطاء الرسولية ".

وبهذه النظرة المختصرة نستطيع تفهم بداية الفكر والعقيدة المسيحية، وقد اسس لهذه الفكر ما يسمى بالمجامع الكنسية والتي ستمر علينا بهذا الكتاب كثيراً. والمجمع هو عادة مسيحية بدأها الرسل بهدف مشاركة اعضاء الكنيسة في اتخاذ القرارات الخاصة بالعقيده وانتخاب المكرسين للخدمة ومع تقدم الزمن اصبحت المجامع مقتصره على رجال الكنيسة (الاكليروس) للدراسة والبحث وإقرار عقيدة ما واي قرارات أخرى وهي بالتالي هيئة تنفيذية تشريعية تنظيمية بالكنيسة اقوى من سلطة اسقف او بطريرك واحد مهمتها تتقرر بموجب دعوة يرسلها الامبراطور او الرئيس الاعلى للدولة بموجب طلب او رغبة بطاركة او اساقفة.

وتنقسم المجامع الى الانواع التالية:-

1-     المجامع الرسولية وهي المجامع التي حضرها الرسل والتلاميذ الاولين.

2-     المجامع الكنسية وهي مجامع الاساقفة ورؤساء الكنائس بعد نهاية العهد الرسولي.

اما المجامع الرسولية فتنقسم الى:-

1-       مجمع الرسل الاول (عقد بعد الصعود وقبل حلول الروح القدس):-

عقد في علية صهيون في جبل الزيتون بأورشليم وهو المكان الذي طلب منهم يسوع ان يبقوا فيه[102] وقد ترأسه بطرس بحضور جميع الرسل والتلاميذ وكان الهدف منه اختيار رسول جديد مكان يهوذا الاسخريوطي ولم تناقش في هذا المجمع اية قضايا أخرى. ويعتبر يهوذا الاسخريوطي اول المطرودين من الكنيسة (رغم موته) وقد اختير ميتاس مكانه والذي تم انتخابه بالاقتراع (القرعة) والذي يعتبر رسول مرسوم بالقرعه او الاقتراع فإتخذت الكنيسة لاحقاً من اسلوب القرعه او الانتخاب لاختيار المناصب العليا بالكنيسة، ومن لم ينتخب بهذه الطريقه اعتبر غير قانوني[103]. ويبين سفر أعمال الرسل ان الرسل ومريم العذراء المكرمة والنساء وجميع التلاميذ يصل عددهم جميعاً الى مئة وعشرين كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبه ويبدو ان جميعهم شاركوا بالاقتراع.

2-       مجمع الرسل الثاني ( عقد بعد حلول الروح القدس)[104]:-

عقد في اورشليم ايضاً ويعتقد انه عقد في نفس العلية بالفترة التي تلت حلول الروح القدس وازدياد اضطهاد المسيحين في اورشليم. وكان الداعي لعقده حدوث تذمر من المسيحيين من اصل وثني (اهل الغرلة) على المسيحيين من اصل يهودي (اهل الختان) بشأن توزيع المساعدات على الارامل فقرر الرسل الاثني عشر دعوة المؤمنين (طرفي الخصام) لمناقشة القضية، ويبدو ان الحضور اقتصر على وجهاء الكنيسة نظراً لازدياد اعداد المسيحيين. ورأى الرسل الاثني عشر ان مهمتهم أكبر من توزيع المساعدات وخدمة الموائد فقرروا ان يفصلوا إدارياً بين مهمة الرسل ومهمة خدمة الموائد اي المساعدات فكانت هناك لاول مرة سلطتين اداريتين كنسيتين فكانت سلطة الرسل اعلى من سلطة الشمامسة وسلطة الشمامسة اعلى من سلطة باقي التلاميذ[105] اما اختيار الشمامسة فتم بالانتخاب من قبل الحضور وليس بالتعين لكن الرسل كان لهم دورين في عملية الاختيار هما:-

·        حددوا شروط الشمامسة وهي " مشهود لهم، مملوئين من الروح القدس، ويتصفون بالحكمة".

·   وضع اليد من قبل الرسل عليهم اي اخذ الاعتراف من قبل الرسل. كما انهم سيكونون مسؤولين مباشرة امام الرسل.

وكان من نتيجة هذا المجمع ان تم انتخاب سبعة شمامسة هم استفانوس وفيلبس وبروخورس ونيكانور وتيمون وبرميناس ونيقولاوس الانطاكي ولم تناقش في هذا المجمع اي قضايا أخرى، الا ان الكنيسة اتخذت لاحقاً من اسلوب وضع الايدي على الاكليروس طريقة لاعلان الاعتراف بهم.

3-       مجمع الرسل الثالث (المجمع الكبير):-

لعله اكبر المجامع الذي عقد في عهد الرسل ولا نقصد به اكبر المجامع من حيث الحضور خصوصاً ان اعمال الرسل في الفصل 15 لا يحدثنا ان جميع المؤمنين حضروا هذا المجمع بل يقصد بانه اكبر مجمع من حيث الخلاف واكبر مجمع من حيث القانون الذي اصدره. اما الخلاف فكان تداخل الشريعة اليهودية بالمسيحية[106] وخصوصاً تلك المعتقدات الفريسية فكان بعض المسيحيين من اصل يهودي لا يرون بالمسيحية ديناً جديداً بل يرون في المسيحية تصحيحاً للطريقة اليهودية (نظر بعض اليهود والرومان على ان المسيحية شيعه يهودية جديدة سموها الناصريين) ولذلك اشترطوا على المسيحيين من اصل غير يهودي ان يتهودوا قبل ان يقبلوا في الكنيسة، وقد عقد هذا المجمع بعد انتشار المسيحية في الامم الاخرى ذات الديانات الوثنية المختلفة، وعقد هذا المجمع باورشليم ايضاً وبحضور الرسل وبولس الرسول الجديد (رسول الامم) وبرنابا، ويحدثنا سفر اعمال الرسل عن وجود مشايخ الكنيسة، ومشايخ الكنيسة هم من حيث السلطة يأتون بعد الرسل ويعتقد انهم من الذين كانوا من التلاميذ السبعين اي الذين كانوا مع المسيح من وقت معموديته حتى قيامته ومن المشهودين لهم ومملؤين من الروح القدس والحكمة. ويحدثنا اعمال الرسل في اصحاح 15 ان الرسل والمشايخ اجتمعوا واخذوا يناقشون هذا الخلاف فهل يجب ان يطبق المسيحيين غير اليهود شريعة موسى خصوصاً الختان عندما يؤمنون؟ وكان المتحدث الرئيسي بهذا المجمع بطرس الرسول الذي دافع عن ايمان الامم وان الخلاص للجميع يهوداً ووثنيين وانه لا يستطيع ان يمنع الله من ان يخلص هؤلاء الوثنيين الذي اعطاهم الخلاص كما له ولجميع المؤمنين سواسيه، وسمع ايضاً المجتمعين كل من بولس الذي كان يبشر هؤلاء الوثنيين وبرنابا مساعده وبعد ذلك سمعا يعقوب الرسول رئيس المجمع[107] الذي نبه الحضور بما حدث مع بطرس معتمداً على كتب الانبياء في تأييد فكرة بطرس وبولس وبرنابا مطالباً المجمع بأن لا يثقل على المؤمنين من اصل وثني بتطبيق شريعة موسى بل ان يمتنعوا عن افعالهم الوثنية وهي نجاسات الاصنام والزنا والمخنوق والدم. فوافق المجمع واتخذوا قرارات كالتالي:-

·   اختيار رجلين من كنيسة اورشليم هما يهوذا الملقب برسابا وسيلا (شيخين من كنيسة أورشليم وصفهما اعمال الرسل بالنبيين)  ليذهبا مع بولس وبرنابا الى كنيسة انطاكيا (حيث نشئ الخلاف).

·   كتابة رسالة من المجمع بتوقيعهم تنبه المؤمنين من اصل وثني في انطاكيا وسوريه وكيليكية من بعض المؤمنين اليهود من سماع اقوالهم لانهم ليسوا من الكنيسة (ثاني طرد من الكنيسة لكل من يتبع التعاليم المتهودة)[108].

ويعد هذا المجمع الاكبر في عهد الرسل لانه كرس المسيحية كديانة، مبعداً تعاليم هذا الدين الجديد عن غيره من الديانات. فكان القانون الكنسي الذي يمنع الطقوس الوثنية والشريعه اليهودية معاً، ويعتبر هذا المجمع بحق المطلق الفعلي للمسيحية كديانة مستقله[109].

ولم يتوقف دور المجمع في حياة الكنيسة هنا بل تكرر اجتماع المجالس والمجامع الكنسية تكراراً متزايداً في القرن الثاني، واقتصرت في القرن الثالث على الاساقفة[110]، وقبل ان يختم ذلك القرن اعترف بان هذه المجالس هي الفيصل في العقيدة المسيحية العامة[111]. فأصبحت تأخذ القرارات بالاجماع او بالاغلبية من الاساقفة وعليهم ان يوقعوا القرارات الصادرة عنها، وان أي تطورات حدثت على المجامع اللاحقة أي مجامع الآباء المؤسسين بعد موت او استشهاد الرسل كانت نتيجة حتمية لتطور الكنيسة وتوسعها والتطور الاداري والفلسفي والاجتماعي والقانوني والسياسي عالمياً. والملاحظ ان اسباب انعقاد مجامع الرسل التي ذكرتها سابقاً واسباب انعقاد المجامع الأخرى واحدة فهي عقدت للنظر اما في خلافات او في بدع[112] وهرطقات[113] من جهة او عقدت لاسباب تتعلق بتنظيم شؤون الكنيسة الجامعة من جهة أخرى، وكان كل مجمع من هذه المجامع يتطور عن سابقه للاسباب التي ذكرناها سابقاً. ولكي اسهل على القارئ قراءة التاريخ المسيحي قسمت هذا الكتاب الى فصول، كل فصل منها يتحدث عن مرحلة ما من هذا التاريخ، وقد يجد القارئ ان مقدمة كل فصل قد تتحدث عن فترات سابقه او لاحقه وذلك بهدف توضيح الصورة الكلية للقارئ وللتأكيد على ان التاريخ يتواصل ولا يتوقف عند زمان ما.

 

 

 

[1] الولادة من جديد هي الولادة الثانية والتي قصدها المسيح عندما قال لنيقوديموس " الحق الحق اقول لك: ان كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر ان يرى ملكوت الله" قال له نيقوديموس " كيف يمكن الانسان ان يولد وهو شيخ؟ العله يقدر ان يدخل بطن امه ثانية ويولد؟" أجاب يسوع " الحق الحق اقول لك: ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجب اني قلت لك: ينبغي ان تولدوا من فوق. الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من اين تأتي ولا الى اين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح" (يوحنا 3: 3 – 8)

[2] " أم تجهلون اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما اقيم المسيح من الاموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن ايضاً في جدة الحياة. لانه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير ايضاً بقيامته. عالمين هذا: ان انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة، لكي لا نعود نستعبد ايضاً للخطيئة. لان الذي مات قد تبرأ من الخطيئة. فإن كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن اننا سنحيا ايضاً معه" (روما 6 :3-8). ولا بد هنا من القول ان ليس كل دارس للفكر المسيحي هو بالضرورة مسيحي بل ان ابناء العقائد والديانات الاخرى يقومون بدراسة الفكر المسيحي كجزء من مقارنة الاديان.

[3] 354 – 430 م فيلسوف الكنيسة الكاثوليكية واسقف هبو ( Hpoo) بشمال افريقيا، مقتبس من كتابه "اعترافات" .

[4] (1 يوحنا 4: 19)

[5] تؤمن الكنائس الرسولية بانه يجب تعميد الاطفال بسن مبكره بوجود اهل الطفل واشابين مهمتهم تعليم وتنشئة الطفل مسيحياً بينما ترى الكنائس البروتستنتية انه يجب ان يكون الاعتماد لاشخاص بالغين مختبرين الخلاص معللين عقيدتهم بقول المسيح " من امن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدان" (مرقس 16 : 16)  مرتبين الامر كما قاله المسيح الايمان ثم المعمودية، والمسيح نفسه قال  " الحق الحق اقول لك: ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله" ( يوحنا 3 : 5) فكان ترتيب المسيح بهذه الآية معمودية الماء اولا ثم حلول الروح القدس أي الايمان فهذه احدى الخلافات العقائدية التي نشأت بسبب اختلاف التفسير لا أكثر.

[6] ( اشعيا 55: 7)

[7] ( متى 3 : 8)

[8] تاريخ الفكر المسيحي، ج1، ص 16 

[9] علم اللاهوت النظامي، ق. جيمس أنيس.

[10] لمعرفة المقارنة بين هذه الانظمة اللاهوتية المختلفة انظر الملحق رقم – 25- آخر الكتاب.

[11] 185 – 254م ومن اشهر العلماء اللاهوتيين في عصره وقال عنه البابا شنوده الثالث " العالم الذي اختلف عليه القديسون" نظراً لان اساقفة الشرق عامة رفضوه بينما قبله اساقفة فلسطين وفينيقيه، وسبب رفضهم له يعود اول الامر الى رفضهم لكهنوته ثم تعدى ذلك الى لاهوته (مصادر مختلفة).

[12] التقليد ( Tradition) هو مجموعة من العقائد والشعائر الدينية المنقولة شفاهة او كتابة عن الرسل او الآباء الاوليين والذي نقل بطريقة التسليم والتداول خلفاً عن سلف، ولدى بعض الكنائس تقاليد خاصة بها لا تشترك بها مع كنائس أخرى لكن هناك تقاليد عامه مشتركه بين كل الكنائس، وبعض اللاهوتيين يرون في الكتاب المقدس نفسه تقليداً مكتوب منقول. والتقاليد اما مكتوبه او منقوله شفهياً " فاثبتوا اذا ايها الاخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتوها، سواء كان بالكلام ام برسالتنا" (2 تسالونيكي 2 : 15).

[13] كانت العقائد والتعاليم الفاسدة تظهر من خلال معلمين واساقفة ورهبان مشهورين وقد قضوا حياتهم في التعبد والاجتهاد وقد استنبطوا أدلتهم من الكتاب المقدس فكانت حجتهم قوية واستطاعوا ان يجذبوا اليهم الكثيرين خصوصاً من الناس البسطاء او القليلي الثقافة و الذين يتبعون أي هوى ومشكلة هؤلاء المبتدعين انهم ورغم معرفتهم العميقة ودراستهم وتعبدهم لم يفهموا الكتاب المقدس او انهم فسروه تفسيرا ارضياً او انهم اخذوا بأيات معينة دون غيرها لكن وقف بوجه هؤلاء المبتدعين علماء واساقفة ورهبان واحياناً علمانيين رؤا في تعليمهم ضلال وبدعه وخطأ واستطاعوا من خلال الكتاب المقدس ان يثبتوا خطأ تعليمهم وغرابة عقيدتهم ولكن ما يفرز القديس عن الهرطوقي ان القديس يأخذ بكامل الكتاب المقدس اما الهرطوقي فيأخذ بشيء ويترك شيء ولاحقاً سنثبت هذا الكلام عند التحدث عن بعض الهراطقة دون ان ننسى ان الشيطان نفسه استقى في تجربته للمسيح على جبل التجربة آية كتابية "متى 4: 1-11" (المؤلف).

[14] (أعمال 4:15 و 1:13)

[15] (أعمال 23:14 ورومية 15:16 وكولوسي 15:4)

[16] (متى 18:16 وأفسس 22:1)

[17] (كولوسي 24:1)

[18] (أعمال 26:11 و1كورنثوس 18:11)

[19] مركز الاسقف في الابرشية يسمى سدة (من اللاتينية sedes أي كرسي) والاسم ذاته صار يطلق مع الوقت على الابرشية التابعه لسلطة الاسقف صاحب السدة وفي اواخر القرن الثالث بدأ التقليد المسيحي يميز بين اساقفة عواصم الولايات الرومانية، واساقفة البلدات والمناطق الاقل اهمية. فصار اسقف المدينة العاصمة ( باليونانية metropolis) يسمى مطرانا او رئيس اساقفة (باليونانية archepiskopos) لتمييزه عن الاسقف العادي، وان كان الاثنان متساويين في المكانة الكنسية من حيث الرسامة. (المسيحية في العالم العربي، ص 51- 52).

[20] نال بولس الرسول بعد تجديده عداوة شديدة استمرت حتى بعد استشهاده وقد رفضه ورسائله الكثير من المهرطقين واعتبروه محرف وعندما وضع هؤلاء المهرطقين قائمة بالاسفار المعترف بها بالنسبة اليهم كانوا يرفضون ضم رسائله لقائمتهم ونذكر منهم اصحاب بدع كبرى ومنتشرة مثل بدع مونتانس وماركيون واصحاب بدع صغيرة سرعان ما اندثرت كالألكسيين الذين ذكرهم اوسابيوس بتاريخه الكتاب السادس الفصل 38 واتخذ المفسرون والمؤرخون الغير مسيحيين اقول اصحاب هذه البدع بعين الاعتبار فنسبوا له التحريف الذي يقولون انه حدث، وللمزيد يمكن قراءة الحواشي والتعليقات في الصفحات اللاحقة.

[21] رؤيا يوحنا الاصحاحات من 1- 3.

[22] من اهم الآباء الرسوليين كلمنت الروماني، اغناطيوس الانطاكي، بوليكاربوس، بابياس. وهناك مصطلح آخر هو المدافعون   Les Apologistes واهمهم (كودراتس Quadratus واريستيد Aristides ويوستينوس Justin وتاتيانوس السوري Tatianus) ومصطلح آخر هو المجادلون Les Polemistes واهمهم ايريناوس Irenaeus.

[23] (1 كور 1: 10- 13).

[24] هناك مدن كبرى زارها الرسل مثل اثينا وقيصرية ودمشق وكورنثوس وغيرها لكنها لم تشتهر ولم تقم بها كراسي رسولية لعدة اسباب اهمها ضعف التواجد المسيحي فيها او  انها قريبة من كرسي رسولي آخر فأصبحت تابعه مثل دمشق او انها فقدت اهميتها السياسية او ضعفت ادارياً مثل افسس، او ان كراسي رسولية ضعفت لصالح كراسي غير رسولية في مرحلة ما لاسباب معينة مثل قيصرية فلسطين بالنسبة لاورشليم.

[25] جمع شيخ وباليونانية هو presbyteros وهم القائمون على الكنائس التي اسسها الرسل.

[26] جمع شماس والمفرد باليونانية diakonos أي الخادم ومهمته خدمة الموائد.

[27] مفرد اساقفة بالانجليزي Bishop وباليونانية episkopos أي المشرف. والاساقفة لهم القاب متعددة تشير الى رتبتهم والاولية بينهم، فكان يطلق على اسقف المدينة الام ميتروبوليس Metropolitis أي مطران وتعني اسقف عاصمة الاقليم، ورئيس اساقفة وبطريرك. وقد اعطى مجمع نيقيه المسكوني الصفة القانونية للاوليات التي كانت سائدة في ذلك العصر فأسقف روما متقدم على كنائس الغرب واسقف الاسكندرية على اقاليم مصر وليبيه والخمس المدن الغربية واسقف انطاكيا على كنائس سوريا والمشرق، ثم رفع مجمع القسطنطينية اسقفية القسطنطينية ومنحها جزءاً كبيراً من ما كان لاسقفية انطاكيا واما المجمع الخليقدوني فقد رفع سلطة ورئاسة البطريرك الروماني بجعله رئيس على كنائس الشرق والغرب ولم تعترف أي منها بانه هناك نص بهذه السلطة الا ان المجمع ذاته جعل اسقف روما رئيساً على كنائس الغرب واسقف القسطنطينية على كنائس الشرق واسقف الاسكندرية على كنائس مصر والنوبه وليبيه واثيوبيا واسقف انطاكيا على كنائس سوريه والمشرق واسقف اورشليم على فلسطين. (منقول بتصرف من كتاب التدبير الالهي، ص 158 – 160) واجمل قول عن الاسقف ما قاله القديس اغناطيوس النوراني " كل اسقف هو قيثارة اوتارها الكهنة".

[28] مجال عمل الاسقف هو ايبارشية وهي النطق العربي للكلمة اليونانية Eparchia وهي الوحدة الادارية في التقسيم الاداري للدولة في النظام المركزي للحكومة الرومانية القديمة، وتشمل مدينة او عدة مدن في المحافظة في التقسيم الاداري للدولة والقرى المحيطة بها. وفي القديم كان لكل مدينة في المحافظة اسقف بينما اسقف عاصمة المحافظة كان يدعى المتربوليتيس وتنطق بالعربية مطران، اما مجال عمل القس فهو Paroichia باليونانية وتعريبها الرعية أي قرية او مدينة واحدة فقط. (التدبير الالهي، ص246).

[29] لم يكن هناك فرق كبير بين لقب شماس وقس واسقف في الكنيسة الاولى وحتى نهاية القرن الثاني او بداية القرن الثالث الميلادي تقريباً ولكن مجمع نيقيه وضع قوانين منها قوانين ادارية هامة تثبت زعامة اساقفة الكراسي الرسولية على ما حولها والدرجات الاسقفية و الكهنوتية ودرجاتها ومنها قانون يمنع الشمامسة من تناول القربان المقدس قبل الاساقفة او ان يتناول القساوسة القربان المقدس من يد الشمامسة، وحدد بان الشمامسة خدام الاسقف وادنى من القسوس ويناولون القربان المقدس بعد القسوس على ان يناولهم الاسقف او القس كما منع الشمامسة من الجلوس فيما بين القسوس ( راجع كتاب:عصر المجامع للقمص كيرلس الانطوني صفحة 72) كما حدد المجمع المذكور ان القس معتبر ضمن الذين يرفعون او يقدمون القرابين.(التدبير الالهي، ص 248)

[30] اعم 20: 28-30

[31] " لذلك ارسلت اليكم تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب والامين في الرب، الذي يذكركم بطرقي في المسيح كما اعلم في كل مكان، في كل كنيسة...ماذا تريدون؟ أبعصا آتي اليكم ام بالمحبة وروح الوداعه" ( 1 كور 4: 17 و21) " كما طلبت اليك ان تمكث في افسس، اذ كنت انا ذاهباً الى مكدونية، لكي توصي قوماً ان لا يعلموا تعليماً آخر، ولا يصغوا الى خرافات وأنساب لا حد لها، تسبب مباحثات دون بنيان الله الذي في الايمان" ( 1 تيم 1: 3و4) " ولكن الروح يقول صريحاً: انه في الازمنة الاخيرة يرتد قوم عن الايمان، تابعين ارواحاً مضله وتعاليم شياطين...ان فكرت الاخوة بهذا، تكون خادماً صالحاً ليسوع المسيح، متربياً بكلام الايمان والتعليم الحسن الذي تتبعته...أوص بهذا وعلم" (1 تيم 4: 1 و6و11) " تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني، في الايمان والمحبة التي في المسيح يسوع. احفظ الوديعه الصالحة بالروح القدس الساكن فينا" (2 تيم 1: 13و14) " فتقو انت يا ابني بالنعمه التي في المسيح يسوع. وما سمعته مني بشهود كثيرين، أودعه أناساً أمناء، يكونوا أكفاء ان يعلموا آخرين ايضاً" (2 تيم 2: 1و2) " واما انت فاثبت على ما تعلمت وأيقنت، عارفاً ممن تعلمت" (2 تيم 3: 14).

[32] المسيحية في العالم العربي، ص 52. هذا التنظيم موجود منذ نهاية القرن الاول لكنه اخذ بالتشكيل الاداري الفعلي منذ القرن الثالث (رأي المؤلف).

[33] بمرحلة ما اصبحت اورشليم تتبع لاسقف فيصرية فلسطين بسبب خلوها من السكان او قلة السكان المسيحيين فيها.

[34] مجمع نيقيه ايضاً اصدر قانوناً بان يكرم اسقف آليا (اورشليم) (مرجع سابق صفحة 70)

[35] ينقل الامير الحسن بكتابه " المسيحية في العالم العربي " عن مؤرخ الكنيسة يوسابيوس هذا النص حول كنيسة اورشليم " وفي ذلك (أي اعادة تأسيس كنيسة اورشليم ككنيسة رسولية بعد عام 135 م وهو العام الذي طرد فيه اساقفة الختان واتباعهم من النصارى الاولين من المدينة مع طرد اليهود منها) يقول مؤرخ الكنيسة يوسابيوس، بعد الحديث عن حصار الامبراطور هدريانوس لاورشليم وما انتهى اليه هذا الحصار: حدث ان الكنيسة هناك تألفت لاول مرة من ابناء الامم (غير اليهودية) الذين اخذوا مكان المتحولين (الى المسيحية) من (اهل) الختان. ورأس (هذه الكنيسة) اول اسقف من ابناء الامم". (المسيحية في العالم العربي ص 52-53).

[36] هناك خمسة بطاركة حالياً يحملون لقب بطريرك انطاكيا: هم بطريرك الموارنة، بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك، بطريرك السريان الارثوذكس، بطريرك السريان الكاثوليك، بطريرك الروم الملكيين الارثوذكس، كما كان هناك بطريرك انطاكيا للاتين في فترة الاحتلال الصليبي للمدينة.

[37] لا يرتبط لقب الملكيين على جميع الكنائس التي تقبل المجمع الخليقدوني بل هو اسم يطلق فقط على السريان والاقباط الذين قبلوا المجمع المذكور وقراراته واطلقه عليهم السريان والاقباط الذين رفضوا المجمع وقراراته والذين بدورهم اطلق عليهم لقب المونوفيزتيين. علماً ان قبول الملكيين للطقوس البيزنطية رافقها اختلافات بسيطه تميزها عن الكنيسة البيزنطية.

[38] سمي بالبرادعي لانه كان يلبس ملابس ممزقة فيظهر للعالم كالشحاذين والبعض يقولون انه كان يفعل ذلك تخفياً عن السلطات والبعض الآخر يقولون لشدة تنسكه وتواضعه (مصادر مختلفة).

[39] تأسست مدينة القسطنطينية سنة 330 م على يد الامبراطور قسطنطين الكبير وسماها كذلك تيمناً بإخته قسطنطينة وجعلها عاصمته الجديدة واسس فيها اسقفية زادت اهميتها حتى بلغت ذروتها سنة 381 م عندما انعقد المجمع المسكوني الثاني فيها فرفع درجة اسقفها الى الرتبة الثانية بعد اسقف روما (كما سبق وذكرنا) وصارت تعتبر كرسي رسولي. ويضيف مؤلف كتاب الروم الدكتور اسد رستم في الصفحة 161 من الجزء الثاني ان هذه المدينة نمت وكبرت فأصبحت في القرون العاشر والحادي عشر والثاني عشر مدينة كبيرة شرقية تجمع بين العظمة والفقر فهنالك شوارع رئيسة تحيط بها الابنية الفخمة والقصور العظيمة والكنائس الجميلة وهنالك ايضاً احياء فقيرة مظلمة قذرة وكانت لا تزال ام المدن المتمدنة واغناها وارقاها ذوقاً وفناً وعلماً...فأضحت تفوق جميع المدن تقدماً وازدهاراً ما عدا بغداد والواقع ان ازدهار التجارة في البندقية وبيزة وجنوى وظروف الحروب الصليبية ومطامع عمانوئيل في ايطاليا والغرب استدرجت عدداً كبيراً من رجال الفرنجة الى القسطنطينبية فاقاموا فيها وانشأوا المتاجر والمنازل والكنائس فجعلوا من احيائهم الخاصة بفضل امتيازاتهم مستعمرات لاتينية بكل معنى الكلمة. (الروم، ج2 ، ص 161 – 162) وتشتهر هذا المدينة ايضاً بكنائسها الفخمة فبالاضافة لكنيسة آيه صوفيا ( الحكمة الالهية) هناك كنيسة المخلص القريبة من القصر المقدس وبنتها حنة دلسانة وحذت حذوها حماة اليكسيوس مريم دوقاس فأنشأت كنيسة ثانية بجوار الاولى وتحمل اسم كنيسة المخلص ايضاً وهناك كنيسة قريبة منهما اسمها كنيسة العذراء الكلية القداسة وكنيسة البانتوكراتور الجميلة وكنائس اخرى وعلى الرغم من صغر حجم هذه الكنائس فانها جاءت جميعها رائعه بتناسب مقاييسها وجمال رخامها واتقان فسيفسائها ولا يزال بعض هذه الكنائس قائماً حتى يومنا هذا الا انها تحولت الى جوامع عند الاحتلال العثماني لها (الروم، ج2، ص 163).

[40] يعتقد ان لقب بطريرك ظهر بالمجمع الخليقدوني، وبطريرك كلمة يونانية patriarches  وتعني اباً رئيساً وخصت بها الكراسي الرسولية فقط. وفي هذا الشأن يقول ابن خلدون في تاريخه: " وكان صاحب هذا الدين والمقيم لمراسمه يسمونه البطرك وهو رئيس الملة عندهم وخليفة المسيح فيهم يبعث نوابه وخلفاءه إلى ما بعد عنه من أمم النصرانية ويسمون الأسقف أي نائب البطرك ويسمون الإمام الذي يقيم الصلوات ويفتيهم في الدين بالقسيس‏.‏ ويمفون المنقطع الذي حبس نفسه في الخلوة للعبادة بالراهب‏.‏ وأكثر خلواتهم في الصوامع‏.‏ وكان بطرس الرسول رأس الحواريين وكبير التلاميذ برومة يقيم بها دين النصرانية إلى أن قتله نيرون خامس القياصرة فيمن قتل من البطارق والأساقفة ثم قام بخلافته في كرسي رومة أريوس‏.‏ وكان مرقاس الإنجيلي بالإسكندرية ومصر والمغرب داعياً سبع سنين فقام بعده حنانيا وتسمى بالبطرك وهو أول البطاركة فيها‏.‏ وجعل معه اثني عشر قساً على أنه إذا مات البطرك يكون واحد من الاثني عشر مكانة ويختار من المؤمنين واحداً مكان ذلك الثاني عشر‏.‏ فكان أمر البطاركة إلى القسوس" (تاريخ ابن خلدون، الجزء 1، الفصل 33).

[41] القانون الثالث للمجمع المسكوني الثاني المنعقد بالقسطنطينية سنة 381 م والذي ينص على " ليكن لاسقف القسطنطينية الكرامة الاولى بعد اسقف رومية لكونها رومية الجديدة" وقد رفض هذا القانون البابا الاسكندري واساقفته معللين رفضهم بانه لا مبرر لاقحام الكراسي الدينية في الرفعه المدنية، وانه لم يكن في القوانين السابقه ما يمنح لكرسي رومية الكرامة الاولى حتى يمكن وضع كرسي القسطنطينية بالكرامة الثانية بعدها ولهذا فقد احتج البابا الاسكندري مع اساقفته احتجاجاً صارخاً وانسحبوا من المجمع غاضبين الا ان كرسي الاسكندرية الرسولية ما زال يعترف بقانونية المجمع (كتاب عصر المجامع، ص 106 و107)

[42] سيرة الخلاص، ص 31.

[43] القانون الثاني حدد مناطق النفوذ الممنوحة للكراسي الرسولية والاسقفيات مع مراعاة ما ورد بمجمع نيقيه (عصر المجامع، ص 106)

[44] الملكيون، ص 7.

[45] او الاناضول او مملكة ارمينيا العظمى وقد احتلها الرومان سنة 69 ق م واصبحت ولاية رومانية وقد اصبحت لاحقاً اول دولة مسيحية الى ان اجتاحها الفرس وقتلوا ملكها واصبحت تابعه لدولة الفرس واصبحت ارمينيا محطت نزاع بين الفرس والرومان الى ان استطاعت الدولة البيزنطية فرض سيطرتها الكاملة على ارمينيا وطرد الفرس منها وظلت تحت الحكم البيزنطي الى ان سقطت معظم الاراضي الامينية بيد السلاجقة الاتراك عام 1071 فشكل الارمن مملكتهم الصغرى في شمال ارمينيا الكبرى الى ان سقطت مملكتهم الصغرى بيد المماليك سنة 1375 م و ثم اصبحت تابعه للمفول ثم العثمانيين ثم الفرس ثم روسيا الى ان استقلت سنة 1991.

[46] الروم، ج1، ص 125.

[47] انظر  الروم، ج1، ص 38.

[48] انظر الملحق رقم -1- آخر الكتاب.

[49] ويلقب ايضاً بحامل الاله ثيوفوروس Theophorus نظرة لشدة تقواه وقداسته ولان التقليد الكنسي يقول يقول ان الرب حمله في طفولته (مصادر مختلفة).

[50] من بين الاختلافات كانت اشارة الصليب التي يرسمها المؤمن على جسده وتجدر الاشارة الى ورود نص بإحد التقاليد الرسولية تطالب المؤمن برسم علامة الصليب على الجبهة لانها علامة تقي من الشر وتعلم بإنتصار المسيح على الشيطان، فكانت اول الامر تتم بإصبع واحد لترمز على ايمان المسيحي بإله واحد امام الوثنيين وعندما ظهرت مشكلة الطبيعه والطبيعتين اصبح المؤمنون بالطبيعه الواحدة يرسمون الصليب بإصبع واحد والمؤمنون بالطبيعتين يرسمونه بإصبعين ثم اصبح الغربيون يرسمونه بخمسة اصابع دلالة على جروحات المسيح الخمس بتأثير من القديس فرنسيس الاسيزي على ما يعتقد بينما يرسمه الشرقيون بثلاث اصابع علامة الايمان بالثالوث الاقدس، وكانت اول الامر ترسم فقط على الوجه ثم تطورت لترسم حتى البطن ثم الكتفين لترمز لتجسد يسوع من مريم ونزوله من السماء وذلك إعلاناً بالايمان بالتجسد الحقيقي للمسيح ضد بدع المتخيله بأشكالها، وكان الاختلاف ايضاً بإتجاه رسم الصليب فالغربيون عندما يصلبون يتجهون من الشمال الى اليمين بينما الشرقيون من اليمين الى الشمال وكان ذلك يرمز لموقع المؤمن من اورشليم ويرمز للخير والشر فاليمين خير والشمال شر فالمؤمن عندما يصلب من الشمال الى اليمين فكأنه يتجه من الغرب الى الشرق حيث اورشليم بالنسبة له ومن الشر الى الخير اما المؤمن الذي يصلب من اليمين الى الشمال فكأنه يتوجه من الشرق الى الغرب وكأنه يعلن اجتياح الخير وسيادته على الشر وهذا لم يكن يوماً خلافاً بل اختلاف وان استخدم لاحقاً لتأجيج خلافات لا معنى لها للاسف (رأي المؤلف).

[51] نسبة لمدينة خليقدونية التي تقع بالقرب من مدينة القسطنطينية والتسمية لحقت بالطائفية فالذين قبلوا المجمع الذي عقد فيها سنة 451م سميوا بالخليقدونيين او ديوفيزيين في بعض المراجع والذين رفضوا المجمع سميوا بالمونوفيزيين او اللاخلقيدونيين.

[52] يقتبس مؤلف كتاب تاريخ الفكر المسيحي ج1 في المجلد الاول الصفحة 501 النص التالي من كتاب Histoire des Dogmes للعالم بونيفاس  Bonifas عن الاسكندرية في القرون المسيحية الاولى يقول" بأن كل الديانات وكل الفلسفات الماضية وكل التعاليم الكاذبة وكل التعاليم الصحيحة وكانها على موعد في هذه المدينة، اذ أن كل المدارس كانت ممثلة فيها" فقد كانت الاسكندرية في القرون الاولى وحتى عصر المجمع الخليقيدوني مدينة عظيمة ومركز علم وملتقى لحضارات متنوعه وكأنها اثينا الثانية فأصبحت كجامعه مفتوحه مرموقه يلتقي فيها المعلمون والطلبه لكثرة مدارسها الفلسفية والدينية من بينها مدرسة التعليم المسيحي التي اسسها وطورها باتنيوس.

[53] تجدر الاشارة الى ان كثير من المعلومات عن بابوات روما سجلها اعدائهم ومعارضيهم وبالتالي ونظراً لعدم وجود مصدر مؤيد او مستقل لسرد معلومات أخرى عنهم وجب التحفظ على الكثير من المعلومات المنقولة والمشار اليها عند كل حدث ولذا وجب التنويه (المؤلف) وان استخدم البعض من غير المسيحيين او المسيحيين الغير كاثوليك حجة فساد الكنيسة الفربية على مر العصور لمحاربتها فان التاريخ ايضاً ينصف هذه الكنيسة وإكليروسيها " وكانت الكثرة الغالبة منهم تجد صادقة مخلصة في تعليم الشعب الذي كان يعاني الامرين من شره كباره وملوكه، وفي تقييم اخلاقه، وان كانت من بينهم اقلية صغيرة انغمست في الرذيلة. وكان للاساقفة القسط الاكبر من السلطة الزمنية والدينية في ابرشياتهم، وكانت محاكمهم الملجأ المفضل للمتقاضين في الشؤون الدينية وغير الدينية ايضاً. وكانوا اينما وجدوا يبسطون حمايتهم على اليتامى، والارامل، والمعدمين والارقاء، وكانت الكنائس تنشئ المستشفيات في كثير من الابرشيات، ومنها Hotel De Dieu (نزل الله) الذي افتتح في باريس عام 651م وقد اشتهر سان جرمان St. Germain اسقف باريس في النصف الثاني من القرن السادس في جميع انحاء اوروبا بما بذله من الجهود في جمع الاموال وانفاق ماله الخاص لتحرير العبيد. ورمم سيدونيوس اسقف مينز جسور الرين. وهذب فليكس اسقف نانت مجرى اللوار، وانشئ ديدييه Didier اسقف كاهور Cahor قنوات لنقل مياه الشرب، وكان سان أجوبار St. Agobard ( 799 – 840) كبير اساقفة ليون نموذجاً صالحاً في الدين، وعدواً لدوداً للخرفات، حرم المحاكمة بالمبارزة او التحكيم الالهي، كما حرم عبادة الصور، وتفسير الزوابع على انها من اعمال السحر، وكشف عما في محاكمة الساحرات من اخطاء فكان بهذا اكثر رؤوس ذلك الوقت صفاء ( قصة الحضارة، عصر الايمان).

[54] البروتستنت كلمة تعني الاحتجاج، وهذا الاسم أطلق على مجموعة الكنائس المسيحية المنتمية إلى ما سُمي بالإصلاح، باستثناء الكنيسة الأنكليكانية. ويشير موقع "الشبكة الارثوذكسية العربية الانطاكية" على الانترنت الى البروتستنت بأنهم  " غالبية الفرق البروتستنتية (وليس كلها قاصداً بذلك شهود يهوه والسبتيون والمورمون) تؤمن بإله واحد في ثلاثة اقانيم وتؤمن بتجسد ابن الله ...وبآلامه وموته وقيامته وبالفداء والخلاص لكن توجد فروق مهمة احيانا في بنود الايمان حيث فصلت البروتستنت نفسها منذ ظهورها بعد انفصالها عن الكنيسة الكاثوليكية فصلت نفسها عن الكنيسة الرسولية...وهذا الانفصال عن سبق الاصرار ادى بالبروتستنتية الى رفض شامل لحياة الكنيسة الرسولية بما في ذلك المجامع المسكونية والمحلية وتعاليم الآباء والرسل والى رفض للتقليد الكنسي...ورفض الاسرار الكنسية..." (مرجع الانترنت رقم 17) وهذا ما جعلهم محل رفض من قبل الكنائس الاخرى.

[55] انظر هرطقات القرنين التاسع عشر والعشرين في ملحق رقم -21- آخر الكتاب.

[56] من الكلمة اليونانية apostoloi

[57]  من الكلمة اليونانية euangelion أي الخبر السار.

[58] ليكن كل شيء بلياقة وحسب ترتيب (1 كو 14: 40).

[59] كلمة يونانية بمعنى دياكونيا أي الشماسية وهي الخدمة التي ارتأها الرسل لبعض الاخوة فكانت رتبة ووظيفة مقدسة انتخب لها اول الامر سبعه من الشمامسة اشهرهم اول الشهداء اسطفانس ويبدو ان الكنائس لاحقاً بدأت بإنتخاب الشمامسة من الذكور والاناث الى ان قامت الكنيسة في مجمع نيقيه بحصر الرتبة الشماسية بالرجال فقط.

[60] درجات او الرتب الكهنوتية كانت في بداية المسيحية هي الشماسية والكهنوتية (القسوسية او الشيوخ) والاسقفية ثم ما لبثت الطوائف ان اوجدت بين هذه الدرجات او الرتب رتباً أخرى تختلف من كنيسة لاخرى لكن يمكن ان نقول ان بينها: بطريرك او رئيس اساقفة او مونسنيور او غيرها من الرتب.

[61] اعمال الرسل 6: 1-7 واعمال الرسل 13: 1-3

[62] كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية اكليرونوميا Aclaironomia وتعني الميراث.

[63] (2 كو 11 :28)

[64] (1كو 12 :28، أف 4: 11 )

[65] (اع 13: 1) ( اع 11: 28، 21: 11) ( اع 2: 17) (1 كو 11: 5) وغيرها.

[66] (أف 3 :5)

[67] (أف 4 :11)

[68] لعل الأعوان تشير إلى خدمة الشمامسة.

[69] (1 كورنتوس 12: 28 )

[70] (فيلبي 1: 1)

[71] (أفسس 4 :11) يقول احد الرعاة تعليقاً على هذه الآية " صحيح أن الرب وحده هو الراعي الصالح (راعي الخراف العظيم) ولكنه أيضاً رئيس الرعاة الذي إذ صعد إلى العلاء سبى سبياً .. وأعطى البعض .. أن يكونوا .. رعاة ومعلمين وهؤلاء الرعاة متى كانوا أمناء، فإنهم يرعون القطيع لا باعتباره قطيعهم بل قطيع الرب كما قال الرب لبطرس: ارعَ خرافي ... ارعَ غنمي  يو 21: 15 -17 وواجب الرعاة الأمناء أن يسهروا على سلامة نفوس المؤمنين".

[72] (أعمال 20 :28)

[73] (انظر 1 تيموثاوس 3: 1- 13 وتيطس 1 :5 و 7- 9)

[74] يبدو تاريخياً ان هذا التميز بدأ مع القرن الثالث لكن لم يكن بسرعه بل بالتدريج ولم يأتي القرن الرابع الا وكان هناك تميز واضح في الدرجات الاكليروسية بين الاسقف والقس والشماس خصوصاً ان مجمع نيقيه ميز بينهم وجعل الاسقف الاعلى يليه القس او الكاهن يليه الشماس والمجمع نفسه سمح بزواج القسوس والشمامسة ومنع زواج الاساقفة. ويرى الامير الحسن بن طلال في كتابه المسيحية في العالم العربي صفحة 51 " ان الكنائس التي ترأسها الاساقفة الاوائل – وهي التي تأسست اصلا على يد بولس واصحابه في مختلف انحاء العالم الروماني – بقيت تحمل اسماء المدن التي تأسست فيها. وقد كانت الحياة في المدن، في الامبراطورية الرومانية اقل تطوراً وانتشاراً في الغرب (بلاد اوروبا الغربية وما يقابلها من بلاد افريقيه) منها في الشرق (بلاد شبه الجزيرة اليونانية واسيا الصغرى والشام ومصر والعراق). ولهذا السبب جاءت الكنائس الشرقية ( وهي التي اعتمدت اللغة اليونانية في طقوسها ) اكثر عدداً من الكنائس الغربية ( وهي التي اعتمدت اللغة اللاتينية بدلا من اليونانية)، غير ان كنيسة روما في الغرب تمتعت، ومنذ البدء، بتفوق بارز على غيرها من الكنائس، كونها كنيسة عاصمة الامبراطورية. وفيما كان الاساقفة في الكنائس الشرقية يمارسون السلطة على مناطق صغيرة نسبياً، كان زملاؤهم في الغرب يمارسون السلطة نفسها على مساحات اوسع معظمها متطابق مع التقسيمات الادارية الرومانية، حيث كانت تسمى كل وحدة إدارية diocesis (اليونانية diokesis  أي تدبير المنزل) فأصبحت المنطقة التابعه للاسقف تسمى ايضاً diocesis (وبالعربية ابرشية ومن اليونانية paroikia بمعنى الجوار) وهذا المصطلح ما لبثت الكنائس الشرقية ان نقلته عن الغربية للدلالة على المنطقة التابعه كنسياً للاسقف. وفي الشرق كما في الغرب، قسمت كل ابرشية الى وحدات كنسية سميت كل واحدة منها paroikia، او باللاتينية paroicia (وبالعربية رعية حتى لا يكون هناك التباس بين الابرشية المعربة عن paroikia بمعنى ولاية الاسقف، واللفظة المعربة ذاتها بمعنى الجزء الواحد من هذه الولاية). واوكلت الرعاية الروحية لكل رعية الى قس يتولى شؤونها تحت اشراف اسقف الابرشية.

[75] ارى ان كلمة البعض الوارده في رسالة القديس بولس لاهل افسس 4 :11تميز بين كهنوت المؤمن العادي والمؤمن المكرس (الاكليروس) كما نرى في انجيل متى 18 :17 ان الرب يسوع المسيح اوكل إلى الكنيسة الحكم النهائي، والكنيسة وان كانت تعني جمع المؤمنين الا انه ليس من المنطق بعد زيادة عدد المؤمنين وانتشارهم جغرافياً واختلافهم في فكرهم الثقافي وتعليمهم ونموهم الروحي ان يتخذوا جميعهم القرارات الكنسية لذلك وبسبب هذا التوسع والانتشار انحصرت قرارات الكنيسة بالاكليروس رغم ما سببه هذا الامر من امور سلبية وقرارات واحكام خاطئة لاحقاً الا انه كان النظام الاداري المنطقي والوحيد (رأي المؤلف)ز.

[76] (1كورنثوس 5 :4-13)

[77] (2 كورنثوس 3 :6)

[78] (أعمال 6:  3 - 13)

[79] (أعمال 15 :22، 1 كورنثوس 16 :3، 2كورنثوس 18-3، في 2 :25)

[80] (أعمال 14 :23، تي 1 :5)

[81] (1 كو 14: 40)

[82] وبالاتيني Oecumenicus يطلق على المجمع ايضاً اسم سينودس وهي كلمة يونانية تعني اجتماع واستخدمت في العديد من المواضع لتعني وصف اجتماع الكنيسة كلها لاقامة الافخارستيا. وفي رأي آخر  هو ما يختص بجميع العالم المسكون او المأهول (المسيحية في العلم العربي، ص 15).

[83] نسبة الى مدينة اوكسبرج قرب لندن ساهم بتأليفه لوثر وملانكثون وهو مقبول لدى الكنائس اللوثرية وقد الف الاخير كتاب سماه " المحاماة عن القانون الاوكسبرجي" سنة 1530م.

[84] مأخوذ من كتاب «الإقرار بالإيمان» المعروف بالهالفيتي الثاني، جمعه بولنجر سنة 1564 ونشره سنة 1566 فأغنى عن كتاب الإقرار بالإيمان الهالفيتي الأول الذي أُلف سنة 1536.

[85] نسبة الى مدينة هيدلبرج في المانيا.

[86] نسبة الى اسكتلندا.

[87] نسبة الى مدينة دورت بهولندا واجتمع هذا المجلس سنة 1618 – 1619 م  من كبار لاهوتي وقساوسة كنيسة هولندا البروتستنتية للفض في المنازعات.

[88] نسبة الى مدينة وستمنستر البريطانية.

[89] ورد ذكر قانون الرسل في أواخر القرن الرابع. أما النص المعروف فلا يرجع إلى أبعد من أواخر القرن الثاني. وقد ورد في صيغتين: صيغة نشأت في روما باللغتين اللاتينية واليونانية وانتشرت في إيطاليا وأفريقيا وإسبانيا، وصيغة نشأت في غاليا وألمانيا وأصبحت النص المتوارث حتى يومنا هذا. (مرجع الانترنت رقم 2).

[90] يبدو ان استعمالها كان نحو سنة 200 م في روما بحيث تكون شهادة ايمان تسبق المعمودية للتطور في القرن الرابع الى ما يسمى بقانون الايمان الروماني القديم الذي اساسه قانون ايمان الرسل( المسيحية في العالم العربي، ص 38)

[91] للاطلاع على النص الاصلي باللغتين اللاتينية واليونانية وترجمتهما يرجى زيارة مرجع الانترنت رقم 4.

[92] لم تكن العقيدة القائلة بالثالوث منطوق بها قبل سنة 381م بشكل واضح ولكن بعد هذا التاريخ اصبحت اكثر وضوحاً ولذلك يتهم المهرطقين وناكري هذه العقيدة الكنيسة بالتحريف لكن المؤرخين واللاهوتيين يشيرون الى ان الكنيسة الاولى كانت تؤمن بهذه العقيدة فعلياً واشارة اليها بعض الآباء الاوليين واللاهوتيين العظام في عظاتهم وكتاباتهم قبل سنة 325 م وبعدها فمثلاً من المؤلفات التي قبل مجمع نيقيه: اشار  اوريجانوس لعقيدة الثالوث عدة مرات في كتاباته (تاريخ الفكر المسيحي ج1، ص 560) و ثئوفيلوس اسقف انطاكيا سنة 182 م قدم اول اشارة صريحة للايمان بالثالوث، كما ان ترتليانوس هو اول كاتب لاتيني يستعمل الاصطلاح " التثليث" واول شخص استخدم اصطلاح الاقنوم. (تاريخ الفكر المسيحي ج1، ص 528) واشار لموضوع الثالوث البابا الغير شرعي نوفاتيانوس بكتابه (De Trintate) (تاريخ الفكر المسيحي ج1، ص 581) ومن الذين اشاروا للثالوث بعد سنة 325م القديس اغسطينوس في مؤلفه "اعترافات" المجلد الثالث عشر والذي وضعه بعد مجمع نيقيه.

[93] الاضافة التي يرفضها الارثوذكسيين والتي بسببها حدث الانشقاق بين كنيستي روما والقسطنطينية، كما رفضها باقي الارثوذكسيين.

[94] كاهن بكنيسة الاسكندرية ولد سنة 270 م بمدينة القيروان في ليبيه وتوفي سنة 336 م ودرس اللاهوت بمدرسة الاسكندرية اللاهوتية وسيم شماساً سنة 306 م وكان متأثراً بالعقيدة المونارخية اذ وصف الابن بأنه المولود الوحيد للآب نافياً التساوي في الازلية بين جوهري الآب والابن في الثالوث الاقدس، وقد انتشرت عقيدته انتشاراً واسعاً بين المسيحيين وحاربه بابا الاسكندرية الكسندروس بينما وقف معه اساقفة فلسطين واسيا الصغرى مما جعل الامبراطور قسطنطين وبسبب شدة الخلاف وانتشاره الى ان يأمر بعقد مجمع مسكوني هو المجمع الاول الذي انعقد في نيقيه سنة 325 م. (المسيحية في العالم العربي، ص 39- 43، عصر المجامع ص31 – 35).

[95] هناك بعض الآراء حول هذا القانون فأحد الآراء أنّ هذا النصّ وضع في جنوب فرنسا، في القرن الخامس (بتصرف عن هيلاريون أسقف بواتيه) لكن بعض العلماء المتأخرين أجمعوا على نسبته إلى أصل آخر ونسبوه إلى شمال أفريقيا إلى تابعي أغسطينوس وإن صورته الكاملة لم تظهر قبل نهاية القرن الثامن.

[96] عصر المجامع صفحة 146 و147

[97] أو مذهب الطبيعة الواحدة، انتشر في القرون الأولى في الشرق المسيحي وهو يقول بأنّ في المسيح "طبيعة واحدة". ولقد اتّخذت المونوفيزيّة أشكالاً مختلفة جداً، فهي تنشأ، عند أبوليناريوس اللاذقيّ، عن عدم وجود ناسوت كامل في المسيح، في حين أنّها لاتفترض ذلك عند أوطيخا. أمّا بعد انعقاد مجمع خلقيدونية (451) الذي أدان المونوفيزية، فالمقصود عند ساويرس الأنطاكيّ مثلاً، هو مسألة صيغة، إذ إنّ اللاخلقيدونييّن يكتفون بعبارة "طبيعة" كما استعملها كيرلّس الإسكندريّ، ويرفضون الصيغة الخلقيدونيّة القائلة بالطبيعتين. (مرجع الانترنت رقم 2).

[98] " إنه لمن المؤسف و الخطير على السواء أن هناك من العقائد بين الناس بقدر ما يعتنقون من الآراء ، ومن المذاهب بقدر مالهم من اتجاهات و ميول، وأن هناك من دواعي الكفر بقدر ما نرتكب من أخطاء، وذلك لأننا نصنع العقائد على هوانا ونفسرها بالطريقة عينها، فالمجامع المتعاقبة تنبذ مذهب الطبيعة الواحدة، ثم تقبلها ثم تهون من شأنها، وقد أصبح التشابه الجزئي أو الكلى بين الآب و الابن موضع جدل و نقاش فى هذه الأيام التعسة، وفى كل سنة، بل و فى كل شهر نصنع عقائد جديدة لنفسر بها غوامض خفية، ونندم على ما فعلنا وندافع عن النادمين، ثم نصب اللعنة على أولئك الذين دافعنا عنهم، وندين مذهب الآخرين فى أنفسنا أو ندين مذهبنا فى الآخرين، و يمزق بعضنا بعضاً، ومن ثم فقد كان كل منا سببا فى هلاك الآخرين" تصريح هيلاري اسقف بواتيه والذي نقله جيبون المؤرخ البريطاني في كتابه اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها، ص 619 .

[99] اشير هنا الى ان الخلاف بين كنيسة روما والكنائس الشرقية حول كلمة (الابن) وخبز الفطير وزواج الكهنة وغيرها من الامور قد عفى عليه التاريخ فبعض الكنائس الشرقية التابعه لبابا روما ما زالت تقرأ قانون الايمان بنصه القديم الذي ورثته من تقليدها أي بدون كلمة (الابن) كما انها تستخدم الفطير وتسمح بزواج الكهنة والاصوام الشرقية وعاداتها الطقسية ولم يختلف عليها الا انها تقدم بابا روما وكرسيه على بطريركها وكرسيه.

[100] انظر للملحق رقم – 27- آخر الكتاب.

[101] ان الكتاب المقدس للمسيحيين الاوائل كان العهد القديم ( 2 تي 3 : 15-17) والكلمات التي نطقها يسوع المسيح بحيث كانا معاً يشكلان سلطة متساوية ( اع 20: 35، 1 كو 7: 10 و12، و 9: 14، واتي 5: 18) وكان مواز في التداول الشفهي لتعليم يسوع التفسيرات الرسولية عن شخصه واعماله... هذه التفسيرات الرسولية كتبت لاحقاً في الاناجيل والرسائل بواسطة الرسل انفسهم او تلاميذهم المباشرين ونسبت للرسل نظراً لما لهم من اهمية ومصداقية..تلاهم في المصداقية والاهمية كتابات الآباء المعاصرين لفترة الرسل مثل القديس بوليكاربوس وان لم تدخل كتاباتهم ضمن الكتاب المقدس. دون ان ننسى ان بعض التلاميذ ادخلوا تعديلات في بعض كتابات الرسل والتي تعترف الكنيسة بإنها جرت على بعض الكتابات رغبة من هؤلاء التلاميذ بإيجاد نصوص رسولية ضد الهرطقات المنتشرة في تلك الفترة خصوصاً منها الغنوصية والانتحالية. هذا الامر جعل المسيحيون يتأخرون في قبول بعض الكتابات الرسولية والتشكيك في قانونيتها حتى القرن الرابع الميلادي منها الرسالة الى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسائل يوحنا الثانية والثالثة والرؤيا ورسالة يهوذا (المؤلف).

[102] (اعمال الرسل 1: 4)

[103] سيلاحظ القارئ لاحقاً في هذا الكتاب كيف ان بعض الاساقفة حصلوا على مناصبهم او تقدموا في رتبهم الاكليروسية بالشراء (السيمونية) والرشوة والتعين وليس عن طريق الانتخاب وتم ذلك على يد أباطرة او على يد اساقفة آخرين او حتى من سلاطين وحكام غير مسيحيين.

[104] تشير المصادر التاريخية الى انه حدث سنة 49 ميلادية.

[105] (راجع أعمال الرسل 6: 1-8)

[106] من اولى الهرطقات في المسيحية ويشير مؤلف كتاب المسيحية في العالم العربي الامير الحسن بن طلال في كتابه صفحة 22 -33 مستشهداً بكتابات يوسابيوس القيصري مؤرخ الكنيسة في كتابه التاريخ الكنسي الى ان مسيحيو اورشليم أي العبرانيين قد " نظموا انفسهم كمذهب خاص سمي بالنصارى بقيادة يعقوب بن يوسف احد اخوة يسوع الاربعه ثم بقيادة آخرين من أقاربه باعتبارهم من نسل داود، فتوجس الرومان خيفة من ان هؤلاء يطالبون بملك محلي ولذلك قاموا بإضطهادهم بين حين وآخر، وقدامى مؤرخي الكنيسة اسموا يعقوب بن يوسف وخلفاءه اساقفة الختان لا لانهم كانوا انفسهم ايضاً مختونين كونهم اسرائليين بل لان الكنيسة التي قادوها كانت تعتبر نفسها جماعه دينية اسرائيلية اصولية تعتز بتشددها في اتباع شريعة موسى وفي جعل الختان ملزماً لجميع الذكور من سائر الامم الذين يختارون اتباع مذهبهم" ويضيف ايضاً الى ان اساقفة الختان انتهوا بخروج "النصارى" مع اليهود من اورشليم سنة 135 م على يد هدريان ثم يشير الى ما ورد في كتاب ج. سبنسر ترمنجهام المسيحية بين العرب قبل الاسلام بوصف مذهب اساقفة الختان بانه كان "مذهباً مسيحياً اورشليمياً وضيع الشأن". ويذكر الامير بكتابه بانه "ورغم زوال كنيسة اساقفة الختان عام 135م  لكن مبادئ مذهبها بقي حياً قروناً عدة... ومنها خرجت جماعة الابيونيين" والتي هي جماعة ترى المسيح رجلاً عادياً وتكره الصليب وترفض بولس. والمؤلف انما يشير الى النصارى حسب ذكرهم في الاسلام ونورد نصاً ايضاً ليوسابيوس القيصري بكتابه تاريخ الكنيسة 6: 37 " ونحو هذا الوقت (قبل سنة 215 م) قام آخرون في بلاد العرب منادين بتعليم غريب عن الحق... فاجتمع مجمع كبير دعي اليه اوريجانوس ايضاً، فتكلم في الموضوع بكل قوة حتى تغيرت آراء الذين سبق ان سقطوا" ولتوضيح اكثر عن النصارى يرجع قراءة الحواشي في الصفحات اللاحقة. والمطلع على هرطقة الابيونيين يراها في عقيدتها مشابهة نوعاً ما لعقيدة النصارى التي يذكرها الاسلام من حيث رفضهم للصليب ورفضهم لبولس الرسول والذي اقتبس منهم لاحقاً المفسرون المسلمون فرفضوا الصليب ورفضوا بولس معتبرين اياه ابو التحريف ومدعي الوهية المسيح وان الاساقفة 318 في مجمع نيقيه اتخذوا تعليم بولس كإيمان لهم وهو ما اورده ابن البطريق بتاريخه ايضاً. علماً ان لقب الناصريين اطلقه كهنة اليهود على بولس واتباعه وليس على يعقوب بن يوسف " فأننا اذ وجدنا هذا الرجل (بولس) مفسداً ومهيج فتنة بين جميع اليهود في المسكونة، ومقدام شيعة الناصريين" (اع 24 : 5). 

[107] كنيسة اورشليم، ص 5.

[108] لعل هذا القرار كان اكبر جواب من الكنيسة الاولى لمن يعتقد ان في الرسل او التلاميذ من سعى لحفظ الشريعه اليهودية مرتبطة بالمسيحية وخصوصاً يعقوب الرسول والذي سماه المؤرخون المسيحيون الاوائل بأسقف أهل الختان فأشار اليه مؤرخين آخرين بأسقف طائفة النصارى، واعمال الرسل واضح برفضه لهذا التفسير الغير منطقي.

[109] معظم الدارسين لا ينظرون لهذه الاجتماعات الثلاثة على انها مجامع والبعض يرون في الاجتماع الاخير فقط على انه مجمع او شبه مجمع وهذه وجهة نظر لكن من وجهة نظري فاعتقد ان هذه الاجتماعات كانت مجامع مكتملة لسبب رئيسي انها اعطت فكرة عن كيفية عقد المجامع اللاحقة.

[110] يشير التقليد الى ان القديس كبريانوس اسقف قرطاجنة كان يشرك القسوس والشمامسة والشعب في حضور المجامع الاسقفية ويستشيرهم ويأخذ بآرائهم، واحياناً كان يغير رأيه الذي كان يعتنقه في بداية الاجتماع وذلك بعد استماعه لآراء المجتمعين. وفي مجمع قرطاجنة سنة 257م المكاني برئاسته تسجل ان اساقفة كثيرين حضروا وجمع غفير من الشعب كان حاضراً ( التدبير الالهي، ص 156 نقلا عن كتاب مجموعة الشرع الكنسي).

[111] قصة الحضاره، المجلد السادس، صفحة 315.

[112] جمع بدعه (المفرد باليونانية heterodoxia ) وتعني صاحب الرأي المخالف. ويكفي اتهام معلم ما بأن تعاليمه بدعه لتنال النار من مؤلفاته وبالتالي ضياع مؤلفاته وكتبه والتي كانت لتقدم لنا عرضاً للاوضاع العقائدية والتاريخية في تلك الفترة ولكن وصلت الينا بعض الشذرات واجزاء من مؤلفات بعض هؤلاء المهرطقين والفضل يعود لمؤرخي تلك الفترة خصوصاً اوسابيوس القيصري وسقراط الذين قاموا بتقديم بعض المهرطقين وتعاليمهم فإقتبسوا من مؤلفاتهم ومنشوراتهم ما وصل الينا، ومن هؤلاء الذين نالت النار من مؤلفاتهم اريوس الذي قدم لعقيدته كل من يوسابيوس واثناسيوس بمؤلفاتهما وهذا ما حدث ايضاً لثيودوريوس اسقف موبسيوست المعلم الانطاكي الاكثر شهرة والذي قضى مجمع القسطنطينية (553) بهرطقته فتم احراق معظم كتبه ولكن تم اكتشاف بعض عظاته التعليمية سنة 1932 م وعند دراستها جعلت العلماء يشككون بان حكماً عادلاً قد صدر بحق هذا المعلم (تاريخ الفكر المسيحي، ج2، ص 97-98).

[113] انظر الملحق رقم -2- في آخر الكتاب.

BACK