مدخــل للفكــر المسيحــي

 

عند الحديث عن الفكر المسيحي (Dogmas)[1] لا بد لنا من تعريف هذا الفكر فهو ( ذلك التصور الناشئ عن قبول واستجابة وايمان الانسان بالمسيح الهاً وانساناً، فيتخلص من حياته الماضية بما فيها من افعال واقوال وافكار خاطئه، ويولد الانسان من جديد[2] ولادة ينتقل فيها الانسان من الظلمات الى النور ومن الموت الذي يشبه موت المسيح على الصليب الى الحياة التي تشبه قيامة المسيح من القبر، ولا يكتمل ايمان الانسان الا اذا اعتمد ايضاً من شخص مسيحي مؤهل " باسم الآب والابن والروح القدس" وسار الانسان بحسب تعاليم الرب[3]).

أما القبول والاستجابه فلعل ما قاله القديس أوغسطينوس[4] " طلبت الرب لانه هو وجدني أولاً " خير مثال على ما يعنيه، بمعنى ان الايمان بيسوع المسيح ليس عملية وراثية ولا إستدعاء يقدمه الانسان لله يطلب فيه الانتساب للمسيحية وينتظر جواباً عليه بالقبول او الرفض. ان الرسول يوحنا الحبيب كان واضحاً حينما قال "نحبه لانه هو أحبنا اولاً "[5] بالتالي فان هذا الفكر المسيحي يقوم على ان الله هو المبادر ونحن من نستجيب وهي دعوة عامه مفتوحه للجميع ويبقى للانسان ان يختار بين القبول وبين الرفض.

الايمان المسيحي يرافقه بعض المتطلبات وهي اعتراف الانسان بخطيئته والتوبه عنها والاعتراف يجب ان يكون باللسان والقلب والاعتماد بالماء باسم الآب والابن والروح القدس والاعتماد الثاني بالروح القدس، وقد يختلف المسيحيون بترتيب اولوية الايمان والمعمودية[6] الا ان كلتهما ضروري ليصبح الانسان مسيحياً مكتمل المسيحية كما قد يختلف المسيحيون بين تعريف وترتيب حدوث معمودتي الماء والروح الا ان الجميع يتفق انهما اساسيان ليكون الانسان مسيحياً مكتمل الايمان. اما الاعتراف فكلمة تعني يونانياً " homologin" أي يقول نفس ما، وهي الاقرار الانسان بما يعرفه الله اصلاً عنا من افعال واقوال وافكار خاطئه وان يندم عليها، ويرافق هذا المفهوم مفهوم آخر ملتصق معه ولا يمكن نزعهما عن بعضهما البعض وهو التوبه. والتوبه تعني الرجوع الى الله " ليترك الشرير طريقه ورجل الاثم أفكاره وليتب الى الرب فيرحمه، والى الهنا لانه يكثر الغفران "[7] وتتضمن التوبه شيئين هامان هما الندم و" صنع ثمار تليق بالتوبه "[8] ومؤكد تعني عدم العودة للطريق السابق علماً ان الانسان بطبيعته خاطئ ولذلك فالخطيئه المقصوده بسابق معرفه تعتبر خطيئه عظيمة اما الخطيئة الغير مقصوده فهي خطيئه تغتفر بدون ان يحمل الانسان وزر كبير. ان هناك تأكيداً ان الانسان مهما بلغ من درجة القداسة والتقرب من الله يبقى هذا الانسان ضعيفاً وقد يخطئ بخطايا غير مقصوده وهفوات كثيرة لكن قلب الرب كبير لذلك فالله في المسيحية ليس فقط رحيم غفور بل هو محبة و" محب للبشر". ان الايمان المسيحي يعلم بان الشيطان يجرب المؤمن ويحاول ان يحيده عن الايمان القويم، ولهذه الخطايا اعتراف وندامة اقرب ما تكون لممارسة او عادة او تقليد ضمن الحياة المسيحية وهي عند الكثير من الكنائس المسيحية ضرورة يجب ممارستها عند كل صلاة وخصوصاً قبل تناول العشاء الرباني، ومهما اختلف المنظور الطائفي لهذه المفاهيم او اختلف اسلوب ممارستها فيبقى ان جميعها ضرورية ليكون الانسان مسيحياً. هذه كلها تعريفات  تدخل في مصطلحين مترابطين هما الكرستولوجي (Christologie)[9] وعلم اللاهوت( Theology)[10] ، ونستقي العقائد من الكتاب المقدس والشخص الذي يقوم بذلك يسمى باللاهوتي او عالم اللاهوت ومهمته ان يجمع العقائد وينظمها ويبيّن علاقة بعضها ببعض وما بينها من الاتفاق، ولا يخفى ما في هذا من الصعوبة والأهمية جعلت اللاهوتيين يختلفون في بعض العقائد وهو ما اسس لاحقاً طوائف مختلفة العقيدة. ويعتبر الكتاب المقدس هو كتاب علم اللاهوت ومصدره وأساسه، أي أن علم اللاهوت مأخوذ منه ومبنيٌّ عليه، وهناك مصادر أخرى للعقائد وهي التقليد[11] لدى بعض الكنائس والتي تسمى بالطوائف التقليدية لانها تأخذ بالتقليد المنقول من الآباء الاوليين كمصدر ثاني للاهوت. ولقد ادت الدراسات اللاهوتية بان وقع بعض اللاهوتيين في المحظور فكانت الضلالات والعقائد الفاسدة والتعاليم المهرطقة والبدع التي شاعت على مر العصور في تاريخ الكنيسة ولكن ورغم ما احدثته هذه الضلالات من شق للوحدة المسيحية الا انه كلما ظهر تعليم خاطئ كانت ردة الفعل بزيادة البحث ونمو النقاشات فتظهر العقائد القويمة المستنبطه من الكتاب المقدس[12].

 


 

[1] اي المبدأ او العقيدة وهذا المصطلح حسب كتاب تاريخ الفكر المسيحي ج1 للقس حنا الخضري صفحة 16 الا ان التعريف حسب مؤلف هذا الكتاب.

[2] الولادة من جديد هي الولادة الثانية والتي قصدها المسيح عندما قال لنيقوديموس " الحق الحق اقول لك: ان كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر ان يرى ملكوت الله" قال له نيقوديموس " كيف يمكن الانسان ان يولد وهو شيخ؟ العله يقدر ان يدخل بطن امه ثانية ويولد؟" أجاب يسوع " الحق الحق اقول لك: ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجب اني قلت لك: ينبغي ان تولدوا من فوق. الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من اين تأتي ولا الى اين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح" (يوحنا 3: 3 – 8)

[3] " أم تجهلون اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما اقيم المسيح من الاموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن ايضاً في جدة الحياة. لانه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير ايضاً بقيامته. عالمين هذا: ان انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة، لكي لا نعود نستعبد ايضاً للخطيئة. لان الذي مات قد تبرأ من الخطيئة. فإن كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن اننا سنحيا ايضاً معه" (روما 6 :3-8).

[4] 354 – 430 م فيلسوف الكنيسة الكاثوليكية واسقف هبو ( Hpoo) بشمال افريقيا، مقتبس من كتابه "اعترافات" .

[5] (1 يوحنا 4: 19)

[6] تؤمن الكنائس الرسولية بانه يجب تعميد الاطفال بسن مبكره بوجود اهل الطفل واشابين مهمتهم تعليم وتنشئة الطفل مسيحياً بينما ترى الكنائس البروتستنتية انه يجب ان يكون الاعتماد لاشخاص بالغين مختبرين الخلاص معللين عقيدتهم بقول المسيح " من امن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدان" (مرقس 16 : 16)  مرتبين الامر كما قاله المسيح الايمان ثم المعمودية، والمسيح نفسه قال  " الحق الحق اقول لك: ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله" ( يوحنا 3 : 5) فكان ترتيب المسيح بهذه الآية معمودية الماء اولا ثم حلول الروح القدس أي الايمان فهذه احدى الخلافات العقائدية التي نشأت بسبب اختلاف التفسير لا أكثر.

[7] ( اشعيا 55: 7)

[8] ( متى 3 : 8)

[9]  التعاليم الخاصة بشخص المسيح سواء كانت التعاليم القويمة ام البدع، راجع كتاب تاريخ الفكر المسيحي ج1 للقس الخضري صفحة 16.

[10] وهو ذلك العلم الذي يبحث عن الله وصفاته وشرائعه وأعمال عنايته، والتعاليم التي يجب أن نعتقدها، والأعمال التي يجب أن نقوم بها. ويختلف علم اللاهوت عن الكرستولوجي بان الاول علم اشمل يبحث بالاضافة للثالوث الاقدس وانسانية يسوع والوهيته قضايا ايمانية كثيرة بينما الكرستولوجي تبحث بشخصية يسوع المسيح والعقائد التي وجدت حوله سواء كانت عقائد الكنيسة القويمة او العقائد المهرطقه او عقائد ديانات أخرى كاليهودية التي ترى يسوع الناصري على انه انسان عادي يدعي انه المسيح او الاسلام التي ترى المسيح عيسى بن مريم كنبي.

[11] لدى بعض الكنائس تقاليد خاصة بها لا تشترك بها مع كنائس أخرى لكن هناك تقاليد عامه مشتركه بين كل الكنائس، وبعض اللاهوتيين يرون في الكتاب المقدس نفسه تقليداً مكتوب منقول. والتقاليد اما مكتوبه او منقوله شفهياً " فاثبتوا اذا ايها الاخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتوها، سواء كان بالكلام ام برسالتنا" (2 تسالونيكي 2 : 15).

[12] كانت العقائد والتعاليم الفاسدة تظهر من خلال معلمين واساقفة ورهبان مشهورين وقد قضوا حياتهم في التعبد والاجتهاد وقد استنبطوا أدلتهم من الكتاب المقدس فكانت حجتهم قوية واستطاعوا ان يجذبوا اليهم الكثيرين خصوصاً من الناس البسطاء او القليلي الثقافة و الذين يتبعون أي هوى ومشكلتهم هؤلاء انهم ورغم معرفتهم العميقة ودراستهم وتعبدهم لم يفهموا الكتاب المقدس او فسروه تفسيرا ارضياً او انهم اخذوا بأيات معينة دون غيرها لكن وقف بوجه هؤلاء المبتدعين علماء واساقفة ورهبان واحياناً علمانيين رؤا في تعليمهم ضلال وبدعه وخطأ واستطاعوا من خلال الكتاب المقدس ان يثبتوا خطأ تعليمهم وغرابة عقيدتهم فكلاهما يأخذ من الكتاب المقدس لكن ما يفرز القديس عن الهرطوقي ان القديس يأخذ بكامل الكتاب المقدس اما الهرطوقي فيأخذ بشيء ويترك شيء ولاحقاً سنثبت هذا الكلام عند التحدث عن بعض الهراطقة دون ان ننسى ان الشيطان نفسه استقى في تجربته للمسيح على جبل التجربة آية كتابية "متى 4: 1-11" (المؤلف).

Back